بقلم الشّايب

الليبيون سئموا المشاريع الوهمية والشعارات الفارغة، ولذلك ينبغي ألا يُسوّق مشروع الدولة الممكنة بوصفه مشروعاً سياسياً جديداً بل ينبغي أن يُقدَّم بوصفه خارطة طريق عملية تمنع تكرار أخطاء الماضي. بمعنى أن المشروع لا يسعى إلى اختراع ليبيا جديدة، وإنما يحاول منع إعادة إنتاج أسباب انهيارها.

إن مشروع بناء الدولة الممكنة في ليبيا يشكل فصلًا مستقلًا في مسار إعادة بناء الدولة الليبية، «فالدولة الممكنة هي الإطار الواقعي لإعادة بناء ليبيا»، لأنه ينقل النقاش من سؤال «ما هي الدولة المثالية؟» إلى سؤال أكثر عملية وتأثيرًا «ما هي الدولة التي يستطيع الليبيون بناؤهافعلاً خلال العقد القادم، دون أن يفقدوا البوصلة نحو الدولة التي يطمحون إليها؟»

أن نجاح مشروع الدولة الممكنة لن يعتمد على قوة الحجج الفكرية وحدها، بل على طريقة تقديمها للمجتمع. فالأفكار السياسية لا تنتصر لأنها صحيحة فقط، وإنما لأنها تُقدَّم بلغة يفهمها الناس، وتتعامل مع مخاوفهم، وتمنحهم أملاً واقعياً.

وفي الحالة الليبية، هناك خمسة مداخل رئيسية لتسويق المشروع:

أولاً، تغيير السؤال:

بدل أن نسأل المواطن: هل تريد إعادة بناء الدولة؟وهو سؤال مجرد، نسأله: هل تريد أن تتمتع بالكهرباء والماء والأمن والمدرسة والمستشفى دون وساطة أو سلاح أو فساد؟“.

فالمواطن لا يبحث عن مفهوم الدولة، بل يبحث عن نتائجها. أي أن المشروع يجب أن ينتقل من الحديث عن الدولة إلى الحديث عن الحياة اليومية.

ثانياً: الانتقال من الخطاب الأيديولوجي إلى الخطاب العملي

ينبغي ألا يقدم هذا المشروع باعتباره: مشروعاً ليبرالياً. أو إسلامياً. أو قومياً. أو فيدرالياً. أو ثورياً. بل باعتباره مشروعاً للإجابة عن سؤال واحد: كيف نجعل ليبيا بلداً مفيدا لمواطنيه؟ هذا السؤال يستطيع أن يجتمع حوله معظم الليبيين مهما اختلفت توجهاتهم.

ثالثاً: تسويق الدولة الممكنة باعتبارها البديل الوحيد للفوضى

ينبغي توضيح أن الخيارات الواقعية هما: أما دولة ممكنة تتطور تدريجياً أو دولة في ظل استمرار الانقسام والفوضى. أما انتظار الدولة الكاملة منذ اليوم الأول فهو ليس خياراً عملياً.

ومن هنا يمكن استعمال عبارة مثل: لسنا نختار بين دولة ناقصة ودولة كاملة، بل نختار بين دولة قابلة للحياة واللّا دولة. وهذه رسالة قوية لأنها تضع الجميع أمام الواقع.

رابعاً: ربط المشروع بالمستقبل لا بالماضي

الخطاب السياسي الليبي في الغالب ماضويويدور حول الماضي: من أخطأ؟ ومن انتصر؟ ومن خان؟ ومن بدأ؟. بينما مشروع الدولة الممكنة ينبغي أن ينبني على خطاب مستقبلي، فالمشروع لا يؤسس محكمة للتاريخ، بل يوقع عقداً للمستقبل. هذا لا يعني تجاهل الماضي، وإنما عدم السماح له بأن يحتكر المستقبل.

خامساً: تحويل المشروع من مشروع نخبوي إلى مشروع وطني

من أخطاء الكثير من المبادرات أنها بقيت داخل صالات الفنادق، والمؤتمرات، والندوات، والمقاهي، والمطابخ السياسية، بينما ينبغي أن تصل الفكرة إلى المعلم، والطبيب، والمهندس، ورجل الأعمال، والمزارع، والتاجر، والطالب، والمرأة، والشاب.

أي أن يكون من حق المواطن أن يَسأل: ما الذي سيتغير في حياتي إذا قامت هذه الدولة؟ إذا استطاع المشروع الإجابة عن هذا السؤال فسوف يبدأ في اكتساب الشرعية الاجتماعية.

ومن زاوية أخرى، ينبغي الابتعاد عن مصطلح إعادة بناء الدولة، لأنها قد تبدو بعيدة عن المواطن. ويمكن اعتماد رسالة أبسط وأكثر قرباً، مثل عبارات دولة تحميك، لا تتحكم فيك.” أو دولة تخدم المواطن، لا المواطن يخدم الدولة.” أو ليبيا لا تحتاج إلى دولة مثالية، بل إلى دولة عملية.”

هذه العبارة الأخيرة تختزل فلسفة الدولة الممكنة في جملة واحدة. فهي لا تَعِد بالكمال، ولا تستسلم للواقع، بل تقدم هدفاً يمكن للمجتمع أن يلتف حوله: بناء دولة تعمل أولاً، ثم يتم تطويرها باستمرار.

ومن الناحية الفكرية، فإنها تُشكل أيضاً قطيعة مع ثقافة الوعود المطلقة التي طبعت جزءاً كبيراً من التاريخ السياسي الليبي، وتؤسس لثقافة جديدة قوامها الواقعية، والتدرج، والإنجاز القابل للقياس.

ولكن هل يمكن التجهيز لبناء هذه الدولة الممكنة من خارج السلطة؟ ذلك ممكن ولكن من خلال توظيف إمكانات المجتمع المدني وبقية مكونات المجتمع بدأ من الاحتياجات المالية ومرورا بالتعبئة الشعبية وانتهاء بمحاولة الوصول للسلطة عبر مجلس النواب والبلديات أو المحافظات في حالة دولة لامركزية.

هنا نصل إلى نقطة التحول الحقيقية في المشروع. فنحن لم نعد نتحدث عن شكل الدولة، بل عن كيفية الوصول إليها. وهنا ينبغي الانتقال من الفكر السياسي إلى ما يمكن أن نسميه الهندسة السياسية للتغيير.

إن أهم فكرة ينبغي أن يقوم عليها المشروع هي أن الدولة الممكنة لا تُبنى عندما نصل إلى السلطة، وإنما تُبنى قبل الوصول إليها. فالسلطة لا تُنشئ المشروع، بل المشروع هو الذي يؤهل أصحابه للوصول إلى السلطة.

وهذا يختلف جذريًا عن الثقافة السياسية السائدة في ليبيا، حيث يظن كثيرون أن كل شيء يبدأ بعد الاستيلاء على السلطة، بينما التجارب الناجحة في العالم تبين أن معظم البناء الحقيقي يسبق الوصول للحكم بسنوات.

ولذلك علينا تقسيم المشروع إلى أربع مراحل متتابعة

المرحلة الأولى: مرحلة بناء الفكرة

وهي المرحلة التي يتم فيها إنتاج الرؤية الفكرية، ووثيقة الدولة الممكنة، ومشروع تفكيك آثار الجماهيرية، وأوراق السياسات العامة، والتصورات الاقتصادية، والرؤية الإدارية. أي أن يكون لدينا مشروع دولة، لا مجرد رغبة في الحكم“.

المرحلة الثانية: مرحلة بناء الحاضنة المجتمعية

وهذه أخطر مرحلة. فالسلطة لا تمنح الشرعية. المجتمع هو الذي يمنحها. لذلك ينبغي إنشاء شبكة واسعة تضم الأكاديميين، ورجال الأعمال، والشباب، والنساء، والنقابات، والجمعيات، والبلديات، والقيادات الاجتماعية، والإعلاميين، والخبراء، ليس باعتبارهم أعضاء في تنظيم، وإنما شركاء في مشروع وطني.

المرحلة الثالثة: مرحلة بناء القدرة التنفيذية

وهنا يتحول المشروع من فكرة إلى مؤسسة. ويحتاج إلى وحدات متخصصة، مثل:

  • مركز للدراسات والسياسات يعد أوراق السياسات ويقترح الحلول.

  • مركز للتدريب يؤهل القيادات المحلية.

  • أكاديمية للإدارة المحلية لتدريب المرشحين للبلديات والولايات.

  • وحدة للإعلام والاتصال تنشر الأفكار بلغة بسيطة.

  • وحدة للإحصاء والبيانات ترصد الواقع وتقيس الأداء.

  • وحدة للعلاقات مع المجتمع المدني.

أي أن المشروع يبدأ في تكوين حكومة ظلمعرفية، حتى وهو خارج السلطة.

المرحلة الرابعة: مرحلة الدخول التدريجي إلى مؤسسات الدولة

وهذه المرحلة تعني عدم الانتظار للسيطرة على الحكومة المركزية. بل اتباع استراتيجية البناء من الأسفل إلى الأعلى“. أي البدء من البلديات إلى المحافظات (إذا اعْتُمِد النظام اللامركزي)، والتجهيز للترشح في مجلس النواب، والدخول للحكومة المركزية. وهذا المسار أكثر واقعية من الرهان على الوصول المباشر إلى السلطة التنفيذية.

أما من حيث التمويل فهذه نقطة يغفلها كثير من أصحاب المشاريع الوطنية. وينبغي أن يكون التمويل قائماً على مبدأ الاستقلالية، حتى لا يصبح المشروع رهينة لأي جهة. ويمكن تمويل المشروع أن يعتمد على مزيج من: اشتراكات الأعضاء والمتطوعين، وتبرعات الأفراد المعلنة والشفافة، ومساهمات رجال الأعمال المؤمنين بالمشروع، مع ضوابط تمنع تحول التمويل إلى نفوذ سياسي.

بالإضافة إلى ذلك، يمكن استعمال عوائد الأنشطة المعرفية والتدريبية، مثل الدورات، والاستشارات، وإصدارات الكتب، والمِنح التي توفرها جهات محلية أو دولية إذا كانت مُعلنة، ولا تمس استقلال القرار أو أولويات المشروع، وكانت متوافقة مع القوانين. والأهم من حجم التمويل هو وجود قواعد واضحة للحوكمة والشفافية، لأن الثقة في مصادر التمويل ستكون جزءًا من مصداقية المشروع نفسه.

أما التعبئة الشعبية فأعتقد أن المشروع لا ينبغي أن يبدأ بالشعارات. بل يبدأ بحل المشكلات. فإذا ساعدت مؤسسة مدنية بلدية على تحسين إدارة النفايات، أو قدمت مؤسسة حلا وجهدا أنقذت به مورداً مائياً، أو دربت شباباً على الإدارة المحلية، فإنها تكتسب ثقة المجتمع قبل أن تطلب صوته. أي أن المشروع يعمل بمقولة: دعونا نخدم المجتمع أولاً، ثم نطلب ثقته لاحقاً.

وهنا لا ينبغي أن يكون الهدف هو إنشاء حزب سياسي بالمعنى التقليدي منذ البداية، بل إنشاء ما يمكن تسميته: الحاضنة الوطنية لإعادة بناء الدولة، وهي منصة أو شبكة تجمع الخبراء، ومراكز التفكير، ومنظمات المجتمع المدني، والمبادرات الشبابية، والقيادات المحلية، ورجال الأعمال، والشخصيات الوطنية، حول رؤية مشتركة، دون أن تُلزم الجميع بالانتماء التنظيمي نفسه.

وعندما تنضج الظروف السياسية، يمكن أن تتولد من هذه الحاضنة عدة أدوات سياسية مشروعة، منها مثلا: قوائم انتخابية، أو برامج أحزاب، أو تحالفات محلية، أو مرشحون مستقلون، أو كتل برلمانية في مجلس النواب المنتخب، لكنهم جميعًا يستندون إلى المرجعية الفكرية ذاتها.

وأظن أن هذه المقاربة أكثر ملاءمة للواقع الليبي، لأن المجتمع ما زال متحفظًا تجاه التنظيمات الحزبية، بينما يقبل بصورة أكبر المبادرات الوطنية الواسعة إذا كانت شفافة، وعملية، وتخدم المصلحة العامة.

وبهذا يصبح الوصول إلى مجلس النواب أو البلديات أو المحافظات وسيلة لتنفيذ مشروع أُعدّ مسبقًا، لا غاية قائمة بذاتها، وهو ما يزيد من فرص الاستمرارية حتى مع تغير الأشخاص أو نتائج الانتخابات.

إن المشروع لم يعد يحاول الإجابة عن السؤال: كيف نصل إلى السلطة؟، بل أصبح يحاول الإجابة عن سؤال أكثر عمقًا: كيف نصنع القدرة على بناء الدولة عندما تتاح فرصة الحكم؟ وهذا فرق جوهري.

لقد مرّت ليبيا بعدة تجارب وصل فيها أشخاص أو قوى إلى مواقع السلطة دون أن يكون لديهم مشروع متكامل لإدارة الدولة، فكان الوصول إلى السلطة بداية لأزمة جديدة لا بداية لحل. أما إذا سبق الوصولَ إلى السلطة بناءُ رؤية، وإعداد الكفاءات، وتشكيل شبكات مجتمعية، وصياغة سياسات عامة، فإن احتمال النجاح يصبح أكبر.

_____________