تحرير الشّايب

أخطاء التأسيس ودروس المستقبل
لا يمكن فهم تعثر التحول الديمقراطي في ليبيا بعد ثورة 17 فبراير 2011 من خلال دراسة الانقسامات التي ظهرت في مرحلة لاحقة فقط، ولا من خلال إرجاع الأزمة إلى العامل الأمني أو التدخلات الخارجية وحدها.
فقد كانت السنوات الأولى التي أعقبت سقوط نظام القذافي مرحلة تأسيسية جرى خلالها تحديد القواعد الأولى للدولة الجديدة، وشكلت الخيارات التي اتخذتها النخبة السياسية والثورية خلال تلك الفترة جزءاً مهماً من المسار الذي قاد لاحقاً إلى الانقسام المؤسسي والحرب الأهلية.
وتكتسب الفترة الممتدة بين عامي 2011 و2014 أهمية خاصة لأنها شهدت الانتقال من المجلس الوطني الانتقالي إلى المؤتمر الوطني العام، وإجراء أول انتخابات وطنية بعد سقوط النظام، وتشكيل الحكومة الانتقالية، وبدء عملية بناء المؤسسات الدستورية، وإصدار تشريعات العدالة الانتقالية والعزل السياسي، وفي الوقت نفسه استمرار التشكيلات المسلحة خارج إطار الدولة، وتنامي الاستقطاب السياسي، وصولاً إلى أزمة 2014 التي أفضت إلى انقسام سياسي وعسكري عميق.
وعليه، فإن السؤال المركزي لا ينبغي أن يكون: لماذا فشل التحول الديمقراطي في ليبيا؟ بصورة مجردة، وإنما ينبغي أن يُطرح بصورة أكثر تحديداً: كيف أدارت نخبة فبراير المرحلة الانتقالية بين 2011 و2014، وما الأخطاء التي ارتكبتها في بناء مؤسسات الدولة وإدارة الصراع السياسي والأمني ومعالجة إرث النظام السابق، وكيف أسهمت تلك الأخطاء في إضعاف أسس التحول الديمقراطي؟
ولا يعني استخدام مفهوم «نخبة فبراير» افتراض تجانس هذه النخبة؛ فقد كانت تتكون من قوى ثورية وسياسية ومحلية وقبلية ومدنية وعسكرية متباينة، ولم تكن لها قيادة موحدة أو مشروع سياسي واحد.
ولذلك فإن المقصود بالمفهوم في هذا الفصل هو مجمل الفاعلين الذين انتقلوا من موقع المعارضة والثورة إلى موقع إدارة الدولة أو التأثير المباشر في مؤسساتها خلال المرحلة الانتقالية.
وتنطلق المراجعة من فرضية أساسية مفادها أن تعثر الانتقال الليبي لم يكن نتيجة عامل واحد، وإنما نتج عن تفاعل أخطاء في بناء المؤسسات السياسية والأمنية والدستورية، مع ضعف إدارة الخلاف السياسي، وسياسات الإقصاء، والاستعجال في بعض الاستحقاقات الانتخابية، وعدم بناء توافق وطني حول قواعد المرحلة الانتقالية.
وتكتسب تفكيك هذه الأخطاء أهميتها ليس بهدف إعادة إنتاج الانقسام السياسي أو توزيع المسؤولية الأخلاقية بين الليبيين، وإنما بهدف استخراج دروس تأسيسية للمستقبل؛ لأن نجاح أي مرحلة انتقالية جديدة يتطلب فهم الأسباب التي جعلت المرحلة الأولى تتعثر.
المبحث الأول: نخبة فبراير بين الشرعية الثورية والشرعية المؤسسية
المطلب الأول: مشكلة الانتقال من الثورة إلى الدولة
أنتجت ثورة فبراير نوعاً من الشرعية الجديدة يمكن تسميتها بـ«الشرعية الثورية»، وهي الشرعية التي اكتسبها الفاعلون من مشاركتهم في إسقاط النظام السابق أو دعمهم للثورة. وقد كانت هذه الشرعية ضرورية في لحظة إسقاط النظام، لكنها لم تكن كافية لإدارة الدولة.
فالشرعية الثورية تقوم على سؤال: من أسهم في إسقاط النظام؟ بينما تقوم الشرعية الديمقراطية على سؤال مختلف: من يملك تفويضاً شعبياً ومؤسسياً لإدارة الدولة وفق القانون؟
ويكمن أحد أهم تحديات المرحلة الانتقالية الليبية في أن الانتقال من الشرعية الأولى إلى الثانية لم يكن سريعاً أو واضحاً بما يكفي. فبعض القوى الثورية نظرت إلى نفسها باعتبارها صاحبة الحق الأصلي في تحديد مستقبل الدولة، بينما كانت المؤسسات المنتخبة تسعى إلى اكتساب شرعية مستقلة عن الشرعية الثورية.
ومن هنا نشأ توتر بين: شرعية الثورة و شرعية الانتخابات والمؤسسات. وقد كان من الضروري منذ البداية التأكيد على أن الثورة تسقط النظام، لكنها لا تحكم إلى الأبد؛ وأن الشرعية الثورية ينبغي أن تتحول تدريجياً إلى شرعية دستورية وانتخابية.
المطلب الثاني: غياب النخبة الموحدة
من الخطأ الحديث عن «نخبة فبراير» وكأنها كتلة سياسية متجانسة. فالثورة جمعت قوى متعددة: قوى سياسية ومدنية؛ مجالس محلية؛ شخصيات كانت معارضة للنظام في الخارج؛ قيادات اجتماعية وقبلية؛ مجموعات مسلحة شاركت في القتال؛ موظفين سابقين في مؤسسات الدولة؛ إسلاميين وليبراليين ومستقلين؛ وقوى ذات توجهات جهوية ومحلية.
وكان من الطبيعي أن تختلف هذه القوى حول شكل الدولة وتوزيع السلطة والثروة وموقع الجيش والأمن والدستور وطبيعة النظام السياسي. لكن المشكلة لم تكن في وجود الاختلاف؛ فالاختلاف طبيعي في الديمقراطية. المشكلة تمثلت في عدم تطوير مؤسسات وقواعد قادرة على إدارة هذا الاختلاف قبل أن يتحول إلى صراع على وجود الدولة نفسها.
***
المبحث الثاني: الخطأ الأول هو بناء النظام السياسي قبل بناء الدولة
المطلب الأول: أولوية الانتخابات على بناء المؤسسات
من أبرز أخطاء المرحلة الانتقالية إعطاء الانتخابات وزناً أكبر من قدرة الدولة على توفير البيئة المؤسسية والأمنية اللازمة لإنجاحها. فقد وضعت القيادة الانتقالية جدولاً زمنياً سريعاً للانتقال إلى الانتخابات، بينما كانت الدولة لا تزال تعاني من ضعف المؤسسات الأمنية والقضائية والإدارية.
وقد لاحظت دراسات مبكرة أن الانتخابات كانت مقررة خلال فترة زمنية قصيرة جداً مقارنة بحجم الانهيار المؤسسي الذي خلفه النظام السابق.
وقد أجريت انتخابات المؤتمر الوطني العام في يوليو 2012، وكانت الانتخابات في حد ذاتها إنجازاً مهماً، وحققت مشاركة شعبية معتبرة، وأظهرت قدرة المجتمع الليبي على ممارسة الاقتراع بعد عقود من غياب الحياة البرلمانية.
لكن الانتخابات لا تستطيع وحدها إنتاج الديمقراطية. فالانتخابات تحتاج إلى: مؤسسات دستورية مستقرة؛ جهاز إداري قادر على تنفيذ القرارات؛ جهاز أمني موحد؛ قضاء مستقل؛ أحزاب سياسية منظمة؛ قواعد واضحة لتوزيع السلطة؛ قبول بنتائج الانتخابات؛ وآليات سلمية لحل النزاعات.
ولهذا فإن التركيز على الانتخابات باعتبارها مؤشر النجاح الرئيسي للانتقال كان أحد جوانب الخلل في التفكير الانتقالي. وقد خلصت تحليلات لاحقة إلى أن التركيز المفرط على الانتخابات جاء على حساب معالجة مشكلات الأمن وبناء الدولة، وأن الانتخابات نفسها ساهمت لاحقاً في ترسيخ بعض الانقسامات بدلاً من حلها.
المطلب الثاني: الدرس المستقبلي
الدرس هنا ليس رفض الانتخابات، وإنما ترتيب الأولويات. فالانتخابات ينبغي أن تكون جزءاً من عملية بناء الدولة، لا بديلاً عنها. ومن ثم فإن أي مرحلة انتقالية مستقبلية تحتاج إلى ترتيب متدرج: اتفاق على قواعد المرحلة > مؤسسات مؤقتة ذات شرعية واضحة > توحيد المؤسسات السيادية > إطار دستوري > انتخابات > انتقال نهائي للسلطة.
ولا يعني ذلك تأجيل الانتخابات إلى أجل غير محدد، وإنما يعني ألا تُجرى الانتخابات في بيئة تجعل نتائجها نفسها مصدراً جديداً للصراع.
***
المبحث الثالث: الخطأ الثاني هو الفشل في بناء احتكار الدولة للسلاح
المطلب الأول: استمرار التشكيلات المسلحة
كانت القضية الأمنية أخطر تحديات الدولة الجديدة. فالقذافي لم يترك خلفه مؤسسة عسكرية وطنية متماسكة يمكن استخدامها مباشرة في حماية النظام الجديد؛ كما أن الثورة أنتجت عدداً كبيراً من التشكيلات المسلحة المحلية التي امتلكت السلاح والتنظيم والشرعية الثورية.
وكان السؤال المركزي: ماذا نفعل بالمقاتلين بعد انتهاء الثورة؟ كان هناك ثلاثة خيارات رئيسية:
- نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج.
- دمج المقاتلين في مؤسسات أمنية وعسكرية موحدة.
- الإبقاء على التشكيلات باعتبارها حامية للثورة مؤقتاً.
وقد اتجهت الدولة عملياً إلى مزيج غير مستقر من الخيارين الثاني والثالث، فتم تمويل واستيعاب تشكيلات مسلحة تحت مظلات رسمية، بينما احتفظ كثير منها بقيادته وولائه المحلي. وقد أدى ذلك إلى نشوء قطاع أمني هجين تتداخل فيه مؤسسات الدولة مع شبكات مسلحة مستقلة عنها.
المطلب الثاني: الخطأ الاستراتيجي
كان الخطأ ليس في الاستفادة من الثوار في حماية الدولة في المرحلة الأولى، وإنما في عدم تحويل الشرعية الثورية المسلحة إلى شرعية مؤسسية بسرعة كافية. فحين تبقى جماعة مسلحة محتفظة بسلاحها وتنظيمها وتمويلها المستقل، فإنها تصبح قادرة على التفاوض مع الدولة من موقع القوة.
وهذا يؤدي إلى ظاهرة خطيرة: الدولة لا تحتكر القوة، وإنما تتفاوض مع من يملك القوة. وفي هذه الحالة يصبح القانون نفسه خاضعاً لموازين القوة.
المطلب الثالث: العلاقة بين السلاح والتشريع
تزداد خطورة هذه المشكلة عندما تصبح الجماعات المسلحة قادرة على التأثير في التشريع.
وتشير الدراسات إلى أن جماعات مسلحة مارست ضغوطاً على السلطات المنتخبة في سياق تمرير قانون العزل السياسي، كما شهدت المرحلة اعتداءات واحتلالاً لمرافق حكومية وعمليات خطف واحتجاز.
ومن منظور بناء الدولة، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث في مرحلة انتقالية هو أن تتشكل قاعدة غير مكتوبة مفادها: من يملك السلاح يستطيع تعديل قواعد اللعبة السياسية. وهذه القاعدة تقوض الديمقراطية حتى لو كانت المؤسسات تجري انتخابات بصورة منتظمة.
***
المبحث الرابع: الخطأ الثالث هو إدارة إرث النظام السابق بمنطق الإقصاء
يمثل العزل السياسي إحدى أهم القضايا التي تكشف طريقة تفكير النخبة الانتقالية. وقد كانت معالجة إرث النظام السابق ضرورة سياسية وأخلاقية، لكن المشكلة كانت في كيفية المعالجة. فبدلاً من تطوير نظام متدرج يقوم على المسؤولية الفردية، اتجه قانون العزل السياسي والإداري إلى استبعاد فئات واسعة من المجال العام.
وتشير دراسات متخصصة إلى أن القانون كان واسعاً ومثيراً للجدل، وأن تطبيقه تعرض للتسييس، وأنه أضعف فرص المصالحة بدلاً من أن يحمي الانتقال.
المطلب الأول: ثقافة المنتصر
كان من الممكن أن تتحول الثورة إلى أساس للمواطنة الجديدة. لكنها تحولت جزئياً إلى معيار للتمييز بين: الثوار و أتباع النظام السابق. وقد اتسع هذا التقسيم أحياناً من مستوى المسؤولية الفردية إلى مستوى المدن والقبائل والمناطق.
وقد وصفت هذه الظاهرة بــ «ثقافة المنتصر»، حيث جرى تصنيف جماعات ومناطق كاملة ضمن ثنائية الثوار والموالين للنظام، الأمر الذي عمق الانقسامات الاجتماعية والسياسية.
المطلب الثاني: إقصاء الخصم بدلاً من منافسته
الديمقراطية تفترض أن الخصم السياسي يمكن أن يكون شريكاً في الدولة. لكن منطق الإقصاء يجعل الماضي السياسي للشخص أداة لإبعاده عن المنافسة. وهنا حدث تحول خطير: من معاقبة المسؤول عن الجريمة إلى معاقبة الانتماء إلى الماضي.
وكان يمكن تجنب ذلك من خلال التمييز بين: من ارتكب جرائم؛ من شارك في أجهزة القمع؛ ومن تولى منصباً سياسياً؛ ومن أدى وظيفة إدارية؛ ومن كان مجرد مواطن يعمل في مؤسسات الدولة.
المطلب الثالث: الدرس المستقبلي
لا ينبغي لأي عملية انتقال ديمقراطي أن تبني شرعيتها على قاعدة: «من ليس معنا فهو ضد الثورة». بل ينبغي أن تقوم على: «من يثبت تورطه يحاسب، ومن لا تثبت مسؤوليته يبقى مواطناً كاملاً».
وهذا هو الفرق بين العدالة الانتقالية والعدالة الانتقامية.
…
يتبع
___________