بقلم الشّايب
الكثير من المهتمين والمهمومين بالشأن العام الليبي لا يراهنون على قوانين تكتب وتنسى في الأدراج، أومحاضرات وورش عمل يحضرها جمع من الذين يمارسون نفس الممارسات التي يقوم بها المواطن العادي.
ولذلك لا مجالس بلدية ولا مكاتب حكومية ولا معسكرات الجيش يمكن الاستعانة بها في مشروع مجتمعي يجعل من طرابلس العاصمة نموذجا يحتذي به في النظافة والنظام والجمال والهدوء ورونق المشي على الشط.
نحن أمام نقطة جوهرية، وهي أن كثيراً من الليبيين فقدوا الثقة في المقاربات التقليدية مثل قانون جديد لا يطبق أو استراتيجية جديدة توضع على الرف أو ورشة عمل تنتهي بصورة جماعية وشهادات حضور أو لجنة جديدة تكتب تقريراً يضاف إلى عشرات التقارير السابقة.
لذلك ربما يكون السؤال الصحيح ليس: كيف نصلح طرابلس عبر الدولة؟ بل: كيف نبدأ إصلاح طرابلس حتى في ظل ضعف الدولة؟ وهنا يمكن التفكير في مشروع مجتمعي مختلف تماماً، يقوم على فكرة أن المدينة تتغير من أسفل إلى أعلى، لا من أعلى إلى أسفل.
وليكن مشروع بعنوان “طرابلس تستحق الأفضل“، وهو ليس مشروع حزب سياسي، وليس جمعية خيرية تقليدية، وليس حملة نظافة موسمية، بل حركة مدنية واسعة هدفها الوحيد: إعادة الاعتبار للمجال العام في العاصمة.
من الأخطاء الشائعة محاولة إصلاح طرابلس كلها دفعة واحدة. فالأفضل اختيار شارع واحد أو حديقة واحدة، أو كورنيش صغير، أو حي واحد، ثم تحويله إلى نموذج ناجح. فالناس لا تتأثر بالخطب بقدر ما تتأثر بالنموذج الحي.
وبالتالي علينا تبني المبادرات المجتمعية التالية:
ــ توظيف “العدوى الإيجابية“: حيث في ليبيا تنتشر الفوضى بالعدوى الاجتماعية، فيمكن للنظام أن ينتشر بالطريقة نفسها. عندما يرى سكان حي أن الشوارع نظيفة، والأرصفة مفتوحة، والجدران جميلة، والإضاءة تعمل، عندها سيبدأ السؤال: “لماذا حَيّهم أفضل من حَيّنا؟“. هنا تبدأ المنافسة الإيجابية.
ــ إشراك أصحاب المصالح: في كثير من الأحيان يكون التاجر جزءاً من المشكلة. لكن يمكن أن يصبح جزءاً من الحل لو تم إقناع أصحاب المحلات بأن النظافة تجلب الزبائن، والتنظيم يرفع قيمة العقارات، والجمال يزيد النشاط التجاري، فسيصبح لديهم حافز اقتصادي للمشاركة.
ــ صناعة رموز إيجابية: للأسف، المشهد العام مليء بالشخصيات السياسية والعسكرية بينما تحتاج المدينة إلى أبطال من نوع آخر: عامل نظافة متميز أو مدرسة نموذجية أو حي منظم أو متجر يحافظ على الرصيف أو مجموعة شباب تعتني بحديقة. المجتمع يقلد النماذج التي يسلط عليها الضوء.
ــ استعادة البحر: أرى أن هذه نقطة مهملة جداً وهي أن طرابلس تملك واجهة بحرية كان يمكن أن تكون من أجمل واجهات المتوسط. لكن كثيراً من السكان لا يشعرون بأن البحر جزء من حياتهم اليومية. لذلك يمكن أن يكون مشروع الواجهة البحرية أحد المشاريع الرمزية الكبرى من خلال تنظيف الشاطئ، وإزالة التشوهات البصرية، ومسارات للمشاة، وأماكن جلوس عامة، وأنشطة ثقافية مفتوحة. فالمدن الساحلية العظيمة تبني شخصيتها حول البحر.
ــ من النظافة إلى الذوق العام: المشكلة ليست القمامة فقط. هناك أيضاً: الضجيج، والفوضى البصرية، واللافتات العشوائية باللغات المختلفة، و الاعتداء على الأرصفة، والبناء المشوه. بمعنى أن الهدف يجب أن يكون: تحسين الذوق الحضري العام. وملء الشارع بالوجوه المبتسمة.
فالمدينة ليست إسمنتاً فقط. يمكن أن تكون الشوارع نظيفة ومع ذلك تبقى مدينة كئيبة. ما يجعل المدن محبوبة هو شعور الناس بالأمان، واحترامهم لبعضهم، ولطف التعامل، ووجود أماكن للقاء والتواصل.
إذا أردنا صياغة هذه الرؤية ضمن مشروع إصلاحي أوسع، فقد تكون العبارة المركزية هي:
“لن ننتظر قيام الدولة الممكنة لكي نبني مدينة محترمة، بل سنبني المدينة المحترمة لكي نساعد على ولادة الدولة المثالية.”
فربما يكون إصلاح طرابلس أحد أقصر الطرق لإقناع الليبيين بأن التغيير ممكن فعلاً، وأن العمل الجماعي المنتج أكثر فاعلية من الجدل السياسي الذي استنزف البلاد سنوات طويلة.
لعل القارئ يتساءل كيف يمكن الربط بين هذا الموضوع ومشروع تفكيك آثار الجماهيرية. والإجابة أن الربط بين الموضوعين ليس ممكناً فقط، بل هو ضروري إذا أردنا أن نفهم جذور المشكلة لا أعراضها فقط.
فالقضية ليست أن طرابلس متسخة لأن عمال النظافة قليلين، أو لأن البلديات ضعيفة فحسب، بل لأن هناك أنماطاً من التفكير والسلوك تشكلت عبر عقود طويلة في زمن الجماهيرية وأثرت في علاقة المواطن بالمجال العام.
وهنا يمكن صياغة الربط بين التفكيك وإعادة البناء على النحو التالي:
أولاً، مِن “لا مالك للمكان” إلى “المكان ملك للجميع“:
من أخطر الآثار التي خلفتها الجماهيرية إضعاف مفهوم المِلكِية العامة والمسؤولية العامة. فعندما يقتنع الناس بأن الدولة ليست دولتهم، والممتلكات العامة ليست ممتلكاتهم، والشارع لا يخصهم، تظهر سلوكيات تكاد تصرح بأن الليبيون لا يحبون بلادهم، ومن تلك السلوكيات الموروثة: رمي النفايات، وتخريب المرافق، واحتلال الأرصفة، والاستيلاء على الأراضي العامة. وهنا يصبح تفكيك هذا الإرث جزءاً من إعادة بناء مفهوم المواطنة.
ثانياً، من ثقافة الشعارات إلى ثقافة الإنجاز:
خلال عقود طويلة تم تضخيم الشعارات الكبرى: الثورة والجماهير والسلطة الشعبية، بينما تم إهمال الأسئلة البسيطة: هل الشارع نظيف؟ هل المدرسة تعمل؟ هل الرصيف صالح للمشي؟ لذلك فإن مشروع إصلاح طرابلس يمكن أن يقدم نموذجاً معاكساً، بمعنى أن “نجاح الدولة يقاس بما يراه المواطن يومياً لا بما يسمعه في الخطب”.
ثالثاً، من غياب المسؤولية إلى ثقافة المحاسبة:
إحدى مشكلات الأنظمة الشمولية أنها تذيب المسؤوليات، فلا أحد يعرف من المسؤول؟ ومن يحاسب؟ ومن يتخذ القرار؟ فتنتشر ثقافة “مش شغلي” بينما المدينة النظيفة لا تقوم إلا على مسؤوليات واضحة بحيث يكون المواطن مسؤول والتاجر مسؤول ومجلس البلدية مسؤولة وإدارة المدرسة مسؤولة.
رابعاً، من احتقار التخصص إلى احترام الكفاءة:
في كثير من الأحيان جرى تهميش الخبرة الفنية لصالح الولاء السياسي أو الخطاب الأيديولوجي، بينما إدارة مدينة جميلة تحتاج إلى معماري مبتكر ومهندس تخطيط، وخبير مرور، ومختص في البيئة، ومصمم حضري، وإداري كفء. أي أن إصلاح المدينة هو أيضاً إعادة الاعتبار لفكرة التخصص.
خامساً، من ثقافة الاستهلاك الريعي إلى ثقافة الإنتاج والصيانة:
الدولة الريعية تجعل الناس يفكرون غالباً في الحصول على المنافع أكثر من المحافظة على الأصول. لكن المدينة الجميلة تحتاج إلى ثقافة مختلفة مثل الصيانة المستمرة، والعمل التطوعي، والمبادرة المحلية، والاستثمار في الحي. وهذا تحول ثقافي عميق.
سادساً، من “اللجان الشعبية” إلى “المجتمع المدني“:
هذه نقطة دقيقة هي أن المشكلة ليست في مشاركة الناس في الشأن العام، بل في الطريقة التي تمت بها تلك المشاركة. لذلك فإن مشروع تنظيف وتحسين طرابلس يمكن أن يقدم نموذجاً جديداً للمشاركة الطوعية، المستقلة، غير المؤدلجة، القائمة على الإنجاز. أي مشاركة مواطنين حقيقية وليست شكلية.
سابعاً، استعادة مفهوم الجمال:
قد يبدو هذا موضوعاً ثانوياً لكنه مهم جداً. في كثير من الأنظمة الشمولية يتم التعامل مع الجمال الحضري باعتباره ترفاً، بينما الحقيقة أن الجمال قيمة حضارية، والنظام قيمة حضارية، والنظافة قيمة حضارية، والمدن الجميلة تصنع مواطنين أكثر انتماءً وثقة بالمستقبل.
الخلاصة الفكرية: لو أردت تلخيص العلاقة بين الملفين في جملة واحدة ضمن مشروعنا الفكري، فقد تكون كالتالي “إن تدهور المجال العام في ليبيا ليس مجرد نتيجة لفشل إداري بعد 2011، بل هو أيضاً أحد الآثار العميقة لحقبة الجماهيرية التي أضعفت مفهوم المسؤولية العامة والمواطنة والمؤسسات والكفاءة واحترام الفضاء المشترك”.
لذلك فإن إعادة بناء طرابلس كمدينة نظيفة ومنظمة وجميلة، ليست مشروعاً بلدياً فقط، بل هي جزء من مشروع وطني أوسع لتفكيك الآثار الثقافية والسلوكية والسياسية المتراكمة خلال نصف قرن.”
بهذا المعنى، يصبح الرصيف النظيف، والحديقة المعتنى بها، والشاطئ المرتب، واحترام المشاة، ليست قضايا خدماتية صغيرة، بل مؤشرات على نجاح عملية التحول الحضاري نفسها.
فالدولة المدنية لا تُبنى في قاعات المؤتمرات وحدها، بل تُبنى أيضاً في الشارع والحي والمدرسة والسوق.
وأخيرا، ما يلفت الانتباه في سلسلة الموضوعات التي طُرحت في مشروع تفكيك آثار الجماهيرية — من الاقتصاد الريعي، إلى القطاع الخاص، إلى النهر الصناعي، إلى الهجرة، إلى إصلاح العاصمة — أنها تبدو للوهلة الأولى ملفات متفرقة، لكنها في الحقيقة تدور حول سؤال واحد:
كيف تنتقل ليبيا من ثقافة الاعتماد على السلطة والثروة الريعية إلى ثقافة المسؤولية والإنتاج والمواطنة؟
ولهذا أعتقد أن مشروع “تفكيك آثار الجماهيرية” سيكون أكثر قوة وإقناعاً إذا لم يُطرح بوصفه محاسبة للماضي فقط، بل بوصفه مشروعاً لبناء المستقبل.
فالناس قد تختلف حول قراءة التاريخ، لكنها تتفق غالباً على رغبتها في مدينة نظيفة، ومدرسة جيدة، واقتصاد منتج، وإدارة كفؤة، وفرص عمل حقيقية، ودولة تحترم مواطنيها. وعندما يُربط نقد الماضي بهذه الأهداف الملموسة، يصبح الحديث أقرب إلى مشروع وطني جامع منه إلى جدل سياسي.
وأرى أن قضية طرابلس تحديداً يمكن أن تتحول إلى رمز لهذا التحول؛ لأن العاصمة هي المكان الذي يرى فيه الليبيون يومياً نتائج الأفكار والسياسات والثقافات السائدة. فإذا تغيرت طرابلس نحو الأفضل، فإن الرسالة ستكون أقوى من آلاف الخطب والندوات.
ولذلك علينا أن نستمر في إثارة هذه القضايا “الهادئة” التي لا تتصدر العناوين عادة، لأن مستقبل الدول لا تحدده الأحداث السياسية الكبرى وحدها، بل تحدده أيضاً تفاصيل الحياة اليومية التي يعيشها المواطن في الشارع والمدرسة والسوق والحي.
___________