تحرير الشّايب

المبحث الخامس: ضمانات قانون 13 لسنة 2013 ومفارقة اتساع الإقصاء

لا ينبغي إغفال أن قانون 13 احتوى، من الناحية الإجرائية، على بعض التطورات مقارنة بالقانون السابق.

فقد نصت المادة العاشرة على حق الهيئة في التحري واستدعاء صاحب الشأن لسماع أقواله وتحقيق دفاعه كتابة أو شفاهاً. كما نصت المادة الحادية عشرة على صدور قرار مسبب، وسمحت المادة الثانية عشرة بالطعن أمام القضاء الإداري ثم أمام المحكمة العليا.

وهذا يمثل تطوراً مهماً من زاوية الضمانات الإجرائية. إلا أن المشكلة لا تكمن فقط في الإجراءات، وإنما في طبيعة المعايير التي تُطبق من خلالها هذه الإجراءات. فأفضل ضمان إجرائي لا يستطيع معالجة معيار موضوعي شديد الاتساع أو غامض.

فعلى سبيل المثال، فإن معيار «اتخاذ موقف معادٍ لثورة 17 فبراير بالفعل أو التحريض أو الاتفاق أو المساعدة» يثير أسئلة دقيقة حول حدود المسؤولية. هل المقصود حمل السلاح ضد الثورة؟ أم مجرد رفضها السياسي؟ وهل يشمل التعبير عن موقف سياسي مخالف؟ وهل يستمر أثر هذا الموقف بعد سقوط النظام؟ وما العلاقة بين المعارضة السياسية للثورة وبين ارتكاب انتهاكات حقوق الإنسان؟

كما أن معيار «تمجيد القذافي أو نظامه» يطرح مشكلة أخرى تتعلق بحدود التجريم أو الجزاء السياسي على الخطاب السابق. ولهذا فإن دقة المعيار الموضوعي لا تقل أهمية عن حق الدفاع والطعن.

المبحث السادس: العزل السياسي بين حماية الديمقراطية وإعادة تشكيل النخبة

المطلب الأول: ضرورة معالجة إرث النظام السابق

من الخطأ النظر إلى قانون العزل وكأنه ظهر في فراغ أو كان بلا مبرر سياسي واجتماعي. فالثورة الليبية واجهت نظاماً شخصياً شديد المركزية، وكانت أجهزة الأمن والجيش والإدارة والمؤسسات السياسية مرتبطة بدرجات مختلفة بالنظام. كما شهدت البلاد انتهاكات سياسية وحقوقية واسعة خلال العقود السابقة.

ومن ثم كان من الطبيعي أن تنشأ مطالبة شعبية وسياسية بتطهير مؤسسات الدولة من المسؤولين عن القمع والفساد، وبضمان ألا تتحول مؤسسات الدولة الجديدة إلى أدوات لاستعادة النظام القديم.

ومن هذه الزاوية، فإن مبدأ الفحص الوظيفي ذاته لا يتعارض مع الديمقراطية.

وتؤكد التجربة التشيكية، مثلاً، أن المحكمة الدستورية قبلت من حيث الأصل إمكانية وجود تشريعات للتطهير الوظيفي في المرحلة الانتقالية، عندما يكون الهدف حماية الديمقراطية الجديدة من عودة النظام السلطوي، وعندما تكون التدابير مؤقتة ومتصلة بالمواقع العامة الحساسة.

إذن، لا تكمن المشكلة في وجود العزل من حيث المبدأ، وإنما في حدوده، ومعاييره، وضماناته، والبيئة السياسية التي يعمل فيها.

المطلب الثاني: من حماية الديمقراطية إلى إقصاء الخصوم

تذهب الأدبيات المتخصصة في الحالة الليبية إلى أن قانون العزل السياسي تحول في التطبيق والخطاب السياسي إلى أكثر من مجرد آلية للعدالة الانتقالية.

فقد خلصت دراسة مارياكا ويردا وميشيل بودوشينسكي إلى أن حالة ليبيا تمثل نموذجاً من «الإقصاء السياسي» ضمن العدالة الانتقالية، وأن القانون اتخذ طابعاً عقابياً، وفي بعض الحالات استُخدم ضد أعضاء من الثورة نفسها أو شخصيات شاركت في التحول، في سياق أوسع من الصراع على الشرعية والسلطة.

كما خلص رومان ديفيد وحودة مزيودت إلى أن تطبيق القانون جرى توظيفه لأغراض سياسية، وأنه أدى إلى إضعاف الانتقال بدلاً من حمايته، وحذر الباحثان من أنه حرم الدولة من قيادات وخبرات كان يمكن الاستفادة منها، وأضعف المصالحة.

وهذه الملاحظة مهمة للغاية لفهم التجربة الليبية: عندما تصبح آلية العدالة الانتقالية جزءاً من المنافسة السياسية، فإنها تفقد حيادها الوظيفي وتتحول من آلية لمعالجة الماضي إلى وسيلة للتحكم في المستقبل.

المبحث السابع: أخطاء نخبة فبراير في إدارة إرث النظام السابق

أولاً: الخلط بين الدولة والنظام

كان أحد أهم الأخطاء الاستراتيجية هو عدم الفصل بصورة كافية بين مؤسسات الدولة وبين النظام السياسي الذي حكمها.

فالدولة الليبية لم تكن مجرد القذافي وأسرته واللجان الثورية؛ بل كانت أيضاً مدارس وجامعات ومستشفيات ومؤسسات إدارية وشركات ووزارات وأجهزة فنية ودبلوماسية.

ومن ثم فإن تفكيك الدولة لا يساوي إسقاط النظام.

وكان يمكن لنخبة فبراير أن تعتمد قاعدة أكثر دقة: إسقاط النظام السياسي، مع إصلاح الدولة؛ لا إسقاط الدولة بحجة إسقاط النظام.

وتتضح أهمية هذا التمييز في التجربة العراقية؛ فقد أدى اجتثاث البعث الواسع إلى إبعاد شرائح من ذوي الخبرة من مؤسسات الدولة، وأسهم في إضعاف القدرات المؤسسية، وفق تقييمات بحثية عديدة.

ثانياً: الخلط بين الانتماء الوظيفي والمسؤولية عن الانتهاك

ليس كل سفير أو وزير أو أستاذ جامعي أو مدير مؤسسة في النظام السابق مسؤولاً عن جرائم النظام. وقد يكون بعضهم قد أدى وظيفة مهنية في ظل نظام لا يملك الموظف خياراً حقيقياً لمغادرته.

ومن ثم فإن المعيار الصحيح ينبغي أن يكون متدرجاً: القيادة السياسية العليا؛ القيادة الأمنية والقمعية؛ المسؤولية المباشرة عن الانتهاكات؛ الاستفادة غير المشروعة من النظام؛ الوظائف الإدارية العادية؛ المواقف السياسية والفكرية المجردة. كل فئة من هذه الفئات تحتاج إلى معالجة مختلفة.

ثالثاً: عدم الفصل بين العدالة الجنائية والعدالة الانتقالية

إذا كان الشخص متورطاً في التعذيب أو القتل أو الاختلاس، فإن الأصل أن تتم محاسبته قضائياً وفق القانون.

أما حرمانه من وظيفة عامة فقد يكون تدبيراً مكملاً لحماية المؤسسة، لكنه لا ينبغي أن يحل محل المحاكمة. وبالمثل، لا ينبغي أن يتحول العزل الإداري إلى عقوبة جنائية بديلة دون ضمانات المحاكمة الجنائية.

رابعاً: الاستعجال التشريعي

أحد أوجه القصور في التجربة الليبية كان إصدار قواعد ذات أثر عميق على النظام السياسي في ظل بيئة انتقالية شديدة الاضطراب.

وقد أُقر قانون 13 في 5 مايو 2013، في سياق ضغوط سياسية وأمنية شديدة، ثم صدر في 8 مايو ودخل حيز النفاذ بعد ثلاثين يوماً.

وقد وصف بعض الباحثين هذه البيئة بأنها اتسمت بضغوط قوية من جماعات مسلحة، وبأن عملية إقرار القانون لم تجر في ظروف مؤسسية مثالية من حيث التشاور العام والاستقرار.

ولا يعني ذلك أن كل من أيد القانون كان مدفوعاً برغبة في إقصاء الخصوم؛ بل إن الأدق أكاديمياً هو القول إن البيئة السياسية والأمنية سمحت بتداخل الاعتبارات الثورية والمصلحية والسياسية داخل عملية التشريع.

خامساً: غياب التدرج

كان يمكن إنشاء نظام متعدد المستويات: العزل الدائم أو طويل الأمد للمسؤولين عن الجرائم الجسيمة؛ منع مؤقت من المناصب السيادية لبعض القيادات العليا؛ فحص فردي لبقية شاغلي الوظائف؛ السماح بإعادة التأهيل لمن يثبت عدم تورطه؛ ربط العودة إلى الحياة العامة باعتراف أو اعتذار أو تعاون مع آليات الحقيقة عند الاقتضاء. لكن اعتماد قائمة واسعة من الفئات يجعل التدبير أكثر شبهاً بالإقصاء الجماعي.

المبحث الثامن: التجارب المقارنة ودروسها للحالة الليبية

المطلب الأول: أوروبا الشرقية – التطهير المشروط والمؤقت

 شهدت دول وسط وشرق أوروبا بعد انهيار الشيوعية تجارب متعددة في مجال التطهير الوظيفي. ففي جمهورية التشيك، اعتمد نظام التطهير على استبعاد أشخاص من وظائف معينة استناداً إلى مواقعهم أو علاقتهم بأجهزة النظام السابق، لكن المحكمة الدستورية ربطت مشروعية هذه التدابير بظروف التحول الديمقراطي وبطبيعتها الانتقالية. وأكدت أن أهمية القرينة المرتبطة بالماضي تقل مع مرور الزمن، وهو ما يدعم ضرورة أن تكون إجراءات التطهير محدودة زمنياً.

أما بولندا فقد قدمت نموذجاً مختلفاً نسبياً، إذ تطورت فيها آليات الفحص والإفصاح عن العلاقة بأجهزة النظام السابق، مع دور أكبر للقضاء. وتشير الأدبيات المقارنة إلى أن التجربة البولندية قدمت نموذجاً يمنح بعض الأشخاص «فرصة ثانية» بدلاً من الإقصاء التلقائي، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالإفصاح عن الماضي وعدم الكذب بشأنه.

وهذا الدرس بالغ الأهمية لليبيا: ليس كل من عمل مع النظام السابق يجب أن يعاقب أو يعزل؛ أحياناً يكون كشف الحقيقة والشفافية والاعتراف بالماضي أكثر فاعلية من الإقصاء التلقائي.

المطلب الثاني: جنوب أفريقيا – المصالحة بدلاً من الانتقام

تمثل جنوب أفريقيا نموذجاً مختلفاً جذرياً. فقد أنشأت الدولة بعد نهاية نظام الفصل العنصري لجنة الحقيقة والمصالحة، التي قامت على عدة لجان، من بينها لجنة انتهاكات حقوق الإنسان، ولجنة التعويض وإعادة التأهيل، ولجنة العفو.

وكانت الفكرة الأساسية هي ربط كشف الحقيقة بالمصالحة، مع إمكانية منح العفو في ظروف محددة للأفعال ذات الصلة بأهداف سياسية، بدلاً من اعتماد الإقصاء الشامل.

ولا يعني ذلك أن النموذج الجنوب أفريقي يمكن نقله حرفياً إلى ليبيا؛ فالسياقان مختلفان من حيث طبيعة الدولة والنزاع والتركيب الاجتماعي. لكن التجربة تطرح مبدأ مهماً: يمكن أن تكون معالجة الماضي أداة لبناء المستقبل إذا لم تُختزل في معاقبة المنتمين إلى النظام السابق.

وقد نص الإطار الانتقالي الجنوب أفريقي صراحة على الانتقال من منطق الانتقام إلى المصالحة وإعادة بناء المجتمع.

المطلب الثالث: العراق – درس الاجتثاث

تُعد التجربة العراقية أقرب التجارب المقارنة إلى الحالة الليبية من حيث البيئة العربية والانتقال بعد سقوط نظام سلطوي شديد المركزية.

وقد أظهر تطبيق سياسة اجتثاث البعث مشكلات كبيرة؛ إذ أدت السياسة الواسعة وغير المقيدة إلى إقصاء قطاعات مهمة من السكان باعتبارهم مرتبطين بالنظام، وأسهمت في إضعاف مؤسسات الدولة وتعقيد عملية بناء السلام.

كما خلص المركز الدولي للعدالة الانتقالية إلى أن عملية اجتثاث البعث أدت إلى استقطاب سياسي وانهيار بعض وظائف الدولة، وأنها اعتمدت في مراحل منها على افتراض واسع للذنب، بما حرم الدولة من خبرات كانت تحتاج إليها. وأوصى بأن يُقيَّم الأشخاص وفق سلوكهم لا مجرد انتمائهم الحزبي.

وتبدو المقارنة هنا واضحة:

العراق: اجتثاث واسع > إضعاف مؤسسات الدولة > استقطاب > صعوبة المصالحة.

ليبيا: عزل سياسي واسع > إقصاء من المجال العام > إضعاف التوافق > استمرار التنافس على شرعية الثورة.

مع ضرورة عدم الوقوع في التماثل الكامل بين التجربتين.

…

يتبع

___________