بقلم الشّايب

الخطيئة التأسيسية للمؤتمر الوطني العام: (من مؤسسة انتقالية لبناء الدولة إلى برلمان للصراع السياسي)

تمهيد: السؤال الذي لم يُطرح في الوقت المناسب

بعد سقوط النظام في فبراير 2011، لم تكن ليبيا بحاجة فقط إلى مؤسسة تمارس التشريع والرقابة. كانت بحاجة إلى مؤسسة انتقالية تؤسس لدولة جديدة. وهذا فارق جوهري. فالدولة التي خرجت من أربعة عقود من حكم فردي شديد المركزية لم تكن تمتلك: دستوراً دائماً؛ مؤسسات سياسية مستقرة؛ نظام أحزاب ناضجاً؛ جيشاً موحداً؛ جهازاً أمنياً خاضعاً للسلطة المدنية؛ إدارة محلية مستقرة؛ نظاماً قضائياً مكتمل الاستقلال؛ قواعد واضحة لتوزيع السلطة والثروة؛ أو تقاليد راسخة للتداول الديمقراطي.

لذلك كان السؤال التاريخي أمام نخبة فبراير: كيف ننقل ليبيا من شرعية الثورة إلى شرعية الدولة الدستورية؟ لكن هذا السؤال لم يتحول إلى مشروع عمل مؤسسي متكامل. وبدلاً من ذلك، دخل المؤتمر الوطني العام تدريجياً في منطق مختلف: من يمثل من؟ ومن يملك الأغلبية؟ ومن يسيطر على الحكومة؟ ومن يربح الانتخابات القادمة؟ وهنا بدأ التحول.

أولاً: الفرق بين «المؤتمر التأسيسي» و«البرلمان»

البرلمان العادي وظيفته الأساسية: تمثيل المجتمع + التشريع + الرقابة على الحكومة. أما المؤسسة الانتقالية التأسيسية فوظيفتها أوسع: إنشاء النظام الذي سيحكم الدولة بعد انتهاء المرحلة الانتقالية. أي أنها لا تكتفي بإصدار القوانين، وإنما تقوم ببناء: القواعد الدستورية؛ مؤسسات الدولة؛ العلاقة بين السلطات؛ قواعد التداول السلمي للسلطة؛ نظام الإدارة المحلية؛ النظام الانتخابي؛ قطاع الأمن والدفاع؛ قواعد العدالة الانتقالية؛ آليات المصالحة؛ الضمانات التي تمنع عودة الاستبداد.

وهذا هو المعنى الحقيقي للانتقال: ليس تغيير الأشخاص في السلطة، وإنما تغيير قواعد السلطة.

ثانياً: المشكلة لم تكن في وجود الانتخابات (على العكس).

انتخاب المؤتمر الوطني العام في يوليو 2012 كان لحظة تاريخية مهمة. فقد انتقلت ليبيا من: المجلس الوطني الانتقالي إلى: مؤسسة منتخبة ذات شرعية شعبية. وكان يمكن أن تكون هذه اللحظة بداية الانتقال الحقيقي: من الشرعية الثورية إلى الشرعية الدستورية.

لكن الانتخابات أنتجت مشكلة أخرى. فالأعضاء دخلوا المؤتمر كانوا حاملين معهم: انتماءات جهوية؛ تيارات أيديولوجية؛ أحزاباً ناشئة؛ تحالفات ثورية؛ مصالح محلية؛ ومواقف متباينة من شكل الدولة. وهذه التعددية في حد ذاتها لم تكن مشكلة. المشكلة أن المؤتمر لم ينجح في تحويل التعددية السياسية إلى مشروع تأسيسي مشترك.

ثالثاً: التحول من «مؤتمر تأسيسي» إلى «برلمان سياسي»

يمكن وصف التحول بثلاث مراحل:

المرحلة الأولى: المؤتمر كمؤسسة انتقالية. المهمة: بناء قواعد المرحلة التالية.

المرحلة الثانية: المؤتمر كبرلمان تنافسي. المهمة الفعلية: تشكيل الحكومة والسيطرة على مفاصل القرار.

المرحلة الثالثة: المؤتمر كساحة صراع على الشرعية. وهنا أصبحت المعركة: من يملك الدولة؟ بدلاً من: كيف نبني الدولة؟ وهذه النقلة هي التي تفسر كثيراً مما حدث لاحقاً.

رابعاً: الحكومة أصبحت ساحة الصراع الرئيسية

بدلاً من النظر إلى الجهاز التنفيذي باعتباره أداة لبناء الدولة، أصبح تشكيل الحكومات وإعادة تشكيلها جزءاً من المنافسة السياسية. وهذا أنتج ظاهرة مهمة: تسييس الإدارة قبل بناء الإدارة.

فبدلاً من أن يكون السؤال: ما الهيكل المناسب لوزارة الداخلية؟ أصبح السؤال: من يسيطر على وزارة الداخلية؟

وبدلاً من: كيف نبني مؤسسة مالية مستقلة؟ أصبح: من يملك النفوذ داخل وزارة المالية والمؤسسات السيادية؟

وبدلاً من: كيف نوحد الجيش؟ أصبح: أي قوة أو تيار سيكون له النفوذ داخل المؤسسة العسكرية؟

وهكذا بدأت الدولة تُبنى من أعلى عبر توزيع النفوذ، بدلاً من بنائها من أسفل عبر قواعد مؤسسية مستقرة.

خامساً: هنا نصل إلى العلاقة مع قانون العزل وهذا مهم جداً بالنسبة للفصل الذي كنا نعمل عليه. قانون العزل السياسي لم يكن مجرد نتيجة لضغط الميليشيات. كان أيضاً نتيجة لفشل المؤتمر في حسم سؤال: كيف نتعامل مع إرث النظام السابق ضمن مشروع بناء الدولة؟

كان يمكن وضع المسألة ضمن إطار: العدالة الانتقالية بحيث تكون هناك: مساءلة جنائية؛ تدقيق وظيفي؛ كشف الحقيقة؛ تعويض الضحايا؛ إصلاح مؤسسات؛ مصالحة. لكن عندما يتحول البرلمان إلى ساحة صراع سياسي، يصبح من السهل أن تتحول العدالة الانتقالية إلى: أداة لإعادة توزيع النفوذ السياسي.

وهذا بالضبط ما يجعل قانون 13 مهماً في دراسة أخطاء نخبة فبراير.

سادساً: «الدولة أولاً» لم تصبح عقيدة المرحلة

كان ينبغي أن تكون هناك قاعدة غير مكتوبة تحكم المؤتمر: أي قرار سياسي يجب أن يُقاس أولاً بأثره على بناء الدولة. لكن الواقع أخذ اتجاهاً آخر: أي قرار يُقاس أولاً بأثره على ميزان القوى السياسية. وهذا فرق هائل.مثلاً:

إذا كان قرار ما يحقق مكسباً سياسياً لحزب لكنه يضعف المؤسسة العسكرية، فينبغي رفضه. إذا كان يقوي تياراً لكنه يضعف القضاء، ينبغي رفضه. إذا كان يرضي الثوار لكنه يضعف سيادة القانون، ينبغي إعادة صياغته. إذا كان يحقق الهدوء اليوم لكنه يخلق سابقة لتدخل السلاح غداً، ينبغي عدم قبوله. هذه هي عقلية المؤسسة التأسيسية.

سابعاً: أخطر نتيجة .. انتقال الصراع السياسي إلى مؤسسات الدولة

عندما لم يكن هناك توافق على قواعد الدولة، أصبحت المؤسسات نفسها ساحات للصراع. وهنا يمكن فهم: الحكومات المتعاقبة؛ إعادة تشكيل الوزارات؛ الصراع حول المؤسسات السيادية؛ قانون العزل؛ العلاقة مع التشكيلات المسلحة؛ ثم لاحقاً الصراع بين المؤتمر ومجلس النواب. فالمشكلة لم تبدأ في 2014، بل كان انفجاراً لمسار بدأ أثناء المؤتمر.

ثامناً: مجلس النواب لم يبدأ المشكلة

هذه نقطة أعتقد أنها مهمة جداً في المراجعة. لانه من السهل تحميل مجلس النواب وحده مسؤولية انهيار المسار الديمقراطي. لكن إذا أردنا مراجعة عادلة: مجلس النواب ورث أزمة لم يصنعها كلها. لقد ورث: مؤسسات أمنية ضعيفة؛ انتشار السلاح؛ انقساماً سياسياً؛ قانون عزل واسعاً؛ دستوراً لم يكتمل؛ خلافاً على قواعد الانتقال؛ حكومة ضعيفة؛ اقتصاداً ريعياً؛ ومؤسسات سيادية غير مستقرة.

ولذلك عام (2014) لم يكن بداية الأزمة؛ كان لحظة انتقال الأزمة من مرحلة المنافسة داخل المؤسسات إلى مرحلة الانقسام المؤسسي.

تاسعاً: من المؤتمر إلى مجلس النواب (انتقال الخلل نفسه)

وهنا يمكن بناء سلسلة سببية: 2012 انتخابات المؤتمر. 2012–2013 تحول المؤسسة إلى ساحة تنافس سياسي. (2013) قانون العزل تحت ضغط سياسي ومسلح.(2013–2014) تعاظم الانقسام السياسي والأمني. (2014) انتخابات مجلس النواب ورث الانقسام حول شرعية مجلس النواب والمؤتمر. انقسام المؤسسات التنفيذية. انقسام المؤسسات الأمنية والعسكرية. وهذا يجعل(2014) نقطة انكسار وليس نقطة بداية.

عاشراً: الخطأ التأسيسي الحقيقي

لذلك لا نسميه فقط: «خطأ المؤتمر الوطني العام» بل: الخطأ التأسيسي في إدارة الانتقال هو: التعامل مع المؤسسة المنتخبة باعتبارها برلماناً لإدارة التنافس السياسي، بدلاً من التعامل معها باعتبارها أداة انتقالية استثنائية مهمتها الأساسية بناء الإطار الدستوري والمؤسسي الذي يسمح لاحقاً بعودة السياسة إلى طبيعتها البرلمانية. وهذه صياغة أقوى وأدق.

الحادي عشر: ما الذي كان ينبغي أن يفعله المؤتمر؟

لو أخذ المؤتمر وظيفته التأسيسية بجدية، لكان برنامجه الأساسي مختلفاً تماماً. كان يمكن أن يعتمد منذ بدايته: «برنامج تأسيس الدولة خلال 24 شهراً» ويضع أمامه سبعة ملفات غير قابلة للتأجيل:

ــ الدستور: إنجاز دستور دائم وفق جدول زمني واضح

ــ الأمن: إعادة بناء الشرطة والأمن ووضع برنامج واضح لدمج أو تفكيك التشكيلات المسلحة.

ــ الجيش: وضع أساس مهني موحد للمؤسسة العسكرية.

ــ القضاء: حماية استقلال القضاء.

ــ الإدارة: إعادة بناء الجهاز الإداري للدولة.

ــ الحكم المحلي: تأسيس اللامركزية وتوزيع الاختصاصات والموارد.

ــ العدالة الانتقالية: إنشاء منظومة متوازنة: حقيقة + محاسبة + جبر ضرر + مصالحة + إصلاح مؤسسات.

وبعد إنجاز هذه الملفات: تنتهي المرحلة الانتقالية.

الثاني عشر: ما الذي حدث بدلاً من ذلك؟

يمكن تلخيصه في معادلة: انتخابات → مؤتمر → أحزاب → تحالفات → صراع على الحكومة → صراع على المؤسسات → صراع مع السلاح → عزل سياسي → انقسام → حرب.

بينما كان المسار المطلوب: ثورة → مؤسسة انتقالية منتخبة → دستور → بناء مؤسسات → توحيد الدولة → انتخابات دستورية → تداول سلطة.

الفارق بين المسارين هو في الحقيقة الفارق بين إدارة الثورة وإدارة الدولة.

الثالث عشر: درس شديد الأهمية للمستقبل

عند الانتقال من وضع استثنائي إلى نظام دستوري، يجب ألا تكون الأولوية: من سيحكم؟ بل: ما القواعد التي ستحدد كيف يحكم من يأتي بعدنا؟ هذه هي عقلية التأسيس. فالسياسي الذي يفكر بمنطق الانتخابات القادمة يسأل: كيف أربح؟ أما السياسي الذي يفكر بمنطق الدولة يسأل: ماذا سيحدث للدولة إذا خسر فريقي؟

وهذا هو الاختبار الحقيقي للنخبة الديمقراطية.

…

يتبع

____________