عبد الرزاق مختار
ليبيا ليست دولة فقيرة، وإنما دولة أُهدرت ثرواتها بسبب سوء الإدارة، وغياب الرؤية الاقتصادية، واستمرار الإنفاق غير الرشيد.
فمن غير المعقول أن تستهلك المرتبات والمصروفات التشغيلية معظم الميزانية العامة، بينما تتراجع الخدمات الأساسية، وتتوقف مشاريع التنمية، ويزداد اعتماد المواطنين على الوظيفة العامة بدلًا من الإنتاج والاستثمار.
ومن أبرز مظاهر هذا الخلل التوسع الكبير في البعثات الدبلوماسية بالخارج، حيث استُحدثت وظائف لم تكن موجودة بهذا الحجم من قبل، مثل الملحق القضائي، والملحق الثقافي، والملحق التجاري، والملحق العمالي، والملحق الأمني، إضافة إلى العديد من الوظائف المساندة.
وقد أدى ذلك إلى تضخم غير مبرر في أعداد الموفدين وارتفاع الإنفاق على السفارات، بما يخالف فلسفة قانون السلك الدبلوماسي، الذي وُضع لتنظيم العمل الخارجي وخدمة مصالح الدولة، لا ليكون بابًا للتوسع الوظيفي والامتيازات.
إن الإصلاح الحقيقي يبدأ بالتطبيق الصارم لقانون السلك الدبلوماسي، والعمل على تطويره بما يتناسب مع احتياجات الدولة، ووضع ضوابط واضحة للإيفاد، بما يضمن تمثيل ليبيا بكفاءة، ويحد من التجاوزات والهدر في الإنفاق العام.
كما أن ملف دعم الوقود أصبح أحد أكبر أبواب استنزاف المال العام. فمنذ عام 2012 أنفقت الدولة مليارات الدنانير على دعم المحروقات، إلا أن جزءًا كبيرًا من هذا الدعم تحول إلى التهريب والاتجار غير المشروع بدلًا من أن يستفيد منه المواطن.
واليوم، ومع ساعات انقطاع الكهرباء الطويلة، اضطر المواطن إلى تشغيل المولدات الخاصة، وأصبح يشتري وقود الديزل من السوق الموازية بأسعار تجاوزت خمسة دنانير ونصف للتر، في حين يباع من المؤسسة الوطنية للنفط بسعر مدعوم لا يتجاوز 0.150 دينار للتر.
هذا الفارق الكبير في الأسعار خلق بيئة خصبة للتهريب والفساد، وأهدر مليارات الدنانير التي كان يمكن توجيهها إلى التنمية.
وفي المقابل، اتجهت الحكومات إلى برامج إنفاق استهلاكية دون دراسة كافية لأثرها الاقتصادي. ومن ذلك منحة دعم الزواج، التي كلفت الخزانة العامة أكثر من ثلاثة مليارات دينار، بينما كانت البلاد في أمس الحاجة إلى استثمار هذه الأموال في مشاريع الإسكان، وتطوير البنية التحتية، وتحسين الخدمات العامة.
ولا يمكن الحديث عن بناء دولة حديثة دون إعطاء الأولوية المطلقة لقطاعي التعليم والصحة، فهما أساس بناء الإنسان المنتج، وهما الاستثمار الحقيقي الذي تُبنى به الأمم.
فقطاع التعليم يحتاج إلى خطة وطنية شاملة لبناء مدارس حديثة، وصيانة وتأهيل المدارس القائمة، وإعادة النظر في المناهج الدراسية بما يواكب متطلبات العصر وسوق العمل، وتحسين مرتبات المعلمين، ووضع معايير دقيقة لاختيارهم، وتوفير برامج تدريب مستمرة لرفع كفاءتهم، لأن جودة التعليم تبدأ من جودة المعلم.
أما قطاع الصحة، فهو بحاجة إلى إعادة تأهيل المستشفيات والمراكز الصحية، وتزويدها بأحدث الأجهزة الطبية، وتوفير الأدوية بصورة منتظمة، والاستثمار في إعداد الكوادر الطبية والفنية من خلال التعليم والتدريب المستمر داخل ليبيا وخارجها، مع تحسين مرتبات الأطباء والممرضين والعاملين في القطاع الصحي للحفاظ على الكفاءات الوطنية والحد من هجرتها.
إن أي زيادات في الإنفاق العام يجب أن تُوجَّه أولًا إلى قطاعي التعليم والصحة، لأنهما يمثلان استثمارًا في مستقبل ليبيا، وليس إلى التوسع المستمر في الأجهزة الإدارية أو الرقابية أو العسكرية. فبناء الإنسان هو الضمان الحقيقي لبناء الدولة.
كما أن استمرار الانقسام السياسي، ووجود حكومتين ومؤسسات متوازية، يستنزف موارد الدولة ويعرقل مسيرة التنمية. ولا يقل خطورة عن ذلك تمسك المسؤولين بمناصبهم رغم تزايد حالة الاحتقان الشعبي.
إن احترام مبدأ التداول السلمي للسلطة يمثل ركيزة أساسية لأي نظام سياسي، ومن مصلحة الوطن أن يتم انتقال المسؤولية بصورة حضارية عندما تقتضي المصلحة العامة ذلك، بما يعزز الثقة في مؤسسات الدولة ويضع مصلحة ليبيا فوق أي اعتبار.
إن ليبيا لا تحتاج إلى مزيد من الوعود، بل إلى رؤية اقتصادية واضحة، وإدارة رشيدة، ومؤسسات قوية، ومحاسبة حقيقية، وإعادة ترتيب أولويات الإنفاق العام. فالدول لا تُقاس بحجم ثرواتها، وإنما بحسن إدارتها.
وفي الختام، تبقى الحقيقة الأهم أن ليبيا لا ينقصها المال ولا الإمكانات، بل ينقصها القرار الصائب والإرادة الصادقة. فإما أن نختار طريق الإصلاح الحقيقي، القائم على ترشيد الإنفاق، ومكافحة الهدر، والاستثمار في التعليم والصحة، وتطبيق القانون، واحترام التداول السلمي للسلطة، وإما أن نستمر في دوامة استنزاف الثروة وتأجيل الحلول وضياع الفرص.
إن اللحظة اليوم ليست للمزيد من التشخيص، بل للعمل الجاد والمسؤول. فالأوطان لا تُبنى بالشعارات، وإنما بالإرادة والإنجاز، والتاريخ لا يعيد فرصه مرتين. وستبقى ليبيا أكبر من الأشخاص والمناصب، وأعظم من الخلافات السياسية، لأنها وطن يستحق أن تتكاتف جهود جميع أبنائه من أجل استعادة مكانته وبناء مستقبل يليق بثرواته وتضحيات شعبه والأجيال القادمة.
_________