الشّايب
أي مشروع تأسيسي حقيقي في ليبيا يجب أن يقوم على ثلاث ركائز لا يمكن تجاوز أي منها:
الركيزة الأولى: التطهير المؤسسي (فصل الإرث)
لا يمكن بناء دولة جديدة على نفس الأشخاص الذين أداروا الدولة القديمة بنفس العقلية. وبالتالي لابد من:
ــ اجتياز شامل للمناصب القيادية: ليس عقاباً، بل إعادة تأسيس. كل منصب إداري (وكيل، مدير عام، رئيس جهاز) يجب أن يُشغّل عبر مسابقة علنية، مع لجنة مستقلة.
ــ تقاعد إجباري لمن تجاوزوا سن الخامسة والستين مع حزمة مالية مجزية، لكسر احتكار الأقدمية على حساب الكفاءة.
ــ إلغاء كل الهياكل الموازية التي أنشئت في العقد الماضي لتوزيع المغانم، وإعادة توزيع مهامها على مؤسسات قانونية قائمة.
الركيزة الثانية: إعادة هندسة العلاقة بين السياسي والإداري
الجماهيرية قتلت الفصل بين السياسة والإدارة. أصبح كل مدير “حاكماً“، وكل وزير “أميراً“، ولذلك لابد من:
ــ فصل دائم لا رجعة فيه: السياسي (وزير، رئيس جهاز) يتولى رسم السياسات، لكن التنفيذ والإدارة بيد جهاز مهني دائم لا يتغير بتغير الوزراء.
ــ قانون الخدمة المدنية الجديد: يمنع التعيينات المؤقتة، ويجعل الترقية بالأقدمية الموزونة بالكفاءة واجتياز الدورات، وليس بالعلاقات.
ــ حظر الجمع بين المنصب السياسي والمنصب التنفيذي أو المالي، تحت طائلة المساءلة.
الركيزة الثالثة: تحويل المواطن من “متلقٍ” إلى “صاحب حق“
في ثقافة الجماهيرية، المواطن كان “مكلفاً” أو “محكوماً“، وليس له حق في الخدمة أو المساءلة، ولذلك لابد من وجود:
ــ ميثاق وطني للمواطن: وثيقة ملزمة قانونياً تحدد حقوق المواطن في الخدمات (مدة أقصاها، الجودة، آلية تظلم).
ــ محاكم إدارية فعالة: تتيح للمواطن مقاضاة أي جهة حكومية تتهاون في تقديم الخدمة أو تماطل، مع تعويضات فعلية.
ــ ميزانيات الخدمات علنية: كل مواطن يعرف كم رُصد لخدمته، وكم صُرف، ومن صرفه.
من الذي سيقوم بهذا التأسيس؟
هنا السؤال الأصعب. لأن من يملك السلطة اليوم (مجلس النواب، المجلس الرئاسي، حكومة الوحدة، الأطراف المسلحة) هم إما نتاج النظام القديم أو شركاء في فساده، أو منشغلون بترتيبات انتقال السلطة لا بناء الدولة.
لذلك، إعادة بناء الدولة لا يمكن أن تأتي من “السلطة المركزية” الحالية، بل عبر مسار موازٍ يتم فيه:
أ) ــ تأسيس مؤتمر وطني تأسيسي (جمعية تأسيسية) يمثل كل الليبيين دون استثناء، يُنتخب لهدف واحد: كتابة دستور دائم ووضع القوانين المؤسسة للدولة (الخدمة المدنية، الانتخابات، اللامركزية، مكافحة الفساد)، ويكون له غطاء دولي وإقليمي لحمايته وضمان تنفيذ مخرجاته. ولا يمكن أن يكون هذا المؤتمر مكون من المجالس الرئاسية والتشريعية أو من الأطراف المسلحة، بل يكون من شخصيات وطنية ونخب مهنية مقبولة من كل الأطراف.
ب) ــ تشكيل حكومة مهام مصغرة لتسيير الأعمال فقط بدلاً من الحكومة الحالية الضخمة (30+ وزيراً، مئات الوكلاء)، وتكون حكومة لا يتجاوز عدد وزرائها 10، ومهمتها الوحيدة: إدارة المرحلة الانتقالية، صرف الرواتب، وتأمين الخدمات الأساسية. وبالتالي ستجرّد من صلاحيات التعيينات والعقود الكبرى، وتُمنح هذه الصلاحيات لهيئات مستقلة.
ج) ــ هيئات وطنية مستقلة بصلاحيات دستورية، ومنها مثلا:
هيئة وطنية جديدة لمكافحة الفساد: بصلاحيات تحقيق وقضائية، ولا تتبع أي سلطة انتقالية بلا شرعية كاملة.
ــ هيئة عليا للخدمة المدنية: تدير شؤون الموظفين، والتعيينات، والترقيات، وتكون مستقلة تماماً عن الوزارات.
ــ هيئة وطنية للانتخابات: دائمة وليست مؤقتة، تتولى كل العمليات الانتخابية.
هل هذا ممكن في الوضع الراهن؟
مادياً وقانونياً: نعم، فالنماذج موجودة في دول خرجت من أنظمة شبيهة (ألمانيا بعد الحرب، رواندا بعد الإبادة).
أما سياسياً فهذا هو التحدي الأكبر. لأنه يتطلب إرادة وطنية جامعة تتجاوز الانقسام الحالي، وضغطاً دولياً منسقاً يربط الاعتراف السياسي والدعم المالي بخطوات حقيقية في بناء الدولة، لا بالتوافقات الهشّة.
والأهم أن تكون هناك نخبة وطنية لديها مشروع واضح، وشجاعة كبيرة للتصدي لمصالح الفاسدين.
:في النهاية، هذا الحديث يصف معركة وجودية بين مشروعين:
مشروع الجماهيرية المستمر: دولة بلا مؤسسات، إدارة بلا كفاءات، سياسة بلا مساءلة، حيث الجميع “حكام” ولا أحد “خادم” للوطن.
مشروع الدولة المدنية الحديثة: دولة القانون والمؤسسات، وإدارة بالكفاءة، وسياسة بالمساءلة، ومواطن له حقوق وعليه واجبات.
الطريق طويل وشاق، لكنه ليس مستحيلاً. ما يحدث اليوم من تآكل للخدمات وانهيار للثقة هو الذي سيخلق في النهاية اللحظة الحاسمة التي لن يكون أمام الليبيين فيها خيار سوى بناء الدولة من جديد، لأن الاستمرار في “اللا دولة” لم يعد يحتمل.
ـــــــــــــــــــــــــــــ