إعداد عميد أركان حرب د. محمد حجاب

سادسًا: سد النهضة ليس كل المشكلة

أصبح سد النهضة هو العنوان الأكثر شهرة في العلاقات المصرية–الإثيوبية، لكنه في الحقيقة ليس سوى جزء من معادلة أوسع. فالمشكلة بالنسبة إلى مصر لا تتعلق فقط بكمية المياه، وإنما أيضًا بطريقة إدارة السد، وقواعد الملء والتشغيل، وتبادل المعلومات، وعدم الإضرار بالمصالح المصرية والسودانية.

لكن مع مرور الوقت، بدأت قضية النيل تتداخل مع قضية أخرى أكثر اتساعًا، هي قضية الوصول الإثيوبي إلى البحر الأحمر. فإثيوبيا دولة حبيسة منذ استقلال إريتريا عام 1993، وقد أصبح البحث عن منفذ بحري جزءًا من الرؤية الاستراتيجية الإثيوبية خلال السنوات الأخيرة.

وفي أكتوبر 2026 أعاد رئيس الوزراء آبي أحمد التأكيد على أهمية حصول إثيوبيا على منفذ بحري، مشددًا على أن بلاده تريد الوصول إليه من خلال التفاوض والمنفعة المتبادلة. وجاء ذلك في الوقت الذي تشهد فيه العلاقات الإثيوبية–الإريترية تدهورًا حادًا وتجدد القتال في تيجراي.

ومن منظور مصري، فإن هذه التطورات لا يمكن فصلها عن البيئة الأمنية للبحر الأحمر؛ لأن الدولة التي تحصل على منفذ بحري مستقر لا تحقق فقط مكاسب تجارية، وإنما تعزز قدرتها على الحركة الاقتصادية والسياسية والأمنية في الإقليم. ومن هنا تصبح قضية البحر الأحمر امتدادًا طبيعيًا لقضية النيل.

سابعًا: البحر الأحمر… الحلقة التي تربط مصر بالسودان وإثيوبيا

في تقديري، فإن البحر الأحمر هو المفتاح الحقيقي لفهم التباين المصري–الإماراتي. فالسودان وإثيوبيا وإريتريا والصومال وجيبوتي ومصر ليست دولًا منفصلة في الحسابات الجيوسياسية، وإنما تقع داخل فضاء استراتيجي واحد. ويزداد الأمر أهمية عندما نضع في الاعتبار أن البحر الأحمر أصبح أحد أهم ممرات التجارة والطاقة العالمية، وأن الموانئ الواقعة عليه وعلى خليج عدن أصبحت أدوات للنفوذ تتجاوز وظيفتها الاقتصادية التقليدية.

وهنا تبرز الخبرة الإماراتية في الاستثمار اللوجستي والموانئ. فشركة موانئ دبي العالمية، على سبيل المثال، طورت حضورًا مهمًا في ميناء بربرة في أرض الصومال، كما عززت في 2025 خطًا بحريًا يربط ميناء جبل علي بميناء بربرة، مع امتداد الطريق التجاري نحو إثيوبيا. وتكشف هذه التطورات عن رؤية إماراتية تعتبر الموانئ وسلاسل الإمداد جزءًا من منظومة أوسع للتجارة والنفوذ الاقتصادي في القرن الإفريقي.

وبالتالي، فإن الميناء في هذه المنطقة ليس مجرد مشروع اقتصادي، وإنما هو جزء من بنية النفوذ الإقليمي. وهذا يفسر أهمية السودان وإثيوبيا والصومال وإريتريا بالنسبة إلى الإمارات، كما يفسر في الوقت ذاته سبب حساسية هذه الملفات بالنسبة إلى مصر.

فالقاهرة تنظر إلى البحر الأحمر باعتباره مجالًا مباشرًا للأمن القومي، بينما تنظر أبو ظبي إليه أيضًا باعتباره مجالًا للحركة التجارية والاستثمارية واللوجستية والنفوذ. والحقيقتان ليستا متناقضتين بالضرورة، لكنهما قد تنتجان سياسات مختلفة.

ثامنًا: قمة العلمين… القاهرة تعيد ترتيب المجال الإقليمي

جاءت قمة العلمين الرباعية في 4 أكتوبر 2026 بين مصر والسودان وإريتريا والصومال في توقيت بالغ الحساسية. فقد انعقدت القمة في ظل تجدد القتال في تيجراي، وتدهور العلاقات الإثيوبية–الإريترية، واستمرار الحرب السودانية، وتصاعد النقاش حول الوصول الإثيوبي إلى البحر الأحمر.

وقد أكدت الدول الأربع في إعلان العلمين أهمية احترام السيادة والاستقلال وسلامة الأراضي، ودعم المؤسسات الوطنية، ورفض التدخل في الشؤون الداخلية، وتعزيز التشاور والتنسيق بشأن القضايا الإقليمية المشتركة.

ومن الخطأ، في تقديري، وصف هذه القمة باعتبارها تحالفًا معلنًا ضد إثيوبيا أو ضد أي دولة أخرى، لكن من الصعب أيضًا تجاهل دلالتها الجيوسياسية. فمصر تتحرك هنا لبناء شبكة إقليمية من الدول التي تتشارك معها مجموعة من المخاوف والمصالح في البحر الأحمر والقرن الإفريقي.

واللافت أن هذه الشبكة تضم مصر والسودان وإريتريا والصومال؛ أي أنها تمتد من شمال البحر الأحمر إلى جنوبه، وتلتقي فيها قضايا الأمن البحري مع قضايا السودان وإثيوبيا والقرن الإفريقي.

ومن هنا يمكن قراءة القمة باعتبارها تعبيرًا عن انتقال القاهرة من سياسة التعامل مع الملفات منفردة إلى محاولة بناء توازن إقليمي أكثر اتساعًا.

تاسعًا: لماذا تستطيع الإمارات التحرك بطريقة مختلفة؟

الإجابة ترتبط بطبيعة الأدوات التي تستخدمها كل دولة. فمصر دولة ذات حدود مباشرة مع بؤر الصراع في ليبيا والسودان، ومرتبطة بصورة مباشرة بالنيل والبحر الأحمر. أما الإمارات فتمتلك نموذجًا مختلفًا للقوة الإقليمية، يقوم بدرجة كبيرة على الجمع بين رأس المال والاستثمار والموانئ والخدمات اللوجستية والعلاقات السياسية والأمنية.

ولهذا تستطيع أبو ظبي بناء علاقات مع دول ومناطق متعددة في الوقت نفسه، حتى عندما تكون هذه الدول في حالة تنافس فيما بينها، ويظهر ذلك بوضوح في شبكة الموانئ واللوجستيات الممتدة من الخليج إلى القرن الإفريقي.

ومن هنا يمكن القول إن مصر تتحرك بدرجة أكبر بمنطق الأمن القومي الجغرافي، بينما تتحرك الإمارات بدرجة أكبر بمنطق النفوذ الإقليمي المرن. وهذا ليس حكمًا قيميًا على أي من الطرفين، وإنما محاولة لفهم اختلاف الأدوات.

عاشرًا: هل تغيرت العلاقة المصرية–الإماراتية فعلًا؟

هنا يجب أن نكون أكثر حذرًا. فالمؤشرات الرسمية لا تدعم فكرة وجود قطيعة أو انهيار في العلاقات المصرية–الإماراتية؛ ففي أغسطس 2026 أكد وزيرا الخارجية المصري والإماراتي عمق العلاقات الاستراتيجية واستمرار التشاور والتنسيق بين البلدين بشأن التطورات الإقليمية. إذن نحن لسنا أمام انتقال من التحالف إلى الخصومة.

لكننا أيضًا لم نعد أمام المرحلة التي كان يمكن فيها افتراض تطابق المواقف في معظم الملفات الإقليمية. والأدق أن العلاقة انتقلت إلى مرحلة يمكن وصفها بـالشراكة مع إدارة التباين. وهذا النوع من العلاقات أكثر تعقيدًا، لكنه ليس بالضرورة أقل قوة؛ فالدول يمكن أن تحافظ على تحالفها في بعض الملفات، بينما تتنافس في ملفات أخرى، طالما ظلت قادرة على وضع حدود لهذا التنافس.

حادي عشر: لماذا نجح التوافق في ليبيا ولم ينجح بالدرجة نفسها في السودان وإثيوبيا؟

أعتقد أن الإجابة تكمن في طبيعة الملفات نفسها. ففي ليبيا، كان هناك مجال واسع للبحث عن تسوية تحفظ مصالح الأطراف المختلفة؛ فاستمرار الانقسام أصبح عبئًا على الجميع، وتوحيد المؤسسات يمكن أن يوفر بيئة أفضل للاستثمار والطاقة وإعادة الإعمار والأمن. أما السودان، فإن المسألة تتعلق بصورة أكبر بمن يملك القوة ومن يملك الدولة، وهنا تصبح أي ترتيبات تتجاوز مؤسسات الدولة أكثر حساسية بالنسبة إلى مصر.

أما إثيوبيا، فالقضية تتعلق بدولة إقليمية كبيرة تمتلك مشروعًا خاصًا بها، وتجمع بين الطموح الاقتصادي والمائي والجيوسياسي.

ولهذا يمكن القول إن ليبيا كانت ساحة لتقاطع المصالح، بينما أصبح السودان وإثيوبيا ساحة لاختبار المصالح. وهذه هي النقطة المركزية في تفسير التباين.

ثاني عشر: العامل الإقليمي والدولي يزيد من تعقيد العلاقة

لا تتحرك مصر والإمارات في السودان وإثيوبيا داخل فراغ. فالسعودية أصبحت أكثر اهتمامًا بأمن البحر الأحمر ومستقبل السودان، وتركيا وسعت حضورها في إفريقيا والقرن الإفريقي، بينما تظل الولايات المتحدة والقوى الأوروبية معنية بأمن البحر الأحمر وطرق التجارة الدولية.

كما أن الحرب السودانية نفسها أصبحت جزءًا من منافسة إقليمية أوسع. وقد أشارت تقارير تحليلية حديثة إلى تداخل المنافسة بين السعودية والإمارات في السودان والقرن الإفريقي، وإلى اختلاف شبكة العلاقات التي تربط كل طرف بالقوى الإقليمية في المنطقة.

ومن هنا فإن أي تباين مصري–إماراتي لا يمكن قراءته باعتباره خلافًا ثنائيًا فقط، وإنما هو جزء من عملية أكبر يجري خلالها إعادة تشكيل موازين القوى في القرن الإفريقي والبحر الأحمر.

ثالث عشر: السودان وإثيوبيا… اختباران مختلفان للعلاقة

السودان هو الاختبار الأصعب بالنسبة إلى العلاقة المصرية–الإماراتية، لأنه يمس بصورة مباشرة تصور القاهرة للدولة والأمن القومي. أما إثيوبيا فهي الاختبار الأخطر؛ لأن مصالح مصر والإمارات يمكن أن تتقاطع فيها بصورة غير مباشرة عبر الاستثمار والموانئ والعلاقات مع أديس أبابا، بينما ترى القاهرة في السياسات الإثيوبية تجاه النيل والبحر الأحمر قضايا ذات حساسية استراتيجية.

ولهذا فإن قدرة البلدين على إدارة الملفين ستحدد بصورة كبيرة طبيعة العلاقة خلال السنوات المقبلة. فإذا بقي الاختلاف في حدود الحوار والتنسيق، فلن يمثل تهديدًا جوهريًا للشراكة. أما إذا انتقل الاختلاف إلى دعم مباشر لقوى متعارضة داخل الدول الهشة، فإن الأمر قد يتحول من تباين في المصالح إلى تنافس على النفوذ، وهنا يصبح الأمر أكثر خطورة.

رابع عشر: ثلاث مسارات محتملة للعلاقة

يمكن تصور ثلاث مسارات رئيسية للعلاقة المصرية–الإماراتية خلال المرحلة المقبلة.

المسار الأول هو استمرار الشراكة مع إدارة التباين. وفي هذا السيناريو تحافظ القاهرة وأبو ظبي على التعاون في الملفات المشتركة، بينما يدير كل طرف مصالحه الخاصة في السودان وإثيوبيا والقرن الإفريقي. وهذا، في تقديري، هو السيناريو الأكثر ترجيحًا في المدى القريب.

المسار الثاني هو انتقال التباين إلى منافسة إقليمية محسوبة، بحيث تبدأ كل دولة في بناء شبكات نفوذ أكثر وضوحًا في السودان والقرن الإفريقي، دون أن تصل العلاقة الثنائية إلى القطيعة. وسيكون هذا السيناريو أكثر وضوحًا إذا استمرت الحرب السودانية أو توسعت الأزمة الإثيوبية.

أما المسار الثالث فهو تصاعد الخلاف نتيجة تحول الأزمات المحلية إلى صراعات إقليمية مفتوحة. وفي هذه الحالة يمكن أن تجد القاهرة وأبو ظبي نفسيهما أمام ترتيبات متعارضة بصورة مباشرة، خصوصًا إذا أصبح السودان أو البحر الأحمر مسرحًا لمواجهة نفوذ إقليمي واسع. وفي تقديري، لا يزال هذا السيناريو الثالث أقل احتمالًا من السيناريوين الأول والثاني، لكنه يصبح أكثر قابلية للتحقق إذا استمر تدهور الوضع في السودان وإثيوبيا.

وجهة نظر الكاتب

من تحليلي لما سبق، لا أرى أن ما يحدث بين مصر والإمارات يمثل تحولًا من التحالف إلى الخصومة، وإنما أراه انتقالًا من مرحلة تقاطع واسع في المصالح إلى مرحلة أكثر تعقيدًا من إدارة التباين الاستراتيجي.

لقد أظهرت ليبيا أن القاهرة وأبو ظبي قادرتان على الوصول إلى تفاهم عندما تتقاطع مصالحهما، لكن السودان وإثيوبيا كشفا أن هذا التوافق له حدود عندما يتعلق الأمر بمصالح تمس الأمن القومي المباشر لمصر أو ترتبط بشبكات النفوذ الاقتصادي والأمني الإماراتية في القرن الإفريقي. وبناءً على ذلك، فإن القضية لا تتعلق فقط بموقف مصر من الإمارات أو موقف الإمارات من مصر، وإنما تتعلق بتغير البيئة الجيوسياسية المحيطة بالدولتين.

فالسودان لم يعد مجرد أزمة داخلية، وإثيوبيا لم تعد مجرد دولة منبع للنيل، والبحر الأحمر لم يعد مجرد ممر ملاحي؛ فالثلاثة أصبحوا جزءًا من مسرح استراتيجي واحد. وهنا تكمن أهمية التحولات الحالية.

فمصر ترى في السودان امتدادًا مباشرًا لأمنها القومي، وترى في النيل قضية وجودية، وتتعامل مع البحر الأحمر باعتباره مجالًا استراتيجيًا لا يمكن تركه للتحولات غير المحسوبة.

أما الإمارات فقد بنت خلال السنوات الماضية نموذجًا مختلفًا للنفوذ يقوم على الموانئ والاستثمار والتجارة والشراكات المتعددة، وهو نموذج يمنحها قدرة واسعة على الحركة في القرن الإفريقي. ومن هنا نستطيع أن نقول إن الاختلاف بين القاهرة وأبو ظبي لم يظهر لأن الشراكة انهارت، وإنما لأن الجغرافيا السياسية للمنطقة فرضت على كل طرف أن يحدد مصالحه بصورة أكثر استقلالًا.

ولذلك فإن السؤال الأهم خلال المرحلة المقبلة لن يكون: هل ستبقى مصر والإمارات حليفتين؟ بل: هل تستطيع القاهرة وأبو ظبي الحفاظ على شراكتهما الاستراتيجية، بينما تتنافس مصالحهما في السودان وإثيوبيا والبحر الأحمر؟ والإجابة عن هذا السؤال ستتوقف بدرجة كبيرة على مستقبل الحرب السودانية، ومسار الأزمة الإثيوبية، ومستقبل سد النهضة، وشكل الترتيبات الأمنية والاقتصادية في البحر الأحمر.

فإذا نجحت الدولتان في الفصل بين الخلاف حول المصالح والخلاف على العلاقة نفسها، فقد يتحول التباين إلى عنصر طبيعي في علاقة استراتيجية ناضجة. أما إذا انتقل التنافس إلى مرحلة إعادة تشكيل موازين القوى داخل الدول الهشة، فإن ما بدأ باعتباره اختلافًا في الرؤى قد يتحول إلى صراع نفوذ حقيقي.

وفي تقديري، فإن السودان سيكون الاختبار الأصعب، وإثيوبيا ستكون الاختبار الأخطر، بينما سيظل البحر الأحمر الساحة التي ستكشف حدود الشراكة المصرية–الإماراتية في السنوات المقبلة.

____________