بقلم الشّايب

المرحلة الثانية (2011–2012): المرحلة الانتقالية الأولى وبناء المؤسسات.

انتخابات المؤتمر الوطني

هذا المرحلة التالية يجب ألا نبدأها من انتخابات يوليو 2012 مباشرة، بل من الفترة القصيرة والحاسمة بين إعلان التحرير وانتخاب المؤتمر الوطني العام؛ لأنها الفترة التي تحولت فيها الوعود التي وردت في إعلان 23 أكتوبر إلى قرارات وممارسات.

اختبار التنفيذ الأول من 23 أكتوبر 2011 إلى 7 يوليو 2012

ـــ ماذا حدث للكتائب بعد إعلان التحرير؟

ـــ ماذا حدث للأسلحة والمعسكرات التي استولت عليها الكتائب؟

ـــ كيف تعامل المجلس مع الأموال التي دفعت للمقاتلين؟

ـــ كيف أعيد تشكيل الجيش والشرطة؟

ـــ كيف عولج ملف المعتقلين وأنصار النظام السابق؟

ـــ كيف تشكلت الحكومة الانتقالية؟

ـــ كيف صيغ قانون الانتخابات؟

ـــ هل كانت الأولوية لبناء مؤسسات الدولة أم لإنجاز الانتخابات؟

ـــ كيف تعامل المجلس مع المطالب الجهوية والقبلية والمحلية؟

ـــ ما الذي جعل المؤتمر الوطني العام يرث دولة ضعيفة ومراكز قوة مسلحة بدلاً من أن يرث مؤسسات مستقرة؟

ثم نصل إلى 7 يوليو 2012، لا باعتباره بداية الأزمة، وإنما باعتباره نتيجة لمسار بدأ قبل ذلك. وهنا سنقترب من الفكرة التي أصبحت تتشكل عبر الملفات السابقة:

أخطاء الانتقال الليبي لم تكن أخطاء منفردة، وإنما سلسلة من الخيارات المتراكمة؛ كل مرحلة ورثت مشكلات المرحلة السابقة وأضافت إليها مشكلات جديدة، حتى أصبح تصحيح المسار أكثر صعوبة. وهذا بالضبط ما يجعل هذه المراجعة مختلفة عن مجرد سرد تاريخي لأحداث 2011–2014.

نحن نحاول إعادة بناء سلسلة صناعة القرار: ماذا حدث؟ > لماذا اتُّخذ القرار؟ > ما البدائل التي كانت متاحة؟ > ماذا كانت النتيجة؟ > ماذا كان يمكن فعله بصورة أفضل؟

نحن لا نحاكم الأشخاص بأثر رجعي، بل نحاكم القرارات في سياقها، ثم نقيس نتائجها بما كان متاحاً من بدائل في ذلك الوقت.وهذه هي الطريقة التي ستجعل الوثيقة مفيدة ليس فقط لفهم الماضي، وإنما أيضاً لتصميم انتقال ليبي مستقبلي لا يعيد الأخطاء نفسها.

فترة فرصة بناء الدولة التي لم تكتمل (من 23 أكتوبر 2011 إلى انتخابات المؤتمر الوطني العام)

كان إعلان التحرير في 23 أكتوبر 2011 لحظة فاصلة: انتهت الحرب الكبرى، وسقط النظام، وأصبح المجلس الوطني الانتقالي السلطة السياسية التي يفترض أن تقود البلاد نحو الدولة الدستورية. لكن الانتصار العسكري لم ينتج تلقائياً دولة مستقرة.

ففي اليوم التالي كان على القيادة الانتقالية أن تواجه واقعاً مختلفاً تماماً: سلطة مركزية ضعيفة، تشكيلات مسلحة متعددة، مؤسسات أمنية منهارة، مخازن سلاح مفتوحة، إدارات عامة مضطربة، آلاف المقاتلين المسلحين، ومجتمع خرج لتوه من حرب وانقسام حاد.

وهنا كان أمام نخبة فبراير خيار تاريخي: إما أن تجعل مرحلة ما بعد التحرير مرحلة تأسيس للدولة، أو أن تجعل الدولة الجديدة امتداداً مؤقتاً للترتيبات التي فرضتها الثورة والحرب. والفارق بين الخيارين سيحدد بدرجة كبيرة ما حدث خلال السنوات التالية.

أولاً: المشكلة لم تكن في وجود الثوار

من المهم ألا نبدأ هذه المراجعة من موقف عدائي تجاه المقاتلين. الثوار كانوا القوة التي أسقطت النظام، وكثير منهم قدموا تضحيات حقيقية. لكن نجاح الثورة خلق مشكلة جديدة: القوة التي كانت ضرورية لإسقاط النظام أصبحت، بعد سقوطه، تحتاج إلى أن تخضع للدولة.

وهذه هي اللحظة التي تختبر فيها الثورات قدرتها على التحول إلى دول. فالشرعية الثورية تقول: «قاتلت من أجل تحرير البلاد، ولذلك لي حق في القرار.» أما الدولة الدستورية فتقول: «لك حقوقك كمواطن، لكن القوة المسلحة لا تستمد شرعيتها من المشاركة في الثورة، وإنما من القانون والمؤسسة.» وهذا التحول لم يكن سهلاً.

ثانياً: إعلان التحرير نفسه وضع القاعدة الصحيحة

وهنا تكمن المفارقة. لقد أعلن المجلس في وثيقته أن: «الجيش الوطني الليبي» هو المؤسسة الشرعية المخولة باستخدام السلاح. وأعلن أن أي تشكيل مسلح خارج الجيش ووزارة الداخلية: «كيان غير شرعي». إذن المبدأ كان موجوداً. المشكلة أصبحت في التنفيذ.

وهنا يجب أن نطرح سؤالاً مباشراً: ماذا فعل المجلس خلال الأشهر الثمانية التالية لتحويل هذا المبدأ إلى واقع؟ هذه ستكون نقطة القياس الأساسية.

ثالثاً: أول خطأ محتمل — تأجيل مشكلة السلاح

كانت هناك حجة قوية آنذاك تقول إن الوقت غير مناسب لنزع سلاح الثوار. وهذه الحجة ليست بلا أساس. فليبيا كانت لا تزال في حالة انتقال، وبعض المناطق لم تستقر، والثقة بين المجموعات ضعيفة، والمؤسسات الأمنية لم تكن جاهزة.

لكن هناك فرقاً بين نزع السلاح فوراً وبين بدء عملية منظمة للسيطرة على السلاح. كان يمكن مثلاً البدء بـ: حصر التشكيلات؛ تسجيل المقاتلين؛ تسجيل الأسلحة الثقيلة؛ تأمين مخازن الذخيرة؛ تحديد المقرات العسكرية؛ إنشاء قاعدة بيانات؛ وضع جدول للدمج والتسريح؛ تحديد سلسلة قيادة مؤقتة؛ ومنع أي تشكيل جديد. أي أن الدولة لم تكن مضطرة إلى نزع كل سلاح في أسبوع. لكنها كانت بحاجة إلى إظهار أن عملية نقل السلاح من الثورة إلى الدولة قد بدأت فعلاً.

رابعاً: مشكلة الاعتراف بالكتائب

هنا سنصل إلى واحد من أكثر الملفات حساسية. فبدلاً من أن يكون الهدف النهائي: حل التشكيلات المسلحة، بدأت الدولة تتعامل مع بعضها بوصفها جهات يمكن الاعتماد عليها في حفظ الأمن. وهذا مفهوم في الظروف الاستثنائية. لكن الخطر أن يتحول: الاستعانة المؤقتة إلى: اعتراف دائم. ثم إلى: تمويل رسمي. ثم إلى: شرعية سياسية. ثم إلى: مؤسسة أمنية موازية.

ومن هنا يمكن أن تتحول الكتيبة من قوة ثورية مؤقتة إلى فاعل مؤسسي دائم. هذه نقطة سنحتاج إلى توثيقها من قرارات المجلس والحكومة والميزانيات، وليس من الانطباعات.

خامساً: أموال الثوار

هذا الملف يستحق دراسة مستقلة. لأن دفع الأموال للمقاتلين يمكن النظر إليه من زاويتين: الزاوية الأولى: كان من الطبيعي تعويض من قاتلوا، خصوصاً في ظروف اقتصادية واجتماعية صعبة. الزاوية الثانية: إذا أصبحت الدولة تدفع الأموال إلى تشكيلات مسلحة دون ربطها بمسار واضح للتسريح أو الدمج، فإن المال العام يمكن أن يتحول إلى: آلية لإدامة القوة المسلحة خارج المؤسسة.

وبذلك يصبح لدينا مثلث خطير: السلاح + التنظيم المستقل + التمويل الحكومي. وهذه الثلاثة معاً تستطيع إنتاج قوة يصعب على الدولة التخلص منها لاحقاً.

سادساً: لماذا لم يكن الوقت محايداً؟

هذه نقطة أرى أنها مهمة جداً. كلما تأخر دمج المقاتلين وتسريحهم، زادت قدرتهم على: بناء شبكاتهم؛ امتلاك المقرات؛ الحصول على الموارد؛ تكوين علاقات سياسية؛ فرض نفوذ محلي؛ الدخول في الاقتصاد؛ والتفاوض مع الدولة من موقع القوة.

وبالتالي: الوقت الذي كان يمكن أن يعمل لصالح الدولة بدأ يعمل لصالح القوى المسلحة. وهذه واحدة من أهم النتائج التي ينبغي أن نختبرها بالأرقام والقرارات.

سابعاً: وفي الوقت نفسه كانت هناك قضية العدالة الانتقالية

بعد سقوط النظام لم تكن المشكلة: ماذا نفعل بالقذافي فقط؟ بل ماذا نفعل بمئات الآلاف الذين ارتبطوا بالنظام بدرجات مختلفة؟ هنا كان ينبغي التمييز بين: المسؤول عن جريمة و المسؤول السياسي و الموظف الإداري و العسكري الذي خدم الدولة و المواطن الذي كان جزءاً من مؤسسات النظام دون ارتكاب جريمة.

هذا التمييز سيكون بالغ الأهمية لاحقاً عندما نصل إلى قانون العزل السياسي. لأن أحد أخطر أخطاء الانتقال هو تحويل المسؤولية الفردية عن الجرائم إلى مسؤولية جماعية عن الانتماء أو الوظيفة. وهنا بدأ أحد جذور المشكلة التي سنصل إليها لاحقاً في قانون رقم 13 لسنة 2013.

ثامناً: المشكلة أن الانتخابات أصبحت تبدو كحل للمشكلة

هنا نقترب من السؤال الكبير. بعد الثورة، كان هناك ضغط داخلي وخارجي لإنجاز انتقال سياسي شرعي. والانتخابات تبدو بطبيعتها حلاً جذاباً: ننتخب مؤسسة شرعية > تنتهي المرحلة الانتقالية > يبدأ بناء الدولة. لكن الانتخابات لا تستطيع وحدها حل: مشكلة السلاح؛ الجيش؛ الشرطة؛ العدالة؛ الاقتصاد؛ الإدارة؛ المصالحة؛ أو الانقسام الجهوي.

وهنا ينبغي أن ندرس ما إذا كان الانتقال الانتخابي قد سبق الانتقال المؤسسي. إذا ثبت ذلك، فسنكون أمام واحدة من أهم فرضيات هذه المراجعة.

تاسعاً: الخطأ لم يكن إجراء الانتخابات

وهذه نقطة مهمة حتى لا تقع المراجعة في موقف مضاد للديمقراطية. المشكلة ليست في الانتخابات. بل في الظروف المؤسسية والأمنية التي أجريت فيها الانتخابات. فالانتخابات تعطي: شرعية تمثيلية. لكن الدولة تحتاج أيضاً إلى: قدرة مؤسسية.

وإذا حصلنا على شرعية انتخابية فوق مؤسسات ضعيفة، فإن المؤسسة المنتخبة قد تدخل مباشرة في صراع مع القوى التي تملك القوة الفعلية. وهذا تقريباً ما كان في المؤتمر الوطني العام.

عاشراً: وهنا يظهر الخطأ البنيوي لنخبة فبراير

يمكننا الآن صياغة فرضية أقوى: لم يكن الخطأ الأساسي لنخبة فبراير أنها اختارت الديمقراطية أو الانتخابات، وإنما أنها لم تنجح في إدارة العلاقة بين ثلاثة مسارات كان يجب أن تتقدم بصورة متوازنة: بناء الدولة، احتكار القوة، والانتقال السياسي.

فإذا تقدم الانتقال السياسي بينما تأخر بناء الدولة وتأخر توحيد القوة المسلحة فإن المؤسسة المنتخبة سترث الأزمة بدلاً من أن تحلها.

الحادي عشر: وهنا نصل إلى المؤتمر الوطني العام

وهذا يجعل انتخابات يوليو 2012 مختلفة تماماً عن الصورة التي تقدمها الرواية السياسية التقليدية. ليست: الثورة > الانتخابات < الديمقراطية. بل ينبغي أن ندرسها هكذا: الثورة > انهيار النظام > سلطة انتقالية > سلاح متعدد المراكز > مؤسسات غير مكتملة > انتخابات > مؤسسة منتخبة ترث كل هذه الأزمات.

ومن هنا يبدأ الملف الحقيقي للمؤتمر الوطني العام. وهو الملف الذي كنا قد بدأناه سابقاً عندما تحدثنا عن الخطأ المركزي: المؤتمر كان يفترض أن يكون مؤسسة تأسيسية تنقل ليبيا من الشرعية الثورية إلى الشرعية الدستورية، لكنه تحول تدريجياً إلى برلمان سياسي يخوض صراعات السلطة.

خلاصة هذه المرحلة

هذه المراجعة يجب ألا تقول إن المجلس الانتقالي «فشل» ببساطة. والأدق: نجح المجلس في قيادة عملية إسقاط النظام وتحقيق الاعتراف الدولي بالسلطة الجديدة، لكنه واجه صعوبة في تحويل الشرعية الثورية إلى سلطة مؤسسية تحتكر القوة وتدير عملية انتقال دستوري متكاملة.

وقد أدى عدم حسم ملفات السلاح والمؤسسات الأمنية والعدالة الانتقالية والمصالحة قبل الانتقال إلى الانتخابات إلى نقل جزء كبير من أزمات الثورة إلى المؤسسة المنتخبة التالية. وهنا تظهر أهمية التسلسل الذي نبنيه:

اغتيال يونس .. كشف ضعف احتكار القوة.

سقوط طرابلس .. كشف ضعف السيطرة على المؤسسات.

نهب المعسكرات .. ساهم في انتشار السلاح خارج الدولة.

إعلان التحرير .. وضع مبدأ الدولة والمؤسسة والسلاح الشرعي.

مرحلة ما بعد التحرير .. اختبرت قدرة المجلس على تنفيذ هذا المبدأ.

الانتخابات .. منحت الشرعية التمثيلية قبل اكتمال بناء الدولة.

المؤتمر الوطني العام .. ورث هذه التناقضات.

وهكذا، عندما نصل إلى المؤتمر، لن نبدأ من الصفر. سنصل إليه ومعنا ملف كامل يشرح لماذا دخل المؤتمر الوطني العام وهو يحمل بذور أزمته منذ اليوم الأول.

…

يتبع

___________