كرم نعمة

حين يختار مسعد بولس، المستشار الأول للرئيس الأمريكي لشؤون العرب وأفريقيا، أن يلتقي بكبار المسؤولين الليبيين من شرق البلاد وغربها في مالطا بدلاً من أي مدينة ليبية، فإنه يشبه رجلاً يؤذّن للصلاة من جزيرة لا يسمع أحدٌ نداءه فيها.

فما يزال الليبيون يصلّون على إيقاع مدنهم الخاصة — طرابلس، مصراتة، بنغازي، سبها — بينما يرفع بولس صوته من مالطا، وهي مكان لا يتوقّع مثل هذا النداء ولا يستجيب له. هذه الاستعارة ليست مجرد زخرف بلاغي؛ إنها تلتقط اللحظة السياسية بأكملها. فلا يمكن حل أزمة ليبيا من على شرفة مطلة على البحر المتوسط. لا يمكن حلها إلا حيث يعيش الليبيون فعلياً، ويتفاوضون، ويقاتلون، ويقاومون على التراب الليبي.

إن اختيار مالطا ليس تفصيلاً لوجستياً. إنه إشارة سياسية — تعبير مكثف عن نهج واشنطن تجاه الصراع الليبي. فالولايات المتحدة تفضل البقاء على مسافة آمنة من جوهر التشرذم الليبي، تدير توتراته، وتراقب خطوطه، وتضبط إيقاعه دون أن تتحمل مسؤولية دفع الأطراف المتناحرة نحو تسوية حقيقية.

حين يجتمع “الإخوة الخصوم” في ليبيا في الخارج، فإنهم يحضرون كممثلين لأقاليم وسلطات متنافسة — لا كشركاء في دولة واحدة. يعودون إلى ديارهم وهم أكثر اقتناعاً بأن الحل يكمن في مكان آخر، في انتظار إشارة أخرى من الخارج.

إن وصف بولس للقاء مالطا بأنه “بناء” يعكس الخطاب الدبلوماسي المألوف الذي تستخدمه واشنطن منذ سنوات: عبارات فضفاضة عن “ليبيا الموحدة” و”الاستقرار” و”الشراكة الاقتصادية والأمنية”، دون أن تمس جوهر الأزمة أو تُظهر أي استعداد لدفع الفاعلين الليبيين نحو تنازلات مؤلمة — النوع المطلوب لبناء دولة موحدة بمؤسسات موحدة.

إن المبادرة الأمريكية المتداولة في الأوساط السياسية، التي تقترح دمج حكومة الوحدة الوطنية مع الحكومة المعينة من البرلمان وتشكيل مجلس رئاسي جديد، ليست حلاً. إنها إعادة تصميم للانقسام نفسه، وإعادة تغليف تحافظ على الامتيازات التي حصل عليها كل فصيل من الفوضى .

 من هذا المنظور، يصبح لقاء مالطا حلقة أخرى في سلسلة طويلة من المؤتمرات الخارجية: برلين ثلاث مرات، باريس مرتين، أبو ظبي مرتين، جنيف ثلاث مرات، والجولات المغربية في الصخيرات وبوزنيقة. كلها حملت راية “الحل الليبي”، ومع ذلك أعادت إنتاج الأزمة لأن المشاركين الليبيين لم يكونوا على استعداد للتخلي عن مزايا السيطرة الإقليمية، والقوة المسلحة، والوصول إلى الموارد، والشرعية المزدوجة.

لم يكن الفشل ببساطة لأن هذه الاجتماعات عُقدت خارج ليبيا. بل لأن “الإخوة الخصوم” تعاملوا معها كفرص لتحسين مواقفهم التفاوضية، لا كلحظة لإنهاء انقسام جعل أسرة تملك منزلين — واحداً في طرابلس وآخر في بنغازي — تشعر وكأنها تعيش في بلدين منفصلين.

إن موقف واشنطن الحالي، المعبّر عنه عبر بولس، ليس خروجاً عن هذا النمط بل امتداداً له. فالولايات المتحدة لا تسعى إلى حل نهائي لأزمة ليبيا؛ إنها تسعى إلى إدارتها. فتعليق النزاع بشكل مسيطر عليه يمنع الانهيار الكامل مع الحفاظ على قدرة واشنطن على التأثير في تدفقات الطاقة، وطرق الهجرة، والتوازنات الإقليمية — دون الالتزام بالعمل الشاق لبناء الدولة.

وهذا ما يفسر لماذا يتحدث بولس عن “التوحيد المؤسسي” دون معالجة السؤال الجوهري: من سيدفع ثمن هذا التوحيد؟ من سيتنازل عن السلطة على الأرض؟ من سيقبل بأن يصبح جزءاً من دولة ذات مركز واحد وهيكل واحد لصنع القرار؟ إن التفاصيل المتداولة عن المبادرة تجيب بوضوح: لا أحد. إن دمج الحكومتين تحت قيادة عبد الحميد الدبيبة وتشكيل مجلس رئاسي جديد برئاسة صدام حفتر لا يؤدي إلا إلى تثبيت الازدواجية بشكل جديد. إنه يضمن بقاء ليبيا معلقة بين الشرق والغرب، بين حكومتين ومشروعين متعارضين، بينما يُقال للعالم إن “حلاً أمريكياً” قيد التنفيذ.

لقد أدرك محمد المنفي، رئيس المجلس الرئاسي، هذا التناقض حين أصر على أن أي تسوية سياسية يجب أن تكون شاملة ومستدامة وتُجرى عبر حوار مباشر بين المؤسسات الليبية الرسمية. موقفه ليس تحفظاً دبلوماسياً مهذباً؛ بل هو اعتراف بأن أي حل يتم صياغته خارج ليبيا، بعيداً عن مؤسساتها، سيكون مؤقتاً وهشاً، ويعيد إنتاج الانقسام بثوب جديد. يعرف المنفي أن إشراك المؤسسات الليبية ليس مطلباً إجرائياً بل السبيل الوحيد لتوافق قادر على الصمود في وجه ضغوط الجماعات المسلحة، والمصالح المالية، والنفوذ الإقليمي.

غير أن المشكلة لا تكمن في واشنطن وحدها. بل تكمن بالتساوي — وبشكل حاسم — في الليبيين أنفسهم. فالحل، إن أرادوه حقاً، هو في أيديهم: التخلي عن الامتيازات التي منحتها لهم الفوضى، والقبول بأن دولة واحدة لا يمكن بناؤها على أساس حكومتين أو على أقاليم تتصرف وكأنها كيانات مستقلة. كل مبادرة خارجية، أمريكية أو غيرها، ستبقى عالقة في حلقة مفرغة ما لم يقرر “الإخوة الخصوم” في ليبيا أن عصر الامتيازات الشخصية والإقليمية قد انتهى. إن استمرار هذه الامتيازات يعني استمرار التشرذم الليبي وإبقاء البلاد مفتوحة للتدخل الأجنبي.

إن الرجل الذي يؤذن في مالطا، كما في المثل العربي القديم، يبذل جهداً عبثاً — يرفع صوته في مكان لا يتوقع النداء ولا يستجيب له. مسعد بولس اليوم ينادي من مالطا، بينما يصلّي الليبيون على إيقاع مدنهم، ويتحركون وفق حقائق القوة على الأرض، لا وفق تصريحات دبلوماسية تصدر من واشنطن أو جزيرة متوسطية. أي لقاء يُعقد في مالطا أو غيرها، دون معالجة جذور الانقسام الليبي ودون إلزام الفاعلين الليبيين بالتخلي عن امتيازاتهم، لن يكون أكثر من حلقة أخرى في سلسلة طويلة من “آذان مالطا” — إيماءات لا تغير شيئاً في بلد ظل منذ 2011 عالقاً في انتقال دائم، بين حكومتين، وشرعيتين، ورؤيتين متعارضتين لدولة لم يُسمح لها بعد بالوجود.

وحتى ينتقل مركز الثقل من مالطا، وواشنطن، وبرلين، وباريس إلى طرابلس، وبنغازي، ومصراتة، وسبها — وحتى ينتقل الحوار من قاعات الفنادق في الخارج إلى مؤسسات ليبيا نفسها — سيظل الرجل في مالطا يؤذن، وسيظل الليبيون يصلّون في مدنهم، كلٌّ على ندائه، في بلد منقسم إلى شطرين، ينتظر حلاً لن يأتي حتى يُقرّر أولاً أنه يجب أن يكون ليبيّاً قبل أن يكون أي شيء آخر.

____________