بقلم الشّايب

المعركة تبدأَ بدحض مقولات الكتاب الأخضربنفس الجدية

تفكيك الجماهيرية يتطلب بالضرورة نقد موضوعي للكتاب الأخضر الذي يعتبره أنصار القذافي كتاب مقدس، بعد 2011، لم يعد لهذا الكتاب وجود ولكن مقولاته لا زالت موجودة في عقول وسلوك أنصار القذافي.

وبالتالي لا يمكن للتفكيك أن يكتمل إلا بدحض أهم مقولات القذافي سواء في السياسة والحكم مثل الحزبية إجهاض للديمقراطية.” و لا ديمقراطية بدون مؤتمرات شعبية.” و النواب وكلاء.. والتمثيل السياسي تدجيلوالاستفتاء إجهاض للديمقراطية“. أما في الاقتصاد والملكية هناك البيت لساكنه.” و شركاء لا أجراء” . و الأرض ليست ملكاً لأحد“. و في المجتمع والمرأة البيت يخدمه أهله” “.

تفكيك الجماهيرية لا يقتصر على إزالة رموزها السياسية أو إنهاء مؤسساتها، بل يتطلب تفكيك المنظومة الفكرية التي ما زالت حاضرة في الثقافة السياسية والاجتماعية والاقتصادية. فالأنظمة قد تسقط، لكن الأفكار التي شكلت وعي الناس وسلوكهم قد تستمر لعقود..

المشكلة الأعمق: المشكلة ليست في هذه المقولات منفردة، بل في الفكرة المركزية التي تجمعها جميعاً وهي أن المجتمع يمكن أن يعمل دون مؤسسات مستقلة ووسيطة بين الفرد والسلطة. فالحزب أُلغي، والبرلمان أُلغي، والنقابات أُضعفت، والقطاع الخاص حورب، والإدارة المحلية الحقيقية لم تنشأ، فتحول المواطن إلى فرد معزول أمام سلطة مركزية تدّعي أنها تمثل الشعب مباشرة.

ولهذا فإن تفكيك الجماهيرية لا يعني فقط نقد الكتاب الأخضر، بل إعادة بناء ثقافة بديلة تقوم على شرعية التعددية السياسية، وشرعية التمثيل النيابي، واحترام الملكية الخاصة، واستقلال المجتمع المدني، وسيادة القانون والمؤسسات، والفصل بين الدولة والحاكم، وقبول الاختلاف باعتباره ظاهرة طبيعية لا مؤامرة.

وهنا يكمن التحدي الحقيقي: صحيح أن بعض أفكار الكتاب الأخضر ما زالت حاضرة في اللغة اليومية، وفي النظرة إلى الدولة، والأحزاب، والمِلكِية، والعمل، وحتى في طريقة فهم السياسة نفسها. لذلك فإن معركة التفكيك اليوم هي معركة ثقافية وفكرية بالدرجة الأولى، وليست مجرد معركة سياسية.

ليس كل من كان عضواً في اللجان الثورية أو مؤيداً للنظام السابق يحمل اليوم نفس القناعات أو نفس السلوك. فهناك من راجع مواقفه، وهناك من انخرط في مشاريع سياسية سلمية، والقليل منهم من بقي متمسكاً بالأفكار القديمة. لذلك فإن التعميم قد يؤدي إلى نتائج عكسية ويعيد إنتاج منطق الإقصاء الذي عانت منه ليبيا طويلاً.

لكن يمكن القول إن هناك بالفعل فئة ما زالت تحمل جوهر الثقافة السياسية للجماهيرية، حتى وإن لم ترفع شعاراتها القديمة. ويمكن التعرف على هذه الثقافة من خلال بعض المؤشرات:

  • رفض الأحزاب السياسية باعتبارها مؤامرة أو خيانة.
  • رفض التداول السلمي على السلطة.
  • تمجيد القائد المنقذأو الرجل القوي“.
  • اعتبار المعارضة خيانة وطنية.
  • تبرير استخدام القوة لإسكات الخصوم.
  • الاعتقاد بأن المؤسسات المنتخبة أقل شرعية من القوة المسلحة.
  • استخدام التخوين والتشويه بدلاً من النقاش والحوار.

إذا اجتمعت هذه الأفكار مع السلاح أو النفوذ الأمني أو القدرة على التعبئة الإعلامية والإلكترونية، فإنها تصبح بالفعل تحدياً جدياً أمام مشروع الدولة المدنية.

ومع ذلك، أعتقد أن النخب الساعية لبناء دولة مدنية يجب أن تتجنب خطأين:

الخطأ الأول، تحويل الصراع إلى صراع أشخاص: لأن المشكلة الحقيقية ليست في أفراد بعينهم، بل في الثقافة السياسية التي أنتجتهم. وإذا ركز خطاب النخبة الوطنية على مهاجمة الأشخاص فقط، فإن هؤلاء يستطيعون تقديم أنفسهم كضحايا أو كمستهدفين سياسياً. أما إذا ركز الخطاب على نقد الأفكار والممارسات، فسيكون أكثر إقناعاً وأقل استقطاباً.

الخطأ الثاني، الاعتقاد بأن المواجهة الأمنية وحدها كافية: لأن المواجهة الحقيقية تحتاج إلى مشروع تعليمي جديد، وإعلام مهني مستقل، وإنتاج معرفي يفكك تجربة الجماهيرية بموضوعية، وتشجيع ثقافة الحوار والتعددية، وتدريب الأجيال الجديدة على قيم المواطنة والمؤسساتية.

ما الذي ينبغي أن تفعله النخب المدنية؟

هناك مهمة فكرية لم تُنجز بعد في ليبيا، وهي كتابة النقد المنهجي للكتاب الأخضربنفس الجدية التي كُتبت بها مؤلفات نقد الشيوعية أو الفاشية أو غيرها من الأيديولوجيات. فالكتاب الأخضر لم يكن مجرد نص سياسي، بل كان أساساً لإعادة تشكيل مفهوم الدولة، ومفهوم الديمقراطية، ومفهوم الاقتصاد، ومفهوم المجتمع، ومفهوم المواطنة.

ولهذا فإن تفكيكه يحتاج إلى عمل فكري طويل المدى يوضح لماذا بدت هذه الأفكار جذابة وقتها؟ وكيف طُبقت عملياً في ليبيا؟ وما النتائج التي ترتبت عليها؟ وما البدائل التي أثبتت نجاحها في العالم. عندها يصبح النقاش بين مشروعين فكريين، لا بين مجموعتين من الخصوم السياسيين.

ومن زاوية استراتيجية، فإن أخطر ما يمكن أن تواجهه القوى المدنية ليس عودة أشخاص من الماضي، بل عودة أنماط التفكير التي تجعل المجتمع مستعداً لتقبل الاستبداد مرة أخرى تحت أي اسم جديد.

لذلك فإن تفكيك العقلية الجماهيرية قد يكون في النهاية أهم من تفكيك الهياكل التي حملت هذا الاسم. ومن خلال الأوراق التي طُرحت سابقا، الاقتصاد الإنتاجي، واللامركزية، وإصلاح القطاع الخاص، وتفكيك الإرث الجماهيري، يتبين أن مشروع تفكيك الجماهيرية ينظر إلى الأزمة الليبية باعتبارها أزمة بنيوية عميقة وليست مجرد أزمة حكومات أو صراع على السلطة. وهذا مدخل مهم، لأن كثيراً من النقاش العام ينشغل بالأحداث اليومية بينما تبقى المشكلات الجذرية دون معالجة.

ومن أهم الأفكار التي برزت في تلك الأوراق هي: أن بناء الدولة لا يكتمل دون بناء ثقافة سياسية جديدة، وأن الإصلاح المؤسسي لا ينجح إذا بقيت القناعات القديمة مسيطرة على السلوك العام، وأن التنمية الاقتصادية تحتاج إلى تغيير في الثقافة الاقتصادية، لا إلى قوانين جديدة فقط، وأن المصالحة الوطنية لا تعني تجاهل الأخطاء التاريخية، بل فهمها واستخلاص الدروس منها، وأن مستقبل ليبيا يعتمد على قدرة النخب على الانتقال من ردود الأفعال إلى بناء مشروع وطني طويل المدى.

إن نجاح مشروع تفكيك الجماهيرية يرتبط بثلاثة مسارات متوازية:

ــ المسار الفكري: نقد المقولات والأفكار التي شكلت العقلية الجماهيرية.

ــ المسار المؤسسي: بناء مؤسسات حديثة تقوم على القانون والمساءلة.

ــ المسار الثقافي والتربوي: غرس قيم المواطنة والتعددية واحترام الاختلاف لدى الأجيال الجديدة.

فالأنظمة السياسية قد تسقط خلال أيام أو أشهر، أما الثقافات السياسية فتحتاج سنوات وربما عقوداً حتى تتغير. وبالتالي إذا نظرنا إلى ليبيا من زاوية تاريخية، فقد يكون السؤال المركزي خلال العقود القادمة هو: كيف تنتقل ليبيا من ثقافة الجماهيرية إلى ثقافة الدولة؟

وتحت هذا السؤال تندرج عشرات الملفات التي طرقنا بعضها:

  • الانتقال من الشرعية الثورية إلى الشرعية الدستورية.

  • الانتقال من حكم الأشخاص إلى حكم المؤسسات.

  • الانتقال من اقتصاد الريع إلى اقتصاد الإنتاج.

  • الانتقال من مركزية القرار إلى اللامركزية الإدارية الفعالة.

  • الانتقال من ثقافة التخوين إلى ثقافة التنافس السياسي السلمي.

  • الانتقال من استهلاك الموارد الطبيعية إلى إدارتها بشكل مستدام، كما في قضية النهر الصناعي.

  • الانتقال من الولاءات الضيقة إلى المواطنة الجامعة.

وربما تكون إحدى أهم المساهمات التي يمكن أن تقدمها النخب الليبية اليوم هي صياغة مشروع الانتقال الليبي؛ أي رؤية متكاملة تجيب عن سؤال جوهري:

ما الذي ينبغي أن يتغير في الأفكار والمؤسسات والسلوكيات حتى تصبح الدولة المدنية المستقرة ممكنة؟

فكثير من الليبيين يدركون أن هناك مشكلة، لكنهم لا يرون بوضوح صورة البديل. وهنا يأتي دور المفكرين والباحثين والكتاب وأصحاب المبادرات العامة في رسم ملامح ذلك البديل بصورة واقعية ومقنعة.

___________