إعداد عميد أركان حرب د. محمد حجاب
ملخص
شهدت العلاقات المصرية–الإماراتية خلال السنوات الأخيرة درجة مرتفعة من التنسيق في عدد من الملفات الإقليمية، وكان الملف الليبي أحد أبرز المجالات التي أمكن فيها إدارة تباين المصالح والوصول إلى نقاط توافق، خصوصًا فيما يتعلق بدعم وحدة المؤسسات الليبية، وتوحيد المسار الاقتصادي والسياسي، والدفع نحو الانتخابات.
غير أن هذا التقارب لا يبدو بالدرجة نفسها في السودان وإثيوبيا والقرن الإفريقي، حيث أصبحت مصالح الدولتين أكثر قابلية للتباين، خصوصًا مع اتساع أهمية البحر الأحمر والموانئ وسلاسل التجارة والنفوذ الإقليمي.
تنطلق هذه المقالة من فرضية أساسية مفادها أن ما يحدث بين مصر والإمارات لا يمثل انتقالًا من التحالف إلى الخصومة، وإنما يعكس انتقال العلاقة من مرحلة تقاطع واسع في المصالح إلى مرحلة إدارة أكثر تعقيدًا للتباين الاستراتيجي. فمصر تنظر إلى السودان باعتباره عمقًا مباشرًا لأمنها القومي، وإلى إثيوبيا من خلال معادلة النيل وسد النهضة والبحر الأحمر، بينما تمتلك الإمارات شبكة واسعة من المصالح الاقتصادية واللوجستية والاستثمارية والأمنية في القرن الإفريقي.
وتجادل المقالة بأن البحر الأحمر يمثل الحلقة الأكثر أهمية في تفسير هذا التباين؛ إذ تتقاطع فيه ملفات السودان وإثيوبيا وإريتريا والصومال وقناة السويس والموانئ وسلاسل الإمداد الدولية. ومن ثم، فإن مستقبل العلاقات المصرية–الإماراتية لن يتحدد فقط بما يجري في ليبيا أو الخليج، وإنما بقدرة الطرفين على إدارة اختلاف المصالح في السودان والقرن الإفريقي دون السماح بتحوله إلى تنافس استراتيجي مفتوح.
مقدمة
في العلاقات الدولية، لا يعني التوافق بين دولتين في ملف إقليمي أن مصالحهما أصبحت متطابقة في جميع الملفات، كما أن اختلافهما في قضية ما لا يعني بالضرورة انتقالهما إلى مربع الخصومة. فالعلاقات بين الدول لا تقوم على التحالفات المطلقة بقدر ما تقوم على شبكة متغيرة من المصالح والأولويات وحسابات الأمن القومي.
ومن هنا يمكن قراءة التطور الراهن في العلاقات المصرية–الإماراتية. فقد استطاعت القاهرة وأبو ظبي خلال الفترة الأخيرة الاقتراب من رؤية مشتركة في الملف الليبي، خصوصًا فيما يتعلق بدعم المسار السياسي وتوحيد مؤسسات الدولة الليبية وإنهاء الانقسام بين شرق البلاد وغربها.
وكان توقيع الميزانية الليبية الموحدة لعام 2026 في 11 أبريل 2026، بمشاركة الأطراف الليبية المختلفة وبترحيب مصري وإماراتي ودولي، أحد المؤشرات المهمة على إمكانية إدارة المصالح المتباينة والوصول إلى نقاط توافق.
لكن هذا التقارب في ليبيا يتزامن مع ظهور اختلافات أكثر وضوحًا في قراءة ملفات السودان وإثيوبيا والقرن الإفريقي والبحر الأحمر. وهذه المفارقة تستحق التوقف أمامها؛ لأن السؤال لم يعد يتعلق فقط بما إذا كانت القاهرة وأبو ظبي تختلفان، وإنما يتعلق بطبيعة هذا الاختلاف، وأسبابه، وحدوده، وما إذا كان يمثل مجرد تباين في الأدوات أم بداية لإعادة تعريف أوسع للمصالح الاستراتيجية.
ومن تحليلي لما سبق، أرى أن تفسير هذه المسألة يتطلب الابتعاد عن القراءة التي تختزل العلاقات المصرية–الإماراتية في ثنائية «تحالف أو خلاف». فالعلاقة أكثر تعقيدًا من ذلك؛ إذ توجد مصالح اقتصادية وسياسية وأمنية مشتركة لا تزال قوية، وتوجد في الوقت نفسه ساحات إقليمية أصبح لكل طرف فيها تعريف مختلف نسبيًا للأمن والمصلحة والنفوذ. وهنا تحديدًا يأتي السودان وإثيوبيا.
أولًا: ليبيا… عندما التقت المصالح رغم اختلاف الحسابات
تمثل ليبيا بالنسبة إلى مصر قضية أمن قومي مباشر، بحكم الحدود المشتركة والتهديدات المرتبطة بالإرهاب والجماعات المسلحة والهجرة غير الشرعية وتدفقات السلاح، فضلًا عن أهمية ليبيا الاقتصادية والطاقة وإعادة الإعمار.
وفي المقابل، طورت الإمارات خلال السنوات الماضية مصالح سياسية واقتصادية وأمنية واسعة في ليبيا. ورغم اختلاف الأدوات والحسابات، فإن تطورات السنوات الأخيرة دفعت الطرفين إلى الاقتراب من رؤية أكثر براغماتية تقوم على أن استمرار الانقسام المؤسسي والاقتصادي الليبي أصبح يمثل تكلفة إقليمية مرتفعة.
ومن هنا جاءت أهمية الاتفاق على ميزانية ليبية موحدة لعام 2026؛ فقد رحبت مصر والإمارات، إلى جانب الولايات المتحدة ودول أوروبية وعربية أخرى، بالاتفاق الذي اعتُبر أول ميزانية وطنية ليبية موحدة منذ أكثر من عقد، وربط البيان الدولي بين التكامل الاقتصادي وبين دعم توحيد المؤسسات والمسار السياسي والانتخابات.
لكن هذا التطور لا ينبغي أن يُفهم باعتباره دليلًا على تطابق كامل في الرؤية المصرية والإماراتية تجاه ليبيا. فالتوافق هنا هو توافق حول نتيجة معينة أكثر من كونه تطابقًا في كل أدوات الوصول إليها. وهذا التفريق مهم؛ لأن الدول يمكن أن تتفق على ضرورة استقرار دولة ما، بينما تختلف في القوى التي تراها أكثر قدرة على تحقيق هذا الاستقرار، أو في شكل المؤسسات التي ينبغي أن تنتج عنه.
ومن هنا يمكن القول إن ليبيا مثلت نموذجًا ناجحًا نسبيًا لـإدارة الاختلاف وليس إلغاء الاختلاف. وهذا هو بالضبط ما سيتضح عندما ننتقل إلى السودان وإثيوبيا.
ثانيًا: السودان… عندما أصبح الاختلاف أكثر حساسية
إذا كانت ليبيا تمثل لمصر عمقًا أمنيًا مهمًا، فإن السودان يمثل حالة أكثر عمقًا وتأثيرًا في حسابات الأمن القومي المصري. فالسودان ليس دولة مجاورة لمصر فحسب، وإنما يمثل جزءًا من البيئة الأمنية الجنوبية لمصر، كما يرتبط مباشرة بملف مياه النيل، وأمن الحدود، وأمن البحر الأحمر، وحركة التجارة والهجرة، فضلًا عن الروابط التاريخية والاجتماعية بين الشعبين.
ولهذا فإن القاهرة تتعامل مع الأزمة السودانية من منظور يتجاوز الحسابات السياسية الآنية. فالسؤال بالنسبة إليها ليس فقط: من ينتصر في الحرب؟ وإنما: ما شكل السودان الذي سيخرج من هذه الحرب؟ وهل سيخرج السودان دولة موحدة تمتلك مؤسسات وطنية قادرة على ممارسة وظائفها، أم دولة مجزأة إلى مناطق نفوذ، أم دولة مركزية ضعيفة تتعايش داخلها مراكز قوة مسلحة؟
هذه الأسئلة تفسر إلى حد كبير الموقف المصري الذي ظل يؤكد بصورة متكررة دعم وحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه ومؤسساته الوطنية، ورفض محاولات تقسيم البلاد أو إنشاء كيانات موازية.
ففي أغسطس 2026 أعاد وزير الخارجية المصري التأكيد على هذه الثوابت، وربطها بصورة مباشرة بمستقبل الأمن والاستقرار في السودان. وفي فبراير من العام نفسه، أكدت القاهرة كذلك خلال مباحثاتها مع الحكومة السودانية دعمها لوحدة السودان وسلامة أراضيه ومؤسساته الوطنية، وهو ما يعكس استمرار هذا الموقف باعتباره سياسة ثابتة وليس مجرد استجابة لتطورات عابرة.
ومن هنا أرى أن السودان يمثل بالنسبة إلى مصر ملف أمن قومي أكثر منه ملف نفوذ إقليمي. وهذه النقطة تحديدًا تساعدنا على فهم الاختلاف مع الإمارات.
ثالثًا: الإمارات والسودان… المصالح الاقتصادية وشبكات النفوذ
لا يمكن تحليل الحضور الإماراتي في السودان بعيدًا عن الأهمية الاقتصادية والجيوسياسية للبلاد. فالسودان يمتلك موارد طبيعية كبيرة، وفي مقدمتها الذهب، كما يمتلك أراضي زراعية واسعة، وساحلًا طويلًا على البحر الأحمر، وموقعًا يربط بين شمال إفريقيا والقرن الإفريقي وشبه الجزيرة العربية.
وقد لعبت الإمارات خلال السنوات الماضية دورًا اقتصاديًا مهمًا في تجارة الذهب السوداني. وتشير بيانات وتقارير اقتصادية إلى أن الإمارات كانت سوقًا رئيسية لصادرات الذهب السوداني قبل أن تتدهور العلاقات بين الخرطوم وأبو ظبي نتيجة الحرب والاتهامات المتبادلة.
لكن المسألة الأكثر حساسية تتمثل في الحرب نفسها. فالسودان اتهم الإمارات مرارًا بدعم قوات الدعم السريع، بينما نفت أبو ظبي هذه الاتهامات. وفي المقابل، قدم السودان إلى الأمم المتحدة وثائق تتضمن اتهامات محددة، وردت الإمارات رسميًا بنفي هذه الاتهامات.
ولا ينبغي للباحث أن يتعامل مع هذه الاتهامات باعتبارها حقيقة نهائية دون تمييز بين الادعاء والدليل. لكن في الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل أن التحقيقات الدولية اللاحقة أصبحت تتحدث عن شبكات إمداد عابرة للحدود ارتبطت بأفراد وكيانات في الإمارات ومناطق أخرى، وقالت بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة إن لديها أسبابًا للاعتقاد بأن هذه الشبكات ساعدت قوات الدعم السريع في الحصول على أسلحة ومعدات وطائرات مسيرة ودعم لوجستي وأفراد.
وهنا تظهر المشكلة الحقيقية بالنسبة إلى القاهرة. فإذا كان السودان بالنسبة إلى مصر قضية دولة ووحدة مؤسسات وحدود وأمن قومي، فإن وجود شبكات نفوذ خارجية قادرة على التأثير في موازين القوى داخل السودان يمثل تهديدًا محتملًا لاستقرار الدولة السودانية، بغض النظر عن هوية الطرف الخارجي. ومن هنا يصبح الاختلاف المصري–الإماراتي أكثر وضوحًا.
رابعًا: السودان ليس حربًا داخلية فقط
من الخطأ النظر إلى الحرب السودانية باعتبارها مجرد صراع داخلي بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع. فالحرب أصبحت جزءًا من شبكة أوسع من التنافس الإقليمي والدولي، تمتد من ليبيا وتشاد إلى إثيوبيا وإريتريا والبحر الأحمر والخليج.
ويقع السودان في مركز جغرافي شديد الحساسية؛ فهو يربط شمال إفريقيا بالقرن الإفريقي، ويطل على البحر الأحمر، ويجاور مصر وليبيا وتشاد وإثيوبيا وإريتريا وجنوب السودان. وبالتالي فإن من يمتلك القدرة على التأثير في مستقبل السودان يمتلك، بصورة غير مباشرة، قدرة على التأثير في الأمن البحري والتجارة والذهب والزراعة والهجرة والحدود ومستقبل القرن الإفريقي.
ومن هنا نستطيع أن نقول إن الاختلاف بين القاهرة وأبو ظبي لا يرتبط فقط بالحرب السودانية ذاتها، وإنما يرتبط بالسؤال الأكبر: من سيحدد شكل النظام الإقليمي في شرق إفريقيا والبحر الأحمر بعد انتهاء الحرب؟ وهذا السؤال يقودنا مباشرة إلى إثيوبيا.
خامسًا: إثيوبيا… حيث تتداخل المياه مع البحر الأحمر
إذا كان السودان يكشف اختلاف المصالح، فإن إثيوبيا تكشف اختلاف الرؤية الاستراتيجية بصورة أكبر. فبالنسبة إلى مصر، تمثل إثيوبيا مجموعة مترابطة من القضايا؛ في مقدمتها نهر النيل وسد النهضة، ثم تطورات السودان، ثم أمن البحر الأحمر، ثم مستقبل القرن الإفريقي.
أما الإمارات فقد بنت خلال السنوات الأخيرة علاقة استراتيجية قوية مع إثيوبيا. وفي يناير 2026 أكدت الإمارات وإثيوبيا رسميًا عمق الشراكة الاستراتيجية بينهما، وشدد الطرفان على التعاون في مجالات السلام والأمن وسلامة الأراضي والمصالح الاقتصادية. كما ناقشا القضايا الإقليمية، بما فيها السودان.
وهنا تظهر إحدى أكثر النقاط حساسية في العلاقة المصرية–الإماراتية. فأبوظبي تستطيع أن ترى في إثيوبيا دولة كبيرة ذات سوق واسعة وموقع جغرافي بالغ الأهمية وفرص استثمارية وشريكًا استراتيجيًا في شرق إفريقيا، أما القاهرة فتتعامل مع إثيوبيا من موقع مختلف؛ لأن أي تحول في القدرات الإثيوبية أو علاقاتها الإقليمية يمكن أن يرتبط بصورة مباشرة بمصالح مصر في النيل والسودان والبحر الأحمر.
ولا يعني ذلك أن مصر تعارض الاستثمارات الإماراتية في إثيوبيا، أو أن الإمارات تتبنى كل السياسات الإثيوبية، وإنما يعني أن المساحة التي تتحرك فيها الدولتان تجاه إثيوبيا ليست واحدة.
…
يتبع
_______________