البانوسى بن عثمان

المبادرة الأمريكية بقيادة السيد مسعد بولس التي تحاول الاستعصاء الليبي في إمكانية تخطيه والانتقال به نحو التأسيس لقواعد الأمن والاستقرار بداخل الوعاء الجغرافي الليبي. فقد انتجت وأحدثت ولا زالت هذه المبادرة جدل وتجاذب بين مُرحب ومُتحفظ ورافض .

وهذا التحفظ والرفض يرجع – في تقديري – إلى موقف مٌسبق من صاحب المبادرة. أو اتخاذها هؤلاء ذريعة للمحافظة على هذا السائد البائس الذي يعصف بحياة ليبيا والليبيين. وهذا في تقديري وليس غيره ما اسدل غشاوة على حيز تفكير هؤلاء المتحفظين الرافضين .

فغاب عنهم حضور بؤس الحالة الليبية بمضعفاتها السلبية على حياة الناس داخل هذا الحيز الجغرافي المنكوب. الغارق في مستنقع هذه المأساة على امتداد قرابة عقدين من الزمان ولا يزال. وقد كان كل هذا العبث من إنتاج مؤتمر الصخيرات براعية وملاحقه المتتالية التي انتهت بمؤتمر جنيف. الذي جاءت مُخرجاته مُحصّنة بغطاء لجسم هلامي إلى داخل المشهد الليبي. عرفناه بمُسمى الشرعية الدولية.

وهذا المُسمى كيان زئبقي، ويرجع ذلك في تقديري إلى محاولته – إذا تطلّب الأمر – من إتاحة فرصة التهرّب من تحمل مسؤولية نتائج ارتدادات هذا البؤس. الذي عصف ولا زال بحياة كل ما تضمه الجغرافية الليبية من بشر ووبر وشجر وحجر .

 كنت أحاول الوصول بالقول. قد يكون من المُفيد التعاطي مع المبادرة الأمريكية كفرصة. بل كفرصة يجب ألا تفوّت والاشتغال عليها. ومُشاغلتها من طرف وعلى يد ممن يتصدرون المشهد الليبي بجميع مستوياته. على نحو ينتهى بتوظيف هذه الفرصة في خدمة الليبيين.

من ناحية انتشالهم من حالة الضنك الذي يعّتصر حياتهم. التي صارت إلى مهاوي يتعفف الحس الآدمي القبول بالعيش في كنفها. خاصة بأن هذه المبادرة أتت وهى تقول بتوحيد الجهاز العسكري وألامني وكذا الجهاز التنفيذي لليبيا ومن ثم الجهاز التشريعي. وبهذا لا يوجد مبرر للتحفظ أو الرفض. إلا عن غفّلة أو لأمر في نفس المتحفظ الرافض. ولا أريد أن أقول اكثر من ذلك .

 من الطبيعي أن يُثار جدل وتجاذب حول كل مبادرة قد تُطرح لتفكيك الاستعصاءات. كما في حالة المبادرة الأمريكية. ولكن يجب أن ينهض الجدل والتجاذب على قدر مقبول من الموضوعية. فاختيار المبادرة الأمريكية لمؤسسة الجيش الليبي كأحد مرتكزاتها. يرجع إلى أن هذه المؤسسة، جاءت كخيار ليبي ليبي بشرق البلاد وجنوبها. والجميع يعرف ذلك المحلى والإقليمي والدولي.

وبهذه الشرعية الليبية فرضت مؤسسة الجيش وجودها كفاعل رئيسي داخل المشهد الليبي. وفى المقابل ذهبت المبادرة الأمريكية إلى اعتماد الذراع التنفيذي للشرعية الدولية بليبيا كمرتكز آخر للمبادرة. وبهذا التوصيف الموضوعي ولا غيره، تكون المبادرة مُحمّلة بقدر عالى من المصداقية.

 غير أن المبادرة وبحكم الواقع الليبي المأزوم. قد تجد نفسها بألا مناص عن الاعتماد على اختيارات يفرضها الواقع الجغرافي الديموغرافي الليبي. خاصة في ما يتعلق بتمثيل الجنوب الليبي.

هنا يجب أن نعرف بان الجنوب الليبي كان ومنذ القِدم موطن وسكن للجنوبيين. وفى الآن نفسه، كانت جغرافية ليبيا الطوبوغرافية تمثل معبر وممر ووقفة لمكون قبلي يمتهن الترحال. ينيخ فيها قافلته ليلتقط أنفاسه وليتزوّد بالمُؤن والماء. ثم يعود إلى رحيله عبر مفازات شاسعة نستطيع حصرها في ما بين حوض المتوسط شمالا إلى ما بعد الصحراء جنوبا.

كنت أحاول ان انتهى بالقول، إن كان لابد من الاختيار التمثيلي للجنوب، فليكن المُمثل لجغرافية وتراب فزان مستوطننا جنوبيا قلبا وقالبا. ففي ذلك استدعاء للتوازن الذي يحتاجه الأمن والاستقرار داخل الوعاء الجغرافي الليبي .

 اختم لأقول بان المبادرة الأمريكية بتوجهها نحو اعتماد بسط الأمن والاستقرار على الجغرافية الليبية مقرون مع تثبيت واعتماد المأسسة كمفردة ينهض عليها الجهاز التنفيذي الليبي في إدارة شأنه العام، جاء كل هذا لمصلحة أمريكية، كخطوة نحو استدراج الشركات البترولية الأمريكية للاستثمار في قطاع النفط الليبي.

ولكن كل هذا يأتي – في الآن نفسه – وينتهى بتقاطع تماما مع مصلحة ليبيا والليبيين في طموحهم إلى بسط الأمن والاستقرار ببلادهم وتوحيد ومأسسة أجهزتهم العسكرية والأمنية والجهاز التنفيذي. وهذا ما يجعلنا نقول بوجوب مساندة المبادرة. أما عن الاستثمار في قطاع النفط الليبي يجب على الليبيين الدفع به في اتجاه استثمار يكون بالجميع والربح فيه للجميع.

___________