بقلم الشّايب

يبدو أننا وصلنا إلى ضرورة التركيز على تفكيك الموروث الثقافي-السياسي لا على الأشخاص. فالأشخاص يتغيرون، لكن الهياكل والعقلية تبقى.

مشروع التفكيك هذا ينبغي ضمه إلى مشروع وطني يساهم في حل الأزمة الليبية من خارج السلطة أي من خلال العمل المدني المجتمعي، وطرح الأفكار الجادة والجريئة في الساحة وبشكل مختصر ولكن بعمق وواقعية، مع توفر الصبر على المشروع، وكل ذلك بهدف مساعدة الجيل القادم من النخب السياسية والأمنية والعسكرية والمجتمعية

 أولاً، ينبغي إعادة تعريف مصطلح تفكيك الجماهيريةحتى لا نخلط بين النظام الجماهيري (الذي سقط 2011) وآثاره (التي لا تزال حية).

ثانيا، ينبغي التخلص من اقتصاد الريع والنخب الوسيطة التي تبقينا ضعفاء ومعتمدين على العطاءلا على الإنتاج.

ثالثا، ينبغي التخلص من سلوك اللامؤسسية التي تجعل الحل شخصياً لا هيكلياً.

التفكيك الحقيقي ليس محاكمة الموتى، بل تفكيك ثقافة القائد الأوحد التي تنتج المستبد والاستبداد.

:العمل المدني المجتمعي يرتكز على 5 أدوات واقعية

1ــ العدالة الانتقالية الشعبية التي يكون أثرها على الجيل القادم كبير وعميق، لأنها تبني وعيا عميقا بأن لا إفلات من العقاب، فتكسر ثقافة التبرير. وأداتها الفاعلة هي توثيق انتهاكات المستبد وأدواتهفي قاعدة بيانات مفتوحة. أي لا تنتظر محاكم الحكومة.

2ــ التعليم الخاص والموازي الذي يخلق نخباً لا تعرف الخوف من الدولة، بل تحرص على الشفافية والمساءلة. وأدواتها المؤثرة كثيرة ومنها طرح مناهج دراسية وبرامج تدريب عملية بديلة في المراكز المجتمعية عن الدولة المدنيةوالمواطنة المتساوية، وخصوصا عبر وسائل الإعلام المحلي والبودكاست.

3 ــ اقتصاد المقاطعة المدنية، الذي يفصل اقتصادياً بين المواطن ومشروع المستبد. ويبدأ بتشجيع المجتمعات في كل المناطق على دعم المؤسسات المالية المستقلة (مصارف صغيرة، تعاونيات) لا المرتبطة بـسلطة المستبد”.

4 ــ التسامح المؤسسي الذي يبني نموذجاً حياً بأن الحل بدون عنفممكن. وذلك من خلال مبادرات صلح قبلي لا سياسي. بحيث يتم تجميع شيوخ من الشرق والغرب والجنوب لحل نزاعات تاريخية وراهنة دون تدخل المستبد.

5 ــ حاضنات تنظيمية خاصة تمكّن الجيل القادم من توظيف خريطة طريق جاهزة، بحيث لا يبدأ من الصفر، وذلك من خلال لقاءات منتظمة لشباب من خلفيات مختلفة تعمل لصياغة ورقة دستورية بديلة تكون جاهزة عند حدوث فراغ.

هناك أفكار جريئة واقعية كثيرة، ومنها ثلاث أفكار قد تكون غير مسموعةلكنها قابلة للتطبيق:

الفكرة الأولى: المطالبة صراحة بـ عسكرة الدولة المدنية حيث لا تناقض، فالدولة المدنية تحتاج إلى جيش واحد محترف، لكن ليس بقيادة أي عسكري. فيكون الجيش تحت سلطة وزير دفاع مدني يُعزل بالبرلمان. هذه الصيغة تجعل النقاش واقعياً وليس أيديولوجياً.

الفكرة الثانية: دعم الضباط الصغار، هناك ضباط في الشرق والجنوب والغرب غير راضين عن هيمنة العائلات على المؤسسة العسكرية. هؤلاء يمكن دعمهم بشكل غير مباشر عبر ورش عمل وبرامج توعية سياسية، بهدف جعلهم بديلاً مستقبلياً.

الفكرة الثالثة: خطة تحييد الجنوب: الجنوب الليبي هو مفتاح الحل، فإذا نجح مشروع مدني في الجنوب قائم على إدارة الموارد المائية والنفطية، فإن المستبد في الشرق والغرب سيفقد أهم أوراقه. وبالتالي علينا التركيز هناك، فهي المنطقة الأقل تشبعاً بالنفوذ الأمني والعسكري.

التفكير المستقبلي يحتم علينا الصبر على الجيل القادم، فنحن نزرع شجرة لا نقطف ثمارها.

هذه الرؤية تتطلب برنامجا زمنيا بـ 15 سنة، (نحن لا ننتظر حلولاً سريعة). ومراحل هذه الرؤية كالتالي:

الأولى: مرحلة توثيق وتوعية.

الثانية: مرحلة بناء نماذج مجتمعية بديلة.

الثالثة: مرحلة انتقال سياسي تدريجي.

تركيزنا سيكون في التالي:

نقل الخبرة بوعي: لا ندرب شباباً فقط، بل نصمم برامج زمالة مدتها سنتان، يخرج منها الشاب قادراً على تأسيس مبادرة شبيهة.

قبول الفشل الجزئي: بعض مبادراتنا ستفشل. بعض النخب التي ندربها قد تنضم للسلطة. هذا ليس خيانة، بل هو تسريب بطيء للأفكار داخل النظام. هناك جيل قادم مختلف سيخرج من هذه التجربة.

الخلاصة العميقة في جملتين

لا يمكننا تفكيك الجماهيرية من الأعلى لأن من في الأعلى هم نتاجها. تفكيكها يكون من الأسفل، عبر خلق بدائل معيشية وثقافية لا تحتاج إلى قيادة المستبد“.

مهمتنا ليست إنقاذ ليبيا اليوم، بل صناعة ليبيين غداً لا يهابون العسكر ولا يقدسون الزعيم، ولا يخافون من الدولة. إذا نجحنا في ذلك، فنحن أكبر من أي حكومة أو جيش.

خلاصة ما وصلنا إليه، يمكن اختزاله في هذه النقاط التي أعتقد أنها تمثل خارطة طريق مختصرةلأي مشروع وطني طموح:

العدو الحقيقي ليس شخصاً ولا عائلة، بل ثقافة القائد المنقذ التي أنتجتها الجماهيرية وتعيد إنتاجها اليوم. فتفكيك هذه الثقافة هو المشروع.

أدواتنا خارج السلطة أقوى مما نتصور: التوثيق، والتعليم الموازي، والاقتصاد المجتمعي، والمصالحات القبلية غير المسيسة. هذه لا تحتاج إذن وزارة دفاع.

الجنوب هو القلب، وليس الهامش. أي حل حقيقي يبدأ من إدارة موارده (المياه والنفط) بنموذج مدني تشاوري.

الصبر ليس أخلاقياً فقط، بل استراتيجياً. أنت تعمل لأفق 15 سنة، ولجيل لا تعرفه بعد. هذا ليس يأساً، بل هو عمق الرؤية.

الجرأة الحقيقية هي أن نعلن أن الدولة المدنية لا تعني بالضرورة انتصار الغرب على الشرق، بل تعني جيشاً مهنياً تحت سلطة مدنية منتخبة، وهذا ممكن نظرياً وعملياً.

المشاريع الوطنية الكبرى نادراً ما بدأت من القصور. معظمها بدأ من غرف جانبية، ومقاهي، وورش عمل صغيرة، وقلوب لم تيأس.

فهل نملك نحن هذه المؤهلات!؟

_____________

Related Articles