صلاح الهوني
التصنيف الدولي الذي يضع ليبيا في المرتبة الثانية عشرة بين أخطر بيئات العالم لإجراء الانتخابات ليس حكماً بالإعدام على الأمل الليبي بل تقرير طبي يحذر من أزمة قلبية.
تضع تقارير الأمم المتحدة ومؤشرات المخاطر العالمية ليبيا ضمن أكثر البيئات هشاشة في العالم، ليس فقط بفعل الانقسامات المسلحة وتناحر النخب، بل باعتبارها حالة اختبار صعبة لإمكانية تنظيم انتخابات حرة ونزيهة في بيئة تُصنّف دوليًا ضمن الأخطر.
فقد جاءت ليبيا في المرتبة الثانية عشرة عالميًا بين الدول الأكثر عرضة للعنف الانتخابي، لتقدم مشهدًا متناقضًا يجمع بين تحذيرات الأرقام ووعود الحوار السياسي.
هذا التصنيف ليس مجرد ترتيب أكاديمي بارز في قوائم المنظمات البحثية، بل هو انعكاس لجرح مفتوح في الذاكرة السياسية الليبية. فالانتخابات السابقة، وتحديداً تجربة 2014، لم تكن مجرد عملية تصويت فاشلة، بل تحولت إلى شرارة مواجهات مسلحة مزقت النسيج الوطني، وأدخلت البلاد في دوامة حروب موازية للحكومات.
ما حدث بعد صناديق الاقتراع لم يكن خلافاً سياسياً قابلاً للحل عبر التحكيم القضائي أو التفاوض، بل كان انقساماً عسكرياً رسم خطوط المواجهة على الخريطة الليبية لأعوام. وهذا بالضبط ما يضفي ثقلاً استثنائياً على التصنيف الحالي: إنه ليس تحذيراً نظرياً، بل هو سيناريو سبق أن وقع، ويريد المجتمع الدولي، والنخب الليبية نفسها، ألا يتكرر.
لكن، خلافاً لأي وقت مضى، هناك زخم موازٍ يحاول تقديم بديل لقدرية هذه المؤشرات. الحوار المهيكل الأخير الذي رعته بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا جاء مختلفاً في شكله ومضمونه، ليس لأنه جمع الأطراف في غرفة واحدة فحسب، بل لأنه أنتج مخرجات محددة تتجاوز البيانات الشرفية التقليدية.
من أبرزها الدعوة إلى تشكيل لجنة مشتركة تمثل مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، تعمل على تعديل القوانين الانتخابية في مهلة زمنية واضحة، وإلى تشكيل حكومة موحدة قادرة على الإشراف على العملية الانتخابية بأكملها.
لكن الأهم، وربما الأكثر جرأة في سياق ليبي معتاد على انقلاب النتائج، هو الدعوة إلى ميثاق شرف وطني يسبق أي اقتراع، يلتزم بموجبه الجميع بنتائج الانتخابات، ويعترفون مسبقاً بأي فائز، مع وضع عقوبات واضحة على أي طرف يرفض النتائج أو يحاول تعطيلها.
ميثاق من هذا القبيل، إذا أُخذ على محمل الجد، يمكن أن يشكل تحولاً جذرياً في الثقافة السياسية الليبية، حيث أصبح السلاح، وليس الصندوق، هو الفيصل التقليدي في النزاعات.
غير أن التحول من مخرجات الحوار إلى واقع سياسي يحتاج أكثر من نوايا حسنة. التحديات البنيوية التي جعلت ليبيا في ذروة مؤشرات الهشاشة الانتخابية لا تزال قائمة، وأخطرها الانقسام المؤسسي العمودي بين مجلس النواب في شرق البلاد والمجلس الأعلى للدولة في الغرب.
هذا الانقسام ليس مجرد خلاف على صلاحيات، بل هو شلل في القدرة التشريعية، حيث يتعطل أي قانون انتخابي أو دستوري بسبب الفيتو المتبادل. إضافة إلى ذلك، ثمة تشكيلات مسلحة عديدة تعمل خارج سلطة الدولة، ولكل منها أجندتها الإقليمية أو السياسية أو الاقتصادية، وهذه الجماعات تمتلك القدرة المادية على تعطيل الانتخابات في أي منطقة تشاء، إما بمنع التصويت أو بفرض مرشحين بعينهم تحت تهديد السلاح.
غياب إطار قانوني مستقر هو العائق الأكبر فليبيا لا تزال تتخبط بين قوانين انتخابية متعددة بعضها يعود لفترات انتقالية سابقة وبعضها وُضع تحت ضغوط سياسية وأمنية لحظية
أما على المستوى التشريعي، فغياب إطار قانوني مستقر هو العائق الأكبر. فليبيا لا تزال تتخبط بين قوانين انتخابية متعددة، بعضها يعود لفترات انتقالية سابقة، وبعضها وُضع تحت ضغوط سياسية وأمنية لحظية. هذا الغياب للإطار المستقر يجعل الانتخابات، حتى لو أُجريت، عرضة للطعن في شرعيتها من قبل أي طرف خاسر، وهو ما يعيد إنتاج ذات السيناريو الدائري من الجمود والعنف.
في مقابل هذه التحديات، ثمة مؤشرات لا يمكن تجاهلها على وجود إرادة شعبية حقيقية لإنهاء الجمود. نسب المشاركة المرتفعة في الانتخابات البلدية الأخيرة، والتي جرت في عدة مدن رغم الظروف الصعبة، كانت مفاجأة سارة للمراقبين الدوليين.
هذه النسب أظهرت أن الشارع الليبي ليس معزولاً عن السياسة، كما يوحي بعض التحليلات التشاؤمية، بل هو، على العكس، متعطش لتغيير الواقع عبر الصندوق، لكن النخبة السياسية المتصارعة هي من تعرقل المسار، إما خوفاً على مصالحها أو تمسكاً بترتيبات تقاسم السلطة القائمة.
هذه الإرادة الشعبية هي الوقود الحقيقي لأي إصلاح. فالقوى الدولية، رغم نفوذها، لا تستطيع فرض انتخابات ناجحة في مجتمع لا يريدها، كما أنها لا تستطيع منع العنف الانتخابي إذا كان المجتمع نفسه غير مقتنع بآليات الحوار السلمي.
لكن ما يجعل ليبيا مختلفة هذه المرة هو أن الغضب الشعبي بدأ يأخذ شكلاً سياسياً منظماً، من خلال تيارات مدنية ومجتمعية تطالب بوضوح بانتخابات ترتبط بقوانين عادلة ومحكمة مستقلة قادرة على حسم النزاعات.
هنا يبرز دور القضاء كضامن أخير للشفافية والحيدة. أي مسار انتخابي لا يمنح القضاء السلطة الكاملة للرقابة على سير العملية والفصل في الطعون لا يمكن أن يُعتبر مساراً ديمقراطياً. وما يميز مخرجات الحوار المهيكل الأخير هو أنها وضعت القضاء الليبي في قلب الحل، ليس كجهة شكلية، بل كحكم نهائي يملك القدرة على إلغاء نتائج أو إعادة انتخابات دوائر بكاملها إذا ثبت تلاعب أو عنف.
هذه النقطة تحديداً كانت غائبة عن تجارب سابقة، وغيابها هو الذي سمح للمسلحين بأن يكونوا خصماً ولاعباً وحكماً في آن معاً.
خلاصة القول، إن التصنيف الدولي الذي يضع ليبيا في المرتبة الثانية عشرة بين أخطر بيئات العالم لإجراء الانتخابات ليس حكماً بالإعدام على الأمل الليبي. هو أشبه بتقرير طبي يحذر من أزمة قلبية وشيكة، لكنه لا يمنع المريض من النجاة إذا اتخذ الإجراءات الوقائية اللازمة.
تلك الإجراءات، في الحالة الليبية، هي تحويل مخرجات الحوار المهيكل إلى قوانين نافذة، تشكيل حكومة موحدة ذات سلطة حقيقية على الأراضي كلها، نزع سلاح التشكيلات المقاتلة أو إدماجها في مؤسسة عسكرية وأمنية واحدة، والأهم، بناء ميثاق أخلاقي وسياسي يعلو على الخلافات اللحظية.
الكرة الآن ليست في ملعب الأمم المتحدة أو القوى الغربية أو الإقليمية. الكرة في ملعب الليبيين أنفسهم. نخباً وشعباً. فإذا التزموا بمخرجات الحوار، وواجهوا التحديات البنيوية بجرأة، ووضعوا السلاح جانباً لحساب الدستور والقضاء، حينها يمكن أن تتحول الانتخابات من مصدر خطر إلى مدخل حقيقي للاستقرار.
أما إذا استمر الانقسام، وتعطلت اللجنة المشتركة، وبقي ميثاق الشرف مجرد ورقة لا رادع لها، فإن مؤشرات الهشاشة ستتحول إلى نبوءة تحقق ذاتها على الأرض، ولن تكون ليبيا بعدها بحاجة إلى تقارير دولية تخبرها بأنها في خطر، فالنار ستكون قد أكلت آخر جذور الأمل فيها.
____________
