بقلم الشّايب

المبحث التاسع: الآثار السلبية للعزل السياسي على التحول الديمقراطي في ليبيا

أولاً: إضعاف التوافق بين النخب

تحتاج المرحلة الانتقالية إلى أوسع قدر ممكن من التوافق حول قواعد اللعبة السياسية. غير أن العزل الواسع جعل جزءاً من النخب السياسية ينظر إلى النظام الجديد باعتباره نظاماً إقصائياً، وأصبح الماضي السياسي للشخص عاملاً يمكن استخدامه في المنافسة السياسية.

وبذلك انتقل الصراع من سؤال: من يملك البرنامج الأفضل لبناء ليبيا؟ إلى سؤال: من يملك الحق في تمثيل الثورة ومن يملك حق استبعاد الآخرين؟

وهذا التحول خطير على الديمقراطية؛ لأن الديمقراطية تفترض أن المنافس السياسي يُهزم في الانتخابات، لا أن يُمنع من المنافسة إلا إذا استوفى شروطاً قانونية ضرورية ومتناسبة.

ثانياً: إضعاف الخبرة المؤسسية

لا يمكن بناء دولة جديدة دون خبرات إدارية وفنية. وقد حذرت الأدبيات المقارنة من أن التطهير غير المنضبط قد يؤدي إلى خسارة الدولة لخبراتها، وهي المشكلة التي ظهرت بصورة واضحة في العراق.

وفي ليبيا، حيث كانت مؤسسات الدولة تعاني أصلاً من ضعف شديد، كان الحفاظ على الخبرات المهنية مع تطهير المؤسسات من المسؤولين عن الانتهاكات أكثر اتساقاً مع هدف بناء الدولة.

ثالثاً: تعطيل المصالحة الوطنية

إن المصالحة لا تعني إعفاء مرتكبي الجرائم من المسؤولية، وإنما تعني بناء إطار يسمح للمجتمع باستيعاب ماضيه دون استمرار تحويله إلى مصدر دائم للصراع.

وحين يشعر جزء من المجتمع بأن هويته السياسية السابقة تحوله إلى مواطن من درجة ثانية، فإن ذلك يضعف الاستعداد للمشاركة في عملية المصالحة.

رابعاً: تعزيز شرعية السلاح

من أخطر النتائج غير المباشرة أن بعض القوى المسلحة يمكن أن ترى في نفسها حامية لـ«الشرعية الثورية»، فتتحول من قوة مؤقتة للدفاع عن الثورة إلى فاعل سياسي يفرض شروطه على المؤسسات المنتخبة.

وقد ربطت بعض الدراسات حالة إقرار قانون العزل السياسي في ليبيا بضغط الجماعات المسلحة التي سعت إلى فرض القانون في ظل ضعف قدرة الحكومة على احتكار القوة.

وهنا تكمن مفارقة خطيرة:

الثورة التي قامت من أجل إخضاع السلطة للقانون قد تجد نفسها في مرحلة انتقالية تستخدم شرعيتها الثورية لتجاوز المؤسسات القانونية.

المبحث العاشر: كيف كان يمكن تجنب أخطاء الإقصاء؟

لم يكن البديل الصحيح هو ترك مسؤولي النظام السابق دون مساءلة، وإنما كان يمكن بناء نظام أكثر دقة وتوازناً يقوم على المبادئ الآتية:

1. المسؤولية الفردية: ينبغي أن يكون السؤال الأساسي: ما الذي فعله الشخص؟ وليس:

ما الوظيفة التي كان يشغلها؟ مع إمكانية استخدام الوظيفة السابقة كقرينة تستدعي الفحص، لا كدليل نهائي على المسؤولية.

2. التمييز بين الفئات: كان يمكن تقسيم الأشخاص إلى:

الفئة الأولى: المتورطون مباشرة في جرائم جسيمة؛ وهؤلاء يخضعون للمساءلة القضائية.

الفئة الثانية: القيادات السياسية والأمنية العليا؛ ويمكن إخضاعهم لعزل مؤقت أو طويل وفق معايير دقيقة.

الفئة الثالثة: شاغلو المناصب الإدارية العليا؛ يخضعون لفحص فردي.

الفئة الرابعة: الموظفون والمهنيون؛ يستمرون في وظائفهم ما لم تثبت مسؤوليتهم الفردية.

الفئة الخامسة: المعارضون السابقون الذين عادوا إلى النظام؛ يُفحص كل منهم وفق سلوكه الفردي.

3. ضمان حق الدفاع: يجب أن يعرف الشخص سبب خضوعه للعزل، وأن يحصل على فرصة حقيقية للرد، وأن يستطيع تقديم الأدلة والشهود والطعن في القرار أمام جهة قضائية مستقلة. وهذا من المبادئ الأساسية التي تضعها الأدبيات الدولية للتطهير الوظيفي.

4. التحديد الزمني: ينبغي أن تكون إجراءات العزل الانتقالي مؤقتة، وأن تخضع للمراجعة الدورية. وتؤكد التجربة التشيكية أن الطبيعة المؤقتة كانت جزءاً مهماً من تبرير التدبير، كما أن المحاكم الأوروبية شددت على أن ضرورة تقييد الحقوق الفردية تتراجع بمرور الزمن.

5. ربط العزل بالمصالحة: يمكن الجمع بين الفحص الوظيفي والمصالحة من خلال منح الشخص الذي لم تثبت مسؤوليته فرصة لإعادة الاندماج في الحياة العامة.وبذلك يصبح النظام: مساءلة عند ثبوت المسؤولية + فحص عند وجود الشبهة + إدماج عند انتفاء الخطر.

6. عدم استخدام العدالة الانتقالية كسلاح سياسي: ينبغي أن تكون الهيئة مستقلة عن الأحزاب والسلطات التنفيذية والجماعات المسلحة، وأن تكون قراراتها قابلة للمراجعة القضائية. فالعدالة الانتقالية تفقد مشروعيتها عندما تصبح وسيلة لاستبعاد المنافس السياسي.

خاتمة الفصل

تكشف دراسة الانتقال من قانون رقم 26 لسنة 2012 بشأن الهيئة العليا لتطبيق معايير النزاهة والوطنية إلى قانون رقم 13 لسنة 2013 بشأن العزل السياسي والإداري عن تحول جوهري في طريقة تعامل النخبة السياسية الليبية مع إرث النظام الجماهيري.

فالقانون الأول، على الرغم من اتساع معاييره واحتوائه على جوانب سياسية، كان أقرب إلى نموذج الفحص المؤسسي لتولي الوظيفة العامة؛ إذ أنشأ هيئة متخصصة، وطلب إقرارات مالية وسيراً ذاتية، ومنحها سلطة التحري، وأتاح الطعن في قراراتها أمام القضاء الإداري.

أما القانون الثاني فقد انتقل إلى نموذج أكثر صراحة في الإقصاء السياسي والإداري، واتسع نطاقه من حيث الأشخاص والوظائف والمعايير، وربط بين عدد كبير من صور العلاقة بالنظام السابق وبين الحرمان من طيف واسع من المناصب العامة. كما ألغى قانون 26 وحدد مدة عشر سنوات للعمل به.

ولا يعني ذلك أن قانون 26 كان نموذجاً مثالياً؛ فقد احتوى على معايير فضفاضة، وبعضها تجاوز المسؤولية عن الانتهاكات إلى مواقف فكرية وسياسية، كما تعرض لتعديلات متكررة. إلا أن التحول إلى قانون 13 جعل المشكلة أكثر وضوحاً، إذ أصبح الماضي السياسي قابلاً لأن يتحول إلى معيار للإقصاء من المجال العام.

ومن منظور العدالة الانتقالية، يمكن القول إن المشكلة المركزية في التجربة الليبية لم تكن في محاولة معالجة إرث النظام السابق، وإنما في عدم بناء تمييز مؤسسي كافٍ بين التطهير الوظيفي والمساءلة الجنائية والإقصاء السياسي.

فالتطهير الوظيفي مشروع عندما يكون هدفه حماية المؤسسات الديمقراطية، ويكون فردياً، ومحدوداً زمنياً، ومتناسباً، ومصحوباً بحقوق الدفاع والطعن. أما عندما يتحول إلى عقوبة جماعية أو إلى أداة لمنع المنافسين من المشاركة السياسية، فإنه يفقد جزءاً مهماً من شرعيته الانتقالية.

وتؤكد التجارب المقارنة هذا الاستنتاج. فقد قدمت أوروبا الوسطى والشرقية نماذج مختلفة للتعامل مع إرث الأنظمة الشمولية، تراوحت بين الإقصاء والفحص والإفصاح، مع تأكيد متزايد على المسؤولية الفردية والرقابة القضائية.

وقدمت جنوب أفريقيا نموذجاً أكثر تركيزاً على الحقيقة والمصالحة، بينما أظهرت التجربة العراقية مخاطر الاجتثاث الواسع وغير المقيد على مؤسسات الدولة والاستقرار السياسي.

وعليه، يمكن استخلاص أن أحد أهم أخطاء نخبة فبراير تمثل في عدم إدراك أن نجاح الثورة لا يتوقف على إسقاط النظام السابق فقط، وإنما على قدرة النخبة الجديدة على بناء قواعد سياسية تسمح حتى لمن لم يشارك في الثورة، أو لمن كان جزءاً من مؤسسات النظام السابق دون تورط في جرائمه، بالمشاركة في الدولة الجديدة وفق قواعد المواطنة والقانون.

وهنا تظهر المفارقة التاريخية للتجربة الليبية: فالثورة أرادت أن تنهي نظاماً قام على إقصاء الخصوم، لكن بعض أدوات المرحلة الانتقالية حملت خطر إعادة إنتاج الإقصاء في صورة جديدة.

ومن ثم فإن الدرس الأهم ليس أن الماضي ينبغي نسيانه، ولا أن المسؤولين عن الانتهاكات ينبغي إعفاؤهم، وإنما أن الديمقراطية الجديدة لا تستطيع بناء شرعيتها من خلال إقصاء كل من ارتبط بالماضي؛ بل من خلال بناء نظام يجعل المسؤولية فردية، والمساءلة قانونية، والمشاركة السياسية مفتوحة، والسلطة خاضعة للقواعد التي تنطبق على الجميع.

وبهذا المعنى، فإن معالجة إرث النظام الجماهيري كان ينبغي أن تكون وسيلة لبناء دولة ما بعد القذافي، لا وسيلة لإطالة الصراع حول من يملك الشرعية الثورية ومن يملك حق تمثيل المستقبل.

خلاصة تحليلية

يمكن اختزال الاستنتاج المركزي لهذا الفصل في المعادلة الآتية: معالجة إرث النظام السابق ≠ إقصاء كل من عمل في النظام السابق بل إن النموذج الأكثر اتساقاً مع التحول الديمقراطي هو: مساءلة فردية + فحص وظيفي محدود + ضمانات قضائية + تدرج في المسؤولية + مصالحة وطنية + إعادة إدماج لمن تنتفي مسؤوليته.

وبهذا المنظور، فإن التجربة الليبية تكشف أن المشكلة لم تكن في وجود سياسة لمعالجة إرث النظام الجماهيري، وإنما في تحول هذه السياسة تدريجياً من أداة لحماية مؤسسات الدولة الجديدة إلى أداة يمكن أن تستخدم في إعادة توزيع الشرعية السياسية داخل النخبة الجديدة.

وهذه النتيجة تسمح بالانتقال في الفصل التالي من تحليل «سياسة الإقصاء» إلى تحليل أوسع لمسألة «نخبة فبراير وصناعة قواعد المرحلة الانتقالية»، أي بحث الكيفية التي ساهمت بها الخيارات التي اتخذتها النخبة في السنوات الأولى بعد الثورة في تشكيل مسار الانقسام السياسي والمؤسسي لاحقاً.

ملاحظة منهجية مهمة: هذا الفصل ميز بين النص القانوني نفسه وبين تحليل تطبيقه ونتائجه؛ وهذا مهم جداً حتى لا تتحول النتيجة البحثية إلى حكم مسبق على «نخبة فبراير».

كما أن الفصل تجنب القول إن قانون 13 كان «مجرد انتقام»؛ الأدق علمياً أن نقول إن اتساع نطاقه وبيئة تطبيقه جعلا استخدامه كأداة للإقصاء السياسي ممكناً، وأن عدداً من الدراسات خلص إلى أنه استُخدم فعلاً في الصراع على الشرعية والسلطة.

…

يتبع

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ