بقلم الشّايب
أخطاء نخبة فبراير في المرحلة الانتقالية الأولى (من 2012 إلى 2014)
من العزل الوظيفي إلى العزل السياسي
من المراحل التي كانت مهمة في مسيرة ثورة فبراير في ليبيا هي المرحلة الأولى والتي أحد خصائصها محاولة التعامل مع إرث النظام الجماهيري وذلك من خلال قانون النزاهة للعزل الوظيفي الذي تحول فيما بعد إلى قانون العزل السياسي.
أخطاء كثيرة ارتكبت من قبل نخبة فبراير ومنها مسألة إقصاء الخصوم ولذلك لابد من إجراء مقارنة بين هيئة النزاهة ولجنة العزل السياسي وهذه الاخطاء كان من الممكن تفاديها ونتائجها السلبية التي أثرت على مسار التحول الديمقراطي في ليبيا
ويمكن بناء هذه الفكرة في صورة مبحث تحليلي مقارن مهم؛ لأن الانتقال من «النزاهة والوطنية» إلى «العزل السياسي والإداري» يكشف بوضوح كيف تحوّل التعامل مع إرث النظام السابق من محاولة لضبط شروط تولي الوظيفة العامة إلى سياسة أوسع للإقصاء السياسي.
ومن المفيد هنا التمييز بين المبدأ وطريقة التطبيق: فمعالجة إرث النظام السابق كانت ضرورة في دولة خارجة من حكم استمر أكثر من أربعة عقود، لكن الإشكال تمثل في أن أدوات المعالجة لم تُصمم دائماً وفق منطق العدالة الانتقالية، والتناسب، والفردية، وضمانات الطعن.
أولاً: معيار النزاهة والوطنية والعزل السياسي
صدر القانون رقم 26 لسنة 2012 بشأن الهيئة العليا لتطبيق معايير النزاهة والوطنية، ثم خضع لعدة تعديلات خلال سنة 2012. وكان التصور الأول أقرب إلى وضع معايير لتولي المناصب والوظائف العامة، مع التركيز على الصفة الوظيفية والسلوك المرتبط بالنظام السابق.
وهنا تظهر نقطة مهمة في المقارنة: قانون 26 لسنة 2012 لم ينطلق، في صورته الأولى، من فكرة «معاقبة كل من عمل في الدولة السابقة»، وإنما من محاولة تحديد الأشخاص الذين يمكن أن تشكل مواقعهم أو أدوارهم السابقة مشكلة بالنسبة إلى الدولة الجديدة. إلا أن التعديلات اللاحقة وسّعت نطاق المعايير بصورة كبيرة؛ ومن أمثلة ذلك استبعاد فئات واسعة من شاغلي المناصب القيادية والسياسية والأمنية والإدارية في النظام السابق.
أما القانون رقم 13 لسنة 2013 بشأن العزل السياسي والإداري فقد مثّل انتقالاً أكثر وضوحاً نحو سياسة الإقصاء. فقد حدد فترة زمنية تمتد من 1 سبتمبر 1969 إلى 23 أكتوبر 2011، وأدخل ضمن معايير العزل ليس فقط شغل وظائف محددة، بل أيضاً أنماطاً من السلوك والمواقف السياسية والفكرية والإعلامية.
والأهم أن قانون 13 لسنة 2013 ألغى قانون 26 لسنة 2012 وهيئته، ونص على أن يعمل به لمدة عشر سنوات.
ثانياً: المقارنة بين التجربتين
|
وجه المقارنة |
هيئة النزاهة والوطنية |
العزل السياسي والإداري |
|
الإطار القانوني |
قانون 26 لسنة 2012 وتعديلاته |
قانون 13 لسنة 2013 |
|
الفكرة الأساسية |
وضع معايير للنزاهة والوطنية وتولي الوظائف العامة |
منع فئات محددة من تولي المناصب والوظائف |
|
طبيعة المعالجة |
أقرب إلى الفحص الوظيفي |
أقرب إلى الإقصاء السياسي والمؤسسي |
|
معيار المسؤولية |
الصفة الوظيفية والسلوك |
الصفة الوظيفية + السلوك والمواقف |
|
نطاق الأشخاص |
كان أضيق نسبياً في بدايته |
اتسع بصورة كبيرة |
|
التعامل مع الماضي |
محاولة فرز من يشكل استمرارهم في السلطة مشكلة |
استبعاد فئات واسعة بسبب أدوارها السابقة |
|
المدة |
مرتبطة بالنظام القانوني للهيئة |
حدد القانون مدة عشر سنوات |
|
النتيجة |
لم يستمر الإطار طويلاً |
حل محل قانون النزاهة والوطنية |
|
الإشكال الرئيسي |
اتساع المعايير وتسييس عملية الفحص |
التعميم والإقصاء وإضعاف مبدأ المسؤولية الفردية |
وقد كان التحول التشريعي سريعاً بصورة لافتة؛ ففي يناير 2013 شكّل المؤتمر الوطني العام لجنة لإعداد مشروع قانون للعزل السياسي والإداري خلال أربعة عشر يوماً، مع النص على التواصل مع المجتمع المدني والخبراء لتلقي المقترحات. ثم أقر المؤتمر القانون في 5 مايو 2013 بأغلبية 164 عضواً، وأصبح القانون بديلاً لقانون النزاهة والوطنية.
ثالثاً: أين وقع الخطأ؟
الخطأ الأساسي، في تقديري، لم يكن في مبدأ معالجة إرث النظام السابق بحد ذاته، وإنما في الانتقال من معالجة الإرث إلى إقصاء الأشخاص على أساس الانتماء الوظيفي أو السياسي السابق دون بناء كافٍ للمسؤولية الفردية. وهنا يمكن تحديد عدة أخطاء:
1. الخلط بين الدولة والنظام
في الأنظمة السلطوية، لا يستطيع معظم الموظفين أن يعملوا خارج مؤسسات الدولة. وبالتالي فإن مجرد العمل في مؤسسة حكومية خلال عهد القذافي لا يعني بالضرورة أن الشخص كان جزءاً من منظومة القمع أو الفساد السياسي.
كان ينبغي التمييز بين: من شارك في اتخاذ القرارات القمعية؛ ومن استفاد بصورة غير مشروعة من النظام؛ ومن تولى موقعاً سياسياً مؤثراً؛ وبين الموظف الذي مارس وظيفة مهنية عادية ولم يثبت تورطه في انتهاكات.
2. استبدال المسؤولية الفردية بالمسؤولية الجماعية
وهذه من أخطر مشكلات التجربة. فبدلاً من السؤال: ماذا فعل هذا الشخص؟ أصبح السؤال في بعض الحالات: ما الوظيفة التي شغلها؟ وما موقعه في النظام السابق؟
وهذا يضعف أحد المبادئ الأساسية للعدالة الانتقالية: أن تكون المسؤولية شخصية وفردية، لا جماعية.
3. ضعف التمييز بين العدالة الانتقالية والانتقام السياسي
العدالة الانتقالية تهدف إلى معالجة إرث الانتهاكات مع الحفاظ على إمكانية بناء مجتمع سياسي جديد. أما الإقصاء السياسي الواسع فقد يحول العدالة الانتقالية إلى وسيلة لإعادة توزيع القوة بين النخب.
وهذا خطر كبير في المراحل الانتقالية، لأن الطرف المنتصر يستطيع استخدام الماضي السياسي للخصم لتحديد من يحق له المشاركة في المستقبل.
4. التوقيت والبيئة السياسية
جاء قانون العزل في لحظة كان فيها البناء المؤسسي للدولة لا يزال هشاً، والفاعلون السياسيون الجدد يتنافسون بشدة على تشكيل مؤسسات الدولة.
ولهذا فإن السؤال المهم ليس فقط: ماذا قال القانون؟ بل أيضاً: في أي بيئة سياسية طُبق؟ ومن كانت مصلحته في توسيع نطاقه؟ وهذه النقطة مهمة جداً لفهم مسألة «إقصاء الخصوم» .
رابعاً: المفارقة الليبية
المفارقة أن قانون العزل لم يستبعد فقط شخصيات من النظام السابق، بل وصل تأثيره إلى شخصيات أصبحت جزءاً من السلطة الجديدة نفسها. وقد أشارت المصادر إلى أن تطبيق القانون طال شخصيات قيادية في المرحلة الانتقالية، ومن بينها محمد المقريف ومحمود جبريل، بسبب وظائف سابقة لهم في عهد النظام، رغم اختلاف علاقاتهم بالنظام ومواقفهم منه.
وهنا تظهر مشكلة جوهرية:
إذا كان معيار العزل هو مجرد شغل وظيفة في النظام السابق، فإن المعيار يمكن أن يتحول من أداة لحماية الثورة إلى أداة لإعادة تشكيل النخبة السياسية بعد الثورة.
وهذا يفتح الباب أمام سؤال أكبر حول العلاقة بين الثورة والدولة: هل المطلوب بناء دولة جديدة تستفيد من خبرات الدولة السابقة مع تطهيرها من المسؤولين عن الانتهاكات، أم بناء دولة جديدة عبر استبعاد كل من ارتبط، بدرجات مختلفة، بالنظام السابق؟
خامساً: الأثر على التحول الديمقراطي
يمكن تحليل النتائج السلبية في أربعة مستويات:
أ. على مستوى النخبة السياسية: ساهم الإقصاء الواسع في تضييق المجال السياسي وإضعاف إمكانية بناء توافق بين القوى التي شاركت في الثورة والقوى التي كانت موجودة في مؤسسات الدولة سابقاً.
ب. على مستوى المؤسسات: الدولة الخارجة من نزاع تحتاج إلى أكبر قدر ممكن من الخبرة الإدارية والمؤسسية. الإقصاء الواسع قد يؤدي إلى فقدان جزء من هذه الخبرة، خصوصاً في القطاعات التي تحتاج إلى معرفة تقنية متراكمة.
ج. على مستوى الشرعية السياسية: عندما يشعر طرف سياسي بأنه مستهدف بقواعد قانونية ذات طابع إقصائي، يصبح أكثر ميلاً إلى التشكيك في شرعية المؤسسات التي أصدرت هذه القواعد.
د. على مستوى الثقافة الديمقراطية: الديمقراطية لا تعني فقط إجراء الانتخابات، بل قبول حق الخصم في المشاركة السياسية. ولذلك فإن إقصاء الخصم بدلاً من منافسته انتخابياً يخلق تناقضاً بين الخطاب الديمقراطي والممارسة السياسية.
سادساً: ما الذي كان يمكن فعله بصورة أفضل؟
كان يمكن لليبيا أن تتبنى نموذجاً أكثر توازناً يقوم على المساءلة الفردية بدلاً من العزل الجماعي، عبر:
-
تحديد المسؤوليات العليا المرتبطة بالقمع والفساد وانتهاكات حقوق الإنسان.
-
إخضاع بقية الحالات لفحص فردي.
-
إعطاء الشخص حق الدفاع والطعن أمام جهة قضائية مستقلة.
-
التفريق بين المسؤولية السياسية، والمسؤولية الجنائية، والمسؤولية الوظيفية.
-
وضع مدد زمنية متدرجة ومتناسبة بدلاً من الإقصاء الواسع.
-
إنشاء آلية للمراجعة وإعادة التأهيل السياسي والوظيفي.
-
منع استخدام قواعد العدالة الانتقالية كوسيلة للمنافسة بين النخب.
-
ربط معالجة إرث النظام السابق بمشروع أوسع للمصالحة الوطنية وبناء المؤسسات.
وهذا يقود إلى نتيجة مهمة: لم تكن المشكلة في أن ليبيا حاولت التخلص من إرث النظام الجماهيري، وإنما في أن عملية التخلص من الإرث لم تُفصل بما يكفي عن عملية إعادة توزيع السلطة بين النخب الجديدة.
ومن هنا يمكن صياغة الفرضية الأساسية لدراسة هذه المرحلة على النحو الآتي:
كلما ابتعدت سياسات معالجة إرث النظام السابق عن مبدأ المسؤولية الفردية والتناسب والضمانات القضائية، واقتربت من الإقصاء السياسي الجماعي، زادت احتمالية تحول العدالة الانتقالية من أداة لبناء الديمقراطية إلى عامل من عوامل الصراع على السلطة، وهو ما انعكس سلباً على مسار التحول الديمقراطي في ليبيا.
وهذه، في رأيي، تصلح لتكون فرضية مركزية لبحث أكاديمي، ويمكن تطويرها إلى فصل كامل بعنوان: «من النزاهة والوطنية إلى العزل السياسي: إشكالية إدارة إرث النظام الجماهيري وأثرها على التحول الديمقراطي في ليبيا»، مع تقسيمه إلى: الخلفية التاريخية، الإطار القانوني، مقارنة القانونين، أخطاء نخبة فبراير، أثر الإقصاء على المؤسسات والنخب، ثم النتائج والدروس المستفادة.
بالتأكيد. سأتعامل معها كفصل أكاديمي متكامل، لا مجرد عرض تاريخي، بحيث تكون المقارنة بين هيئة النزاهة والوطنية والعزل السياسي والإداري مدخلاً لتحليل أخطاء النخبة السياسية بعد فبراير وأثرها في مسار التحول الديمقراطي.
___________________