بقلم: الشّايب
من ضمن الآثار السيئة للنظام الجماهيري جعل الشارع السياسي اليوم أكثر عنفا وأقل انضباطا، وأسهل اختراقا من قبل أجهزة المخابرات المختلفة، ومن الذين يرفضون العمل السياسي السلمي.
التجربة الأعمق للحراك السياسي في الشارع الليبي كانت من قبل اللجان الثورية في زمن الجماهيرية التي كان لها هيمنة كاملة علي الشارع بهدف ترسيخ ثقافة العنف (القتل والشنق) التي كانت تدرس في برامج معسكرات التربية العقائدية.
المفارقة أن شيء من ذلك العنف حصل للمظاهرات التي رفعت شعار لا للتوطين، أمام مقر مفوضية اللاجئين في حي السراج وبعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا بمنطقة جنزور، والتي تطورت بسرعة إلى أعمال شغب واقتحام لأسوار البعثة الأممية وإغلاق المقرّين بسواتر ترابية.
ولذلك، يمكن الجزم بأن الشارع السياسي لا يزال يحمل آثار ثقافة العنف والشغب التي ترسخت خلال حقبة الجماهيرية، وإن كانت بدرجات متفاوتة بين الأفراد والتيارات. وبالتالي هذا الشارع في حاجة ماسّة إلى تفكيك هذه الآثار حتى يصبح شارعا سياسيا يتبني العمل السياسي السلمي.
ما نقصده بالشارع السياسي هو المجال الذي تتشكل فيه المواقف السياسية للمواطنين من خلال التفاعل اليومي في الفضاء العام (الميادين)، سواء كان ذلك في اللقاءات المباشرة أو وسائل الإعلام أو المنصات الرقمية أو النقاشات المجتمعية. هذا التعريف يجعل وسائل التواصل الاجتماعي جزءاً من الشارع السياسي، لكنها ليست كل الشارع.
أما الإرث الجماهيري الذي نسعى لتفكيكه، فهو يتجسد في أنماط سلوكية مثل : الميل إلى الشخصنة في التعامل مع الخصوم السياسيين، والبحث عن “القائد المنقذ” في الصراع، وتحويل الاختلاف إلى تخوين، وسرعة تصديق الإشاعات، وتقييم الأشخاص على أساس الولاء والانتماء أكثر من تقييم الأفكار والسياسات.
التفكيك الذي نقصده يعني تبني ثقافة سياسية بديلة، أكثر من مجرد صناعة رأي عام، فالرأي العام قد يتغير خلال أسبوع، أما الثقافة السياسية تحتاج إلى سنوات، فهي لا تتوقف عند إقناع الناس بمواقف معينة، بل تهدف إلى تغيير طريقة تكوين المواقف السياسية.
فإذا كانت الجماهيرية قد نجحت لعقود في تشكيل أنماط عنيفة من العمل السياسي، فإن تجاوز آثارها يتحقق ببناء ثقافة سياسية جديدة تعيد تعريف العلاقة بين المواطن والدولة، وبين الاختلاف والتعايش، وبين المعلومة والرأي، وبين المشاركة والمسؤولية. وهذا ليس مجرد تفكيك لإرث من الماضي بل بناء وعي سياسي للمستقبل.
وبتعبير مركز نحن نهدف إلى تفكيك الثقافة السياسية التي أبقت آثار الجماهيرية حية حتى بعد زوال مؤسساتها.
وعند الحديث عن تحريك الشارع السياسي في الميدان، عادة ما تتغلب العاطفة على العقل، وبالتالي علينا أن نميّز بين الحشد والتأثير، فليس كل حشد يحقق أثراً مستداماً، بينما قد يغيّر التأثير الهادئ والمتراكم اتجاهات المجتمع على المدى الطويل.
وذلك يعني أن الشارع يحتاج إلى مجال مدني آمن ليكون مفيدا، وبالتالي ينبغي بناء أدوات للتأثير والمشاركة تقلل من احتمالات الانزلاق إلى العنف في بيئة تتسم بحساسية أمنية. وهنا علينا أن نركز على تفكيك أنماط السلوك السياسي، وليس فقط تفكيك الأفكار السياسية.
فإذا أردنا أن نبني في ليبيا رأياً عاماً مدنياً واعياً، علينا أن نؤسس القواعد الفكرية والتنظيمية التي يجب أن يقوم عليها الرأي العام، بمعنى أن نبنى قوة مدنية في بيئة يغلب عليها منطق القوة المسلحة.
في تقديري، هذه القوة المدنية لا تنشأ لأنها تمتلك السلاح، وإنما لأنها تمتلك الشرعية الاجتماعية، والرؤية الفكرية، والقدرة على التنظيم، والاستمرار. فالسلاح قد يفرض واقعاً مؤقتاً، لكنه لا يبني مجتمعاً مستقراً. لذلك يمكن أن نبني تصوراً يقوم على ثلاثة أعمدة متكاملة:
أولاً، القواعد الفكرية :
الرأي العام المدني لا يتكون من الشعارات، وإنما من منظومة أفكار تتكرر حتى تصبح بديهيات، مثل مبادئ: الدولة أعلى وأقوى من الأشخاص، والقانون أعلى وأقوى من السلاح، والمواطنة أعلى وأقوى من القبيلة والمدينة والجهة، والحكومة تخدم المجتمع ولا تقوده، والجيش مؤسسة وطنية وليس طرفاً سياسياً، والأمن خدمة عامة وليس وسيلة للهيمنة، والثروة النفطية ملك لجميع الليبيين، والاختلاف السياسي لا يبرر العنف، وتداول السلطة ليس خطراً بل ضمان للاستقرار، والدولة القوية لا تعني السلطة المطلقة بل المؤسسات القوية. هذه المبادئ ينبغي أن تتحول مع الوقت إلى ما يشبه “الثقافة العامة” التي لا تحتاج إلى نقاش في كل مرة.
ثانياً: القواعد التنظيمية
هناك خطأ نقع فيه أحيانا، وكذلك معظم النخب الليبية، وهو الاعتقاد بأن التنظيم يعني إنشاء حزب أو جمعية. بينما التنظيم الحقيقي يبدأ من بناء شبكة اجتماعية واسعة، يمكن تصورها على شكل دوائر متداخلة: دائرة الباحثين والخبراء، ودائرة الإعلاميين، ودائرة المعلمين والأساتذة، ودائرة رجال الأعمال، ودائرة الشباب، ودائرة النساء، ودائرة الشخصيات الاجتماعية، ودائرة الليبيين في الخارج. كل دائرة تنتج خطابها المناسب ولكنها تتحرك وفق رؤية واحدة. أي أننا لا نبني هرماً تنظيمياً مغلقاً، بل نبني شبكة وطنية مرنة.
ثالثاً: القواعد (التواصلية) الاجتماعية
بعد 2011 أصبح الرأي العام الليبي يُصنع إلى حد كبير عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ولم تعد المنابر التقليدية قادرة وحدها على تشكيله. لكن المشكلة أن معظم المحتوى المدني كان مبني على ردود أفعال، بينما المحتوى التحريضي كان يصنع المبادرة.
ولذلك ينبغي الانتقال من: الرد إلى المبادرة، ومن الدفاع إلى صناعة السردية، ومن التعليق على الأحداث إلى تفسيرها، ومن الخطاب النخبوي إلى اللغة اليومية. أي أن نسأل: ما الفكرة التي نريد أن ترسيخها في ذهن المواطن بعد أسبوع؟ وليس كيف نرد على خصومنا اليوم؟
السؤال الأصعب هو كيف نبني قوة مدنية في بيئة يغلب عليها السلاح؟ وهنا يقع معظم الفاعلين المدنيين في سوء تقدير عندما يحاولون منافسة القوة المسلحة في ميدانها. وهذا مستحيل. فالقوة المدنية يجب أن تبني عناصر قوة مختلفة تماماً، ومنها:
ــ القوة الأخلاقية: أن يثق الناس بأننا لا نسعى إلى الغنيمة.
ــ القوة المعرفية: أن يكون لدينا أفضل الدراسات، وأفضل الحلول
ــ القوة التنظيمية: أن نستطيع جمع عشرات الأشخاص، وأن ننجز عملاً جماعياً بكفاءة.
ــ القوة الإعلامية: أن نمتلك القدرة على تفسير الأحداث، فمن يفسر الواقع يقود الرأي العام.
ــ القوة المجتمعية: أن تكون لنا جذور داخل البلديات، والجامعات، والنقابات، والروابط والأحياء، والمؤسسات المهنية، ولا نبقى محصورين في النخب.
ــ القوة التفاوضية: أن نصبح رقماً لا يمكن تجاوزه في أي تسوية سياسية، لا لأنه يحمل السلاح، بل لأنه يمثّل شريحة معتبرة من المجتمع ويملك رؤية واضحة وشبكات فاعلة.
ما الذي يعنيه هذا عملياً في ليبيا؟
إذا نظرنا إلى تجارب السنوات الماضية، نجد أن معظم القوى المسلحة نجحت في فرض وقائع أمنية، لكنها أخفقت في إنتاج قبول وطني واسع. وفي المقابل، لم تستطع القوى المدنية، رغم امتلاكها كثيراً من الكفاءات، أن تتحول إلى قوة اجتماعية منظمة ذات حضور دائم.
ومن هنا قد يكون الهدف الواقعي في المرحلة القادمة ليس منافسة التشكيلات المسلحة في ميزان القوة المباشر، وإنما تغيير ميزان الشرعية. فعندما يقتنع المواطن بأن الاستقرار والازدهار مرتبطان بالمؤسسات والقانون، تصبح قدرة أي طرف على فرض إرادته بالقوة وحدها أكثر محدودية، لأن البيئة الاجتماعية نفسها تبدأ في مقاومة منطق السلاح. فالرأي العام المفيد ليس نتيجة للقوة، بل هو نفسه أحد مصادر القوة.
فعندما يتحول الرأي العام إلى قوة منظمة، يصبح قادراً على التأثير في السياسيين، والتنفيذيين، والفاعلين المسلحين، لأن الجميع يبدأ في أخذ المزاج المجتمعي في الاعتبار.
السؤال المليوني هو: كيف ننتقل من أفراد متناثرين يؤمنون بالدولة المدنية إلى “حركة رأي عام” تمتلك التأثير والاستمرارية، دون أن تتحول إلى حزب سياسي أو تدخل في صدام مع القوى المسلحة؟
____________