بقلم الشّايب
السياسات التي اتبعها النظام الجماهيري، مثل تطبيق مقولة “البيت لساكنه” و“شركاء لا أجراء“، قضت على الملكية الخاصة الحرة وحولت معظم النشاط الاقتصادي إلى تبعية للدولة، مما زاد من الاعتماد على النفط كمصدر وحيد للدخل.
تشخيص المشكلة يلامس أحد أعمق جذور الأزمة الاقتصادية الليبية. فالمشكلة لا تكمن فقط في السياسات الاشتراكية التي طُبقت منذ سبعينيات القرن الماضي، بل في استمرار الثقافة الاقتصادية والسياسية التي أنتجتها تلك السياسات حتى بعد 2011، رغم تغير الشعارات والأشخاص.
بعد 2011، ورغم تغيير النظام، فإن غياب المؤسسات الراسخة وسيادة النافذين أدى إلى أشكال جديدة من الاحتكار والريعية عبر الاعتمادات التجارية والمصانع وشركات النفط مثل مجموعة أركنو، مما عمّق الأزمة بدلاً من تفكيكها.
تفكيك هذه الآثار يتطلب رؤية متكاملة تشمل:
-
إصلاح تشريعي جذري يفصل بين الملكية الخاصة والسلطة السياسية، ويضمن حماية المنافسة الحقيقية ومكافحة الاحتكار.
-
تنويع الاقتصاد عبر تحفيز القطاع الخاص الحقيقي في الزراعة والتصنيع والخدمات، وليس فقط التجارة المستوردة.
-
شفافية عوائد النفط عبر إنشاء صناديق سيادية تُدار بمعايير دولية، مع تخصيص نسب مئوية للتنمية المحلية.
-
إعادة بناء الطبقة الوسطى من خلال دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة بعيداً عن المحسوبية.
-
تفعيل الرقابة المستقلة على الاعتمادات والصفقات الحكومية لمنع تحول الخصخصة إلى تغيير للأسماء فقط مع بقاء النخبة المستفيدة.
المعضلة أن استمرار اقتصاد ريعي مُتحكَّم فيه يعني استمرار الهشاشة السياسية والاجتماعية، مهما تغيرت الشعارات.
كيف يمكن تفكيك هذه العقدة؟
تفكيك هذه العقدة المعقدة يتطلب مقاربة متعددة المستويات، لأن المشكلة ليست اقتصادية فقط، بل سياسية واجتماعية ونفسية أيضاً، تحتاج إلى خطوات عملية وجذرية لتفكيكها:
أولاً: كسر احتكار النخبة الجديدة (الطبقة السياسية – العسكرية – التجارية)
ــ إلغاء نظام الاعتمادات المستندية الاحتكارية: تحويل جميع الاعتمادات التجارية إلى نظام تنافسي عبر مزادات علنية وشفافة، مع وضع سقف للفرد الواحد.
ــ محاكمة الفساد الكبير (رمزياً وفعلياً): إنشاء هيئة مستقلة لمكافحة الاحتكار والفساد بصلاحيات حقيقية، مع استرداد الأصول المنهوبة من قبل رموز وأقارب النظام السابق والحالي.
ــ فضح عقود موازية مثل أركنو وغيرها: بإعادة التفاوض على عقود النفط والغاز وجعلها علنية، مع إخضاع أي شركة تحصل على امتيازات نفطية لالتزامات تنموية واضحة.
ثانياً: إعادة بناء الاقتصاد الحر الحقيقي
ــ تحرير الملكية الاقتصادية الصغيرة والمتوسطة عبر إعادة فتح باب التراخيص التجارية دون وساطة أو موافقات أمنية، وتقديم قروض ميسرة بفوائد صفرية (لمدة 5-7 سنوات) لأصحاب المشاريع الشباب.
ــ تشجيع الاقتصاد غير النفطي من خلال استثمار جزء من عوائد النفط في قطاعات الزراعة والطاقة المتجددة والسياحة والصناعات التحويلية، وإنشاء مناطق حرة حقيقية داخل ليبيا (وليس فقط على الورق).
ثالثاً: تفكيك العقلية الريعية لدى المواطن والدولة
ــ ربط الدعم بالعمل والإنتاج عبر تحويل دعم الوقود والكهرباء تدريجياً إلى دعم نقدي مشروط (بشرط التسجيل في عمل أو تدريب أو مشروع صغير).
ــ إصلاح التعليم بإدخال منهج دراسي يركز على ريادة الأعمال والإدارة المالية والتخطيط الاقتصادي بدلاً من ثقافة “وظيفة الدولة“.
رابعاً: إصلاح مؤسسات الدولة
ــ فصل السياسي عن الاقتصادي: بإنشاء مجلس اقتصادي مستقل أعضاؤه من الخبراء وليس من الوزراء أو النواب
ــ تبني اللامركزية المالية: عبر تخصيص نسبة محددة (30-40%) من الإيرادات النفطية للبلديات والمجالس المحلية، وفق مؤشرات سكانية وتنموية.
ويمكن تلخيص الأثر الجماهيري في ثلاثة مستويات:
أ) ــ تدمير ثقافة الملكية الخاصة والاستثمار.
ب) ــ تحويل الدولة إلى المالك الأكبر والمشغل الأكبر والممول الأكبر.
ج) ــ ربط الثروة بالنفوذ السياسي بدلاً من الإنتاج والعمل والمنافسة.
ولهذا فإن تفكيك الإرث الجماهيري في الاقتصاد لا يعني مجرد الخصخصة، بل بناء اقتصاد حديث قائم على المبادرة الفردية وسيادة القانون والمنافسة العادلة.
أولاً: إعادة الاعتبار للملكية الخاصة
شعار “البيت لساكنه” و“شركاء لا أجراء” لم يدمر أصولاً اقتصادية فقط، بل ضرب فكرة أن الفرد يستطيع بناء ثروة مستقلة عن الدولة. لذلك ينبغي تسوية ملفات المصادرات التاريخية بصورة قانونية عادلة، وحماية المِلْكِية الخاصة دستورياً، وإنشاء محاكم اقتصادية متخصصة، وتسريع تسجيل العقارات والأراضي والسجلات التجارية، ومنع أي سلطة تنفيذية من الاستيلاء على الممتلكات دون حكم قضائي. الهدف هو أن يشعر المواطن أن استثماره محمي بالقانون لا بعلاقاته السياسية.
ثانياً: تفكيك الاقتصاد الريعي
اليوم لا يزال أغلب النشاط الاقتصادي الليبي يدور حول النفط، والاعتمادات المستندية، والإنفاق الحكومي، والمضاربة على العملة، والعقود العامة. بينما يبقى الإنتاج الحقيقي ضعيفاً. ولذلك يجب الانتقال تدريجياً إلى اقتصاد متنوع عبر الزراعة الحديثة، والصناعات الغذائية، والخدمات اللوجستية، والسياحة، والاقتصاد الرقمي، والطاقة المتجددة. لا يمكن أن يبقى النفط مصدر الدخل الوحيد لدولة يزيد عدد سكانها على سبعة ملايين نسمة.
ثالثاً: إنهاء رأسمالية المحاسيب
المشكلة بعد 2011 أن بعض أشكال الاشتراكية القديمة تحولت إلى احتكارات جديدة. فبدلاً من احتكار الدولة للاقتصاد أصبح هناك احتكار للاعتمادات، واحتكار للعقود، واحتكار للاستيراد، واحتكار لبعض القطاعات السيادية. وبالتالي فإن الخصخصة وحدها ليست حلاً إذا تحولت إلى نقل الأصول العامة إلى شبكات النفوذ.
لذلك يجب فرض قوانين المنافسة ومنع الاحتكار، ونشر بيانات العقود العامة، والشفافية الكاملة في تخصيص الاعتمادات، ومنع تضارب المصالح بين المنصب العام والنشاط التجاري.
رابعاً: إعادة بناء الطبقة الوسطى
الطبقة الوسطى هي أكبر ضحايا الحقبة الجماهيرية. فالطبيب والمهندس والمعلم والتاجر الصغير والحِرَفي كانوا تاريخياً أساس الاستقرار الاجتماعي. إن إعادة بناء هذه الطبقة يتطلب تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتسهيل القروض الإنتاجية، وتخفيض الإجراءات البيروقراطية، ودعم ريادة الأعمال، وإصلاح النظام الضريبي. فلا يمكن بناء ديمقراطية مستقرة دون طبقة وسطى مستقلة اقتصادياً عن السلطة.
خامساً: تحرير سوق العمل
لا يزال كثير من الليبيين ينظرون إلى الوظيفة الحكومية باعتبارها الخيار الطبيعي. وهذا أحد أخطر آثار الاقتصاد الريعي. المطلوب ربط التعليم باحتياجات السوق، وتشجيع العمل الحر، ودعم التدريب المهني والتقني، وتخفيض الاعتماد على التوظيف الحكومي. يجب أن يصبح تأسيس شركة صغيرة أو مشروع ناشئ خياراً محترماً ومجدياً مثل الوظيفة العامة.
سادساً: تغيير الثقافة الاقتصادية
هذا الجانب غالباً ما يُهمل رغم أهميته. فالكثير من الأفكار التي رسختها الجماهيرية ما زالت حاضرة، مثل الشك في التاجر الناجح، واعتبار الربح شبهة أخلاقية، واعتبار الدولة مسؤولة عن توفير كل شيء، والخلط بين العدالة الاجتماعية ومصادرة المبادرة الفردية. لذلك يحتاج الأمر إلى مناهج تعليمية جديدة، وبرامج إعلامية اقتصادية، ونشر قصص نجاح رجال الأعمال والمبتكرين، وتعزيز ثقافة الإنتاج بدلاً من ثقافة التوزيع.
الرؤية الاستراتيجية: يمكن تلخيص مشروع تفكيك الإرث الجماهيري في الاقتصاد الليبي في معادلة بسيطة:
الانتقال من اقتصاد الدولة إلى اقتصاد المجتمع، ومن اقتصاد الريع إلى اقتصاد الإنتاج، ومن اقتصاد الامتيازات إلى اقتصاد الفرص.
فالمشكلة ليست فقط أن النظام السابق دمّر القطاع الخاص، بل أن كثيراً من الآليات التي أنتجها ما زالت تعمل حتى اليوم بأسماء جديدة. لذلك فإن الإصلاح الحقيقي لا يقتصر على تغيير القوانين، بل يتطلب تفكيك الثقافة السياسية والاقتصادية التي تجعل الثروة مرتبطة بالقرب من السلطة أكثر من ارتباطها بالعمل والإبداع والمخاطرة الاستثمارية.
وفي الحالة الليبية، قد يكون بناء قطاع خاص وطني مستقل وقادر على المنافسة أحد أهم أدوات تفكيك إرث الجماهيرية والدولة العميقة معاً، لأنه ينقل مصادر القوة الاقتصادية من شبكات النفوذ إلى المجتمع نفسه.
كيف يمكن تفكيك هذه العقدة في ظل انقسام سياسي وأمني وعسكري حاد؟ هذا هو السؤال الجوهري فعلاً. فالكثير من برامج الإصلاح الاقتصادي التي نجحت في دول أخرى افترضت وجود دولة موحدة ومؤسسات مستقرة، بينما الحالة الليبية مختلفة لأن الاقتصاد الريعي نفسه أصبح جزءاً من أدوات إدارة الانقسام السياسي والعسكري.
لذلك فإن الحديث عن تفكيك الإرث الاقتصادي للجماهيرية في ليبيا لا يمكن أن يبدأ من إصلاح اقتصادي شامل وفوري، بل من إصلاحات جزئية تراكمية تستطيع العمل حتى في ظل الانقسام.
أولاً: فصل الإصلاح الاقتصادي عن الصراع على السلطة
أحد أخطاء المقاربات الدولية والمحلية هو ربط كل إصلاح اقتصادي بحل سياسي شامل. في الواقع يمكن تنفيذ العديد من الإصلاحات دون انتظار توحيد كامل للدولة، مثل تطوير السجل العقاري، تحديث السجل التجاري، وتبسيط إجراءات تأسيس الشركات، ورقمنة الخدمات الحكومية، وتطوير القضاء التجاري، وتحسين بيئة الاستثمار المحلية. هذه الإجراءات لا تتطلب بالضرورة اتفاقاً سياسياً شاملاً.
ثانياً: بناء اقتصاد محلي من الأسفل إلى الأعلى
من الصعب حالياً تفكيك الاقتصاد الريعي من قمة السلطة لأن النخب المستفيدة منه تسيطر على مفاصل الدولة. لكن يمكن العمل على المستوى المحلي عبر الغرف التجارية والبلديات، وجمعيات رجال الأعمال، وحاضنات الأعمال، والجامعات.
فكل مدينة ليبية تمتلك إمكانيات اقتصادية مختلفة يمكن تطويرها بعيداً نسبياً عن التجاذبات المركزية. مثلاً مصراتة في الصناعة والخدمات اللوجستية، والزاوية في الصناعات المرتبطة بالطاقة، وسبها في التجارة العابرة للصحراء، والجبل الغربي في السياحة والزراعة، وبنغازي في الخدمات والاستثمار العقاري. كل نجاح محلي يخلق نموذجاً بديلاً للاقتصاد الريعي.
ثالثاً: تجفيف منابع الاحتكار تدريجياً
من الصعب مواجهة شبكات المصالح دفعة واحدة. لكن يمكن تقليص نفوذها عبر نشر البيانات المالية، وزيادة الشفافية، ورقمنة الاعتمادات والجمارك والمشتريات الحكومية. فالفساد والاحتكار يزدهران في البيئات المغلقة. أما الشفافية فتجعل استمرار هذه الممارسات أكثر كلفة سياسياً واجتماعياً.
رابعاً: دعم المشاريع الصغيرة بدلاً من انتظار المستثمر الكبير
غالباً ما يتركز النقاش في ليبيا حول المستثمر الأجنبي أو المشاريع العملاقة، لكن التجارب الناجحة أثبتت أن الطبقة الوسطى تنشأ من آلاف الورش، وآلاف المتاجر، وآلاف الشركات الصغيرة، وآلاف المزارع الخاصة. وليس من بضعة مشاريع ضخمة فقط. فكل مشروع صغير مستقل عن الدولة هو خطوة في تفكيك الاقتصاد الريعي.
خامساً: إنشاء تحالف اجتماعي جديد
المشكلة أن المستفيدين من الريع منظمون ويمتلكون أدوات نفوذ قوية. بينما الفئات المتضررة من الريع مشتتة. ويمكن بناء تحالف إصلاحي يضم رجال الأعمال الحقيقيين، وأصحاب المشاريع الصغيرة، والنقابات المهنية، والأكاديميين، ومنظمات المجتمع المدني، والشباب العاملين في القطاع الخاص. هذا التحالف لا يهدف للوصول إلى السلطة، بل للضغط من أجل إصلاحات اقتصادية محددة.
سادساً: تغيير الخطاب السياسي
من أخطر آثار الجماهيرية أنها ربطت الثروة الخاصة بالفساد والخيانة والاستغلال. وبعد 2011 استمرت هذه النظرة بأشكال مختلفة. لذلك يجب الانتقال إلى خطاب جديد يقول: المستثمر ليس عدواً للمجتمع، التاجر ليس خصماً للفقراء، الربح المشروع ليس فساداً، القطاع الخاص ليس نقيض العدالة الاجتماعية. بل إن وجود قطاع خاص قوي ومستقل هو أحد أهم ضمانات الاستقلال عن السلطة السياسية.
سابعاً: ربط الإصلاح الاقتصادي بالمصالحة الوطنية
هناك جانب غالباً لا يُناقش. فالكثير من النزاعات المحلية والجهوية اليوم تغذيها المنافسة على الريع النفطي. كلما توسع الاقتصاد الإنتاجي تقل أهمية السيطرة على الدولة، وتقل قيمة الغنائم السياسية، وتنخفض دوافع الصراع المسلح. بمعنى آخر، بناء اقتصاد منتج ليس فقط مشروعاً تنموياً، بل هو أيضاً مشروع سلام.
العقدة الحقيقية ليست فقط في الانقسام السياسي أو العسكري. بل العقدة الأعمق هي أن جزءاً كبيراً من النخب المتصارعة، رغم اختلاف شعاراتها، يعتمد على نفس النموذج الاقتصادي الريعي الذي أسسه النظام السابق. ولهذا نجد أن الصراع يدور غالباً حول من يسيطر على الريع أكثر مما يدور حول كيفية إنتاج الثروة.
ومن هنا فإن تفكيك الإرث الجماهيري اقتصادياً يبدأ عندما يتحول النقاش الوطني من سؤال “من يوزع عائدات النفط؟” إلى سؤال “كيف ننتج ثروة خارج النفط؟“
وعندما يصبح نجاح المواطن في مشروعه الخاص أكثر أهمية من قربه من مركز القرار السياسي، يكون المجتمع قد بدأ فعلاً في الخروج من الحلقة التي تشكلت عبر عقود من الاقتصاد الريعي والانقسام المرتبط به.
وبالتالي، أصبحت هناك ضرورة قصوى أن ننتج ثروة خارج النفط. ولكن، كيف؟ ومتى؟ وفي أي فترة زمنية يمكن أن نصل هذا الهدف؟ هذا السؤال ينقل النقاش من مستوى التشخيص إلى مستوى التخطيط الاستراتيجي، وهو بالضبط ما تحتاجه ليبيا اليوم.
الإجابة المختصرة هي: ليبيا تستطيع إنتاج ثروة كبيرة خارج النفط، لكن ليس خلال سنتين أو ثلاث، وإنما عبر برنامج وطني يمتد بين 10 و 15 سنة.
أما الاعتقاد بأن النفط يمكن استبداله بسرعة فهو غير واقعي، لأن النفط اليوم يمثل المصدر الرئيسي للعملة الصعبة والإيرادات العامة. لذلك فإن الهدف ليس الاستغناء عن النفط، بل استخدام النفط لبناء اقتصاد لا يعتمد مستقبلاً على النفط وحده.
__________