بقلم الشّايب
استكمالا لمشروع تفكيك إرث الجماهيرية يبرز أمامنا سؤال جوهري وهو ما هي المواضيع الأساسية التي يبنى عليها مشروع إعادة بناء الدولة الليبية. وهذا السؤال يمثل الحلقة التالية المنطقية في المشروع الفكري.
فإذا كان تفكيك آثار الجماهيرية يجيب عن سؤال: ما الذي ينبغي التخلص منه؟ فإن إعادة بناء الدولة الليبية تجيب عن سؤال آخر أكثر أهمية: ما الذي ينبغي بناؤه مكانه؟
معظم المبادرات الليبية منذ 2011، وقعت في خطأ التركيز على تغيير الأشخاص أو توزيع السلطة، بينما لم تناقش بصورة كافية إعادة بناء الأسس الفكرية والمؤسسية والثقافية للدولة. ويمكن تصور المشروع في عشرة محاور كبرى، بحيث يشكل كل محور مشروعًا مستقلاً، لكنها جميعًا تتكامل في النهاية.
أولاً: بناء الدولة
قبل الحديث عن الحكومة أو الانتخابات، ينبغي الإجابة عن أسئلة تأسيسية: ما هي الدولة؟ ولماذا يحتاج الليبيون إلى الدولة؟ وما حدود سلطة الدولة؟ وما الفرق بين الدولة والحكومة والنظام السياسي؟. لقد أدى الإرث الجماهيري إلى خلط هذه المفاهيم، حتى أصبح كثيرون يربطون الدولة بالحاكم أو الحكومة.
ثانياً: بناء المواطنة
لن تنجح أي مؤسسات إذا بقيت الثقافة السياسية القديمة. ومن أهم القضايا: الانتقال من الرعية إلى المواطنة، والحقوق تقابلها الواجبات، واحترام القانون، واحترام المال العام، وقبول الاختلاف، وثقافة المشاركة بدلاً من الاتكال على الدولة.
ثالثاً: بناء المؤسسات
يشمل ذلك الإدارة العامة، والخدمة المدنية، والقضاء، والشرطة، والجيش، والبلديات، والأجهزة الرقابية. والهدف هو الانتقال من مؤسسات الأشخاص إلى مؤسسات القواعد والإجراءات.
رابعاً: إصلاح الاقتصاد
وهنا لا يكفي الحديث عن تنويع الاقتصاد، بل يجب معالجة الثقافة الاقتصادية نفسها، بالانتقال من اقتصاد الريع إلى اقتصاد الإنتاج، وتشجيع القطاع الخاص، وحماية المنافسة، ومكافحة الاحتكار، وإصلاح الدعم، وإصلاح المالية العامة.
خامساً: تبني اللامركزية
وليس المقصود فقط توزيع الاختصاصات. بل بناء علاقة جديدة بين المركز والأقاليم، والمحافظات، والبلديات، بحيث يشعر المواطن أن الخدمات تقدم بالقرب منه.
سادساً: إصلاح التعليم
ليس فقط إصلاح المناهج. بل إعادة تعريف وظيفة التعليم. فالتعليم يجب أن يصنع المواطن المنتج، والباحث، ورائد الأعمال، والإنسان القادر على التفكير النقدي، وليس مجرد طالب شهادة.
سابعاً: تأهيل الإعلام والثقافة
بعد عقود من الإعلام التعبوي، يصبح المطلوب إعلام مهني، وثقافة الحوار، واحترام الحقيقة، ومواجهة خطاب الكراهية، ومكافحة التضليل، وإنتاج سردية وطنية جامعة.
ثامناً: تحقيق الأمن وسيادة القانون
لا يمكن للدولة أن تقوم دون احتكار استخدام القوة، ودمج أو إنهاء التشكيلات المسلحة، وإصلاح الأجهزة الأمنية، واستقلال القضاء، وعدالة انتقالية حقيقية.
تاسعاً: ترسيخ الهوية الوطنية
ينبغي الانتقال من سؤال: من يحكم ليبيا؟ إلى ما المشروع الوطني الذي يجمع الليبيين؟ وهذا يتطلب: احترام التنوع، والاعتراف بالهويات المحلية، وترسيخ الهوية الوطنية الجامعة، وبناء ذاكرة وطنية مشتركة.
عاشراً: بناء رؤية مستقبلية
وهو محور يغيب عن معظم الخطابات السياسية. فالدول لا تُبنى بردود الأفعال، بل بالرؤية. وينبغي أن تسأل النخب: كيف ستكون ليبيا سنة 2050؟ وكيف ستكون المدن؟ والاقتصاد؟ والمياه؟ والطاقة؟ والسكان؟ والهجرة؟ والتكنولوجيا؟ والمناخ؟
مشروع تفكيك آثار الجماهيرية لا يستهدف إدانة حقبة تاريخية بقدر ما يسعى إلى تفكيك أنماط التفكير والسلوك التي ما زالت تؤثر في المجتمع والدولة. لذلك لابد من التحول من ثقافة الجماهيرية إلى ثقافة الدولة.
وهذا التحول يتناول أسئلة التي لا تتناولها الدساتير والقوانين، مثل: كيف تتغير نظرة المواطن إلى السلطة؟ كيف يتحول احترام القانون من خوف من العقوبة إلى قناعة بأهمية القانون؟ كيف ينتقل الفرد من عقلية “الدولة تعطي” إلى عقلية “المواطن يشارك ويبني“؟ كيف نستبدل الشخصنة بالمؤسسية، والشعارات بإنجاز الحلول، والثورية الدائمة بالعمل العام المنظم؟
هذا التحول هو الجسر الذي يربط بين التفكيك وإعادة البناء؛ فبدون تحول ثقافي، قد تُبنىَ مؤسسات حديثة شكلاً، لكنها تُدار بعقليات قديمة، فيُعاد إنتاج الأزمة بأدوات جديدة. وبذلك يصبح عنوان مشروع التحول هو: «من تفكيك آثار الجماهيرية إلى إعادة بناء الدولة الليبية»
وبهذا لا يبقى المشروع مجرد نقد للماضي، بل يتحول إلى خريطة طريق عملية للمستقبل، وهو ما تحتاج إليه ليبيا في هذه المرحلة أكثر من أي وقت مضى.
بين الدولة المثالية والدولة الممكنة
هناك سؤال أكثر واقعية، ونحن نسعى إلى بناء الدولة، علينا أن نفرق بين الدولة المثالية والدولة الممكنة والتي ينبغي أن تكون ذات خصائص محددة، وهذا يمثل انتقالًا مهمًا في التفكير. فالكثير من المشاريع السياسية في ليبيا تعثرت لأنها كانت تتحدث عن الدولة المثالية بينما المجتمع لا يزال يعيش ظروف الدولة المنهارة أو شبه المنهارة. ولذلك فإن النجاح لا يبدأ بوصف أفضل دولة يمكن تخيلها، وإنما بوصف أفضل دولة يمكن بناؤها في الظروف الليبية الحالية.
فالدول لا تبنى على الأحلام، وإنما على الممكن السياسي والاجتماعي والاقتصادي. فالدولة الممكنة ليست تنازلاً عن الطموح، وإنما هي الجسر الذي يعبر بالمجتمع من الفوضى إلى الاستقرار، ومن الاستقرار إلى التنمية، ومن التنمية إلى الدولة المتقدمة.
وهذه بعض خصائص الدولة الممكنة في ليبيا:
أولاً: أن تكون دولة تحتكر القوة ولا تحتكر السياسة
ليبيا لا تحتاج إلى دولة تحتكر كل شيء، وإنما تحتاج إلى دولة تحتكر استخدام القوة الشرعية فقط. أما المجال السياسي فيبقى مفتوحاً للتعددية والأحزاب والمجتمع المدني والإعلام والبلديات. أي أننا نريد دولة قوية في الأمن، مرنة في السياسة.
ثانياً: أن تكون دولة قانون قبل دولة رفاهية
من الأخطاء الاعتقاد أن الدولة تقاس بحجم الدعم الريعي والإنفاق. في المرحلة الأولى يكفي أن يشعر المواطن أن القانون يُطبق على الجميع، والقضاء يعمل بالعدل، والشرطة تحمي الجميع، والعقود المبرمة محترمة. فسيادة القانون أهم من كثرة الخدمات في بداية بناء الدولة.
ثالثاً: أن تكون دولة لامركزية إدارياً
ليبيا بلاد واسعة ومتنوعة. ليس من الواقعي إدارة كل مدرسة وكل مستشفى وكل طريق من العاصمة. الدولة الممكنة تعني، أن تكون الحكومة مركزية وصغيرة، والمحافظات أو البلديات قوية، وأن تُنقل معظم الخدمات إلى المستوى المحلي، وتبقى شؤون السيادة والمالية العامة والسياسة الخارجية والدفاع بيد الحكومة المركزية.
رابعاً: أن تكون دولة مؤسسات لا دولة أشخاص
لا يجوز أن يعتمد نجاح الدولة على وجود قائد استثنائي. بل يجب أن تعمل المؤسسات مهما تغيرت الحكومات. وألا تنهار الدولة عندما يُغيّب الموت الرئيس أو يستقيل رئيس الحكومة، فإذا انهارت الدولة، ذلك يعني أنها لم تكن دولة أصلا
خامساً: أن تكون دولة حيادية تجاه القبائل والمناطق
ليبيا لن تُلغي القبيلة، ولا ينبغي أن تحاربها. لكن يجب ألا تسمح بأن تصبح القبيلة بديلاً عن الدولة. فتعامل الدولة يكون مع المواطنين على أساس المواطنة لا الانتماء الاجتماعي.
سادساً: أن تكون دولة منتجة لا دولة موزعة للريع
هذه من أهم القضايا، فالدولة الممكنة يجب أن تبدأ تدريجياً في التحول من اقتصاد النفط فقط إلى اقتصاد متعدد المصادر، حتى لو استغرق ذلك سنين طويلة.
سابعاً: أن تكون دولة خدمات لا دولة وصاية
من آثار الجماهيرية السيئة أن الدولة تدخلت في كل شيء. أما الدولة الحديثة فهي تقدم التعليم والصحة، والأمن والأمان، والقضاء النزيه، والبنية التحتية، ولا تتدخل في تفاصيل حياة الناس أو أفكارهم.
ثامناً: أن تكون دولة تعترف بالتنوع
ليبيا ليست نسخة واحدة. هناك تنوع جغرافي، وثقافي، ولغوي، واجتماعي، واقتصادي. والدولة الممكنة لا تعتبر التنوع تهديداً وإنما مورداً وطنياً.
تاسعاً: أن تكون دولة تتدرج في الإصلاح
من أكبر الأخطاء محاولة إصلاح كل شيء مرة واحدة. فالدولة الممكنة تعمل وفق أولويات. مثلاً تبدأ بإصلاح الأمن، والقضاء، والكهرباء، والمالية العامة ثم التعليم والصحة، والاقتصاد، والتنمية. أي أن الإصلاح يكون تراكمياً.
عاشراً: أن تكون دولة تُصالح المجتمع مع السياسة
المواطن الليبي فقد ثقته في السياسة وفي النخبة السياسية. ولذلك فإن أول نجاح للدولة الممكنة ليس الانتخابات فقط. بل أن يقتنع المواطن أن صوته له قيمة، والمسؤول يمكن مساءلته، والسلطة يمكن أن تتغير سلمياً.
وأخيرا أن تكون دولة تتعلم من أخطاء الماضي ولا تعيد إنتاجها.
وهذا يميزها عن كثير من المشاريع السابقة. فهي لا تبدأ من الصفر، ولا تنطلق من افتراض أن المشكلة تكمن فقط في الدستور أو في الانتخابات، بل تعترف بأن نصف قرن من الحكم الجماهيري ترك آثارًا عميقة في الثقافة السياسية، وفي علاقة المواطن بالدولة، وفي مفهوم السلطة، والقانون، والمسؤولية، والإنتاج، والمواطنة.
لذلك فإن إعادة البناء لا تقتصر على إنشاء مؤسسات جديدة، بل تشمل أيضًا تفكيك الأنماط الذهنية والسلوكية التي تعيق قيام تلك المؤسسات. ولهذا يمكن صياغة تعريف جامع للدولة الممكنة على النحو الآتي:
الدولة الممكنة في ليبيا ليست الدولة الكاملة التي تحقق جميع الطموحات منذ البداية، وإنما هي دولة دستورية، تحتكر القوة الشرعية، وتحكم بالقانون، وتعمل عبر مؤسسات مستقرة، وتدير التنوع بحكمة، وتتبنى اللامركزية الإدارية، وتنتقل تدريجيًا من اقتصاد الريع إلى اقتصاد الإنتاج، ومن ثقافة الولاء للأشخاص إلى ثقافة المواطنة، ومن آثار الجماهيرية إلى أسس الدولة الحديثة.
…
يتبع
__________