بقلم الشّايب
الاقتصاد والمالية هما المجالان اللذان حافظت الجماهيرية فيهما على أطول عمر في مؤسسات الدولة بعد سقوط النظام، وذلك عبر أنماط التفكير وليس فقط عبر القوانين.
لذلك فالتفكيك هنا ليس إداريًا فقط، بل تفكيك نموذج اقتصادي قائم على الريع، والتوزيع السياسي للثروة، وغياب المساءلة.
يهدف تفكيك آثار الجماهيرية في وزارتي الاقتصاد والمالية إلى ضبط تغول النظام الاقتصاد الريعي من جهة، وحماية المال العام من الفساد المالي من جهة أخرى، وهذا التفكيك يتطلب مقاربة متكاملة تشمل الجوانب التشريعية والمؤسسية والإدارية.
النظام الجماهيري أسس اقتصاداً يعتمد كلياً على الإيرادات النفطية، مما جعل الدولة عبارة عن مُحصِّلة للريع وموزعة له، لا منتجة لقيمة حقيقية. وللخروج من هذا المأزق، ينبغي التوقف عن التعامل مع الإيرادات النفطية كإيرادات جارية تُصرَف بالكامل في الموازنة العامة، بل يجب تخصيص نسبة ثابتة منها لصندوق سيادي يدار وفق أعلى معايير الشفافية والحوكمة الدولية. هذا يحمي الاقتصاد من التقلبات ويحول الريع إلى رأسمال منتج للأجيال القادمة.
كان الدعم في النظام الجماهيري أداة سياسية لشراء الولاء، مما أدى إلى هدر المال العام وخلق أسواق موازية وفساد شامل. وبالتالي ينبغي الانتقال تدريجياً من الدعم العيني (الوقود، المواد الغذائية) إلى الدعم النقدي المباشر للأسر الأكثر احتياجاً، وذلك عبر نظام رقمي شفاف. هذا يضمن وصول الدعم إلى مستحقيه ويحرر الأسواق لتعمل بكفاءة.
أما تنويع القاعدة الاقتصادية فتقتضي تفعيل دور وزارة الاقتصاد في وضع استراتيجيات وطنية لتنويع مصادر الدخل، بعيداً عن النفط. بدءًا بإطلاق برنامج وطني للصناعات التحويلية والزراعية، مستغلاً الموقع الجغرافي والموارد الطبيعية، وإعادة تأهيل المناطق الاقتصادية الخاصة والمناطق الحرة لجذب الاستثمار الأجنبي المباشر، مع وضع قواعد تحمي السوق المحلي وتنقل التكنولوجيا.
الجماهيرية ألغت مفهوم الوزارات التقليدية لفترة، وحوّلت المؤسسات المالية إلى هياكل بيروقراطية معقدة وغير خاضعة للمساءلة، مما مهد الطريق لانفلات مالي وفساد مستشري بعد 2011.
وبدلاً من الميزانية التقليدية التي تعتمد على “الأبواب” (رواتب، نفقات تشغيلية) دون ربطها بأهداف واضحة، وجب الانتقال إلى ميزانية تُخصَّص بناءًا على برامج ومشاريع محددة الأهداف، مع مؤشرات أداء قابلة للقياس. وهذا يجعل الصرف خاضعاً لتحقيق نتائج ملموسة.
لا يزال الانقسام السياسي ينعكس على تعدد مؤسسات مالية موازية. وبالتالي تفكيك أثر الجماهيرية في الدولة يتطلب توحيد السياسات المالية والنقدية تحت سلطة واحدة، وحصر الصرف عبر منصة إلكترونية موحدة، تُظهر كل عملية صرف في لحظتها، وتمنع الازدواجية والإنفاق خارج الميزانية.
ولتحقيق استقلالية الأجهزة الرقابية والمالية ينبغي تفعيل دور جهاز المراقبة المالية الإدارية، ومنحه الاستقلال الفني والمالي، مع إلزام جميع المؤسسات بنشر تقاريرها المالية المدققة من مكاتب محاسبة دولية.
ولعل من الضروري إنشاء آلية قضائية متخصصة ومستقلة لمحاكمة الفاسدين في قضايا الفساد المالي واسترداد الأموال المنهوبة، ولهذا لابد من التعاون مع المجتمع الدولي لاسترداد الأموال الليبية المهربة إلى الخارج. وهذا العنصر هو شرط أساسي لردع أي فساد مستقبلي.
كما ينبغي العمل على تفكيك الإرث الوظيفي الذي قام على الولاء السياسي والعلاقات القبلية، بالإضافة إلى التعيين “السياسي” في النظام الجماهيري الذي كان قائماً على “الانتماء الثوري” وليس الكفاءة.
وهنا لا مفر من تطبيق قانون الخدمة المدنية على أساس الكفاءة والشفافية، مع إجراء تقييم شامل للهياكل الوظيفية في الوزارتين، وتسريح العناصر الفاسدة أو غير المؤهلة مع توفير شبكات أمان اجتماعي عادلة.
لا شك أن القضاء على “الوسيط” الذي كان أساس المعاملات في الاقتصاد الريعي سيكون من التحديات الكبيرة في مسيرة الإصلاح الاقتصادي. وهنا تأتي أهمية رقمنة جميع الخدمات في وزارة الاقتصاد (مثل التراخيص، والتسجيل التجاري، والموافقات الاستيرادية) وفي وزارة المالية (مثل المناقصات، ودفع الموردين، والرواتب). فالمناقصات العامة يجب أن تكون إلكترونية بالكامل ومفتوحة للجميع لضمان النزاهة.
الجماهيرية قضت على أي دور حقيقي للقطاع الخاص، وتفكيك هذا الإرث يتطلب بناء شراكات مع القطاع الخاص وتحويل دور وزارة الاقتصاد من مُرخص إلى مُمَكِّن، وذلك بتبسيط الإجراءات، وحماية الملكية الخاصة، وإنشاء محاكم تجارية متخصصة لحل النزاعات بسرعة، وإلغاء القيود الاحتكارية التي كانت تُمنح تلقائيا لرموز النظام الجماهيري.
وينبغي أيضا إشراك القطاع الخاص والخبراء المستقلين في وضع السياسات الاقتصادية، ونشر موازنة الدولة بلغة مبسطة للجمهور، وعقد جلسات استماع عامة متلفزة حول الميزانية قبل إقرارها.
لا يمكن الحديث عن تفكيك الهيكل الريعي دون معالجة آثاره الاجتماعية. فالاقتصاد الريعي خلق طبقة واسعة تعمل في القطاع العام غير المنتج. ولذلك أي إصلاح يجب أن يصاحبه برامج إعادة تأهيل وتدريب مهني لتحويل العمالة من القطاع العام إلى القطاع الخاص المنتج، وتوفير شبكة أمان اجتماعي قوية لاستيعاب أي صدمات أثناء فترة التحول.
إن تفكيك آثار الجماهيرية في وزارتي الاقتصاد والمالية هو في جوهره مشروع تحويل الدولة من “دولة ريعية مُوزِّعة” إلى “دولة منتجة قائمة على المؤسسات“. ولا يمكن أن ينجح هذا المشروع دون توفر إرادة سياسية عليا تتجاوز المحاصصة الحزبية والإقليمية، وإرادة إدارية حقيقية لإنهاء الفساد.
فالنجاح يتطلب أن تكون الإصلاحات الاقتصادية والمالية هي أولوية مطلقة لأي حكومة قادمة، وأن توضع تحت إشراف آليات رقابية وطنية ودولية لضمان عدم العودة إلى منظومة الفساد القديمة تحت مسميات جديدة.
قبل أن نبدأ في التفكيك علينا أن نقوم بتشخيص إرث الجماهيرية في وزارتي الاقتصاد والمالية:
أولا، تركة الجماهيرية في وزارة الاقتصاد تتركز في نموذج اقتصاد ريعي وموجه سياسيًا (كتوزيع امتيازات بدل خلق قيمة)، وتضخم في القطاع العام كأداة شراء الولاء، وغياب القطاع الخاص الحقيقي (وليس قطاع تابع لا مستقل)، واحتكار الدولة لمفاصل التجارة (كالاعتمادات، الواردات، والعملة). والقطاع الخاص يحتاج إلى الدعم على كل المستويات لفترة من الزمن، بدءًا بتسهيل تأسيس الشركات الخاصة، وتمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة.
وبعد التفكيك ينبغي تنويع مصادر الدخل، بالاهتمام بالخدمات اللوجستية والاستفادة من موقع ليبيا المتميز، وأيضا ينبغي الدخول في مجالات الطاقة المتجددة، والصناعات الخفيفة، والاقتصاد الرقمي.
ثانيا: تركة الجماهيرية في وزارة المالية تتركز في ميزانية “إنفاق” لا “سياسات”، وغياب ربط الإنفاق بالأداء، وتعدد قنوات الصرف (كما في موازنات موازية، والصناديق، والترتيبات خاصة)، وضعف الرقابة الفعلية رغم وجود أجهزة رقابية
وما يلزم لتحقيق التخلص من هذه التركة هو تفكيك منطق “الدولة الموزعة للثروة”، وإلغاء الوظائف الوهمية تدريجيًا (عبر التقاعد المبكر والتحويل للقطاع الخاص)، ووقف التوسع الأفقي في الرواتب، وربط أي توظيف جديد بالإنتاجية
التفكيك أيضا يستهدف شبكة الاعتمادات والريع التجاري، وإلغاء الاحتكار الإداري، وتحرير التجارة تدريجيًا، وبناء نظام شفاف لتخصيص العملة (في المزادات، وعبر منصة إلكترونية).
ولكي يتم تفكيك إزدواجية الإنفاق، ينبغي إغلاق الصناديق الموازية تدريجيًا، ودمج كل الإيرادات في حساب موحد، ومنع الصرف خارج الميزانية. كما ينبغي تبني الشفافية ومنع الغموض المالي، من خلال نشر بيانات شهرية للإنفاق والإيرادات، ونشر الميزانية كوثيقة علنية مفهومة للمواطن.
مشروع التفكيك ينبغي أن يتخذ إجراءات جريئة بهدف إعادة تصميم وزارة المالية بحيث تتحول من وزارة صرف إلى وزارة سياسات مالية بأدوات جديدة كتطبيق “الميزانية القائمة على البرامج” بدل البنود، واستبدال الدعم السلعي (وقود، غذاء) بدعم نقدي مباشر واستخدام منظومة رقم وطني وحسابات مصرفية.
كما ينبغي توحيد سلّم الرواتب وإلغاء الازدواج الوظيفي، وربط الترقيات بالأداء، والتفكير جديا في إعادة هيكلة القطاع العام وذلك بتصنيف الشركات العامة، فمنها شركات ينبغي أن تَبقى وتُدعم، وشركات أخرى تُخصخص، وتقفل شركات أخرى كثيرة بسبب فشلها.
لا شك أن الفساد قد استشرى في مؤسسات الدولة والمجتمع، ولذلك إن الحل يقتضي التفكير في بناء نظام مالي بأولوية مقاومة الفساد، وبأدوات واضحة وحاسمة، كتبني الرقمنة الكاملة إلكترونيا وفي كل المدفوعات الحكومية، مما يمكن الوزارة من التتبع اللحظي للإنفاق، فكل دينار له مسار معروف
وأخيرا، لا يمكننا أن نُجمّل الصورة، لأن هذه الإصلاحات ستُوَاجَه بمقاومة كبيرة من شبكات الفساد، وستُوَاجَه أيضا برفض شعبي بخصوص رفع الدعم، وسيكون هناك صراع سياسي كبير لأن الموارد وتوزيعها هي السلطة الحقيقة في الدولة.
أهم الدروس من تجارب دولية مشابهة، أن التفكيك والتغيير ينبغي أن يكون متدرجا وليس صادما، فأي إصلاح مفاجئ قد يفجر الوضع في البلاد، ولعله من المهم أن نقدم لمرحلة التفكيك والإصلاح بتعويض المواطن، مثلا بتحويل نقدي للمواطن قبل رفع الدعم.
خلاصة مكثفة: تفكيك إرث الجماهيرية في الاقتصاد والمالية يعني إنهاء “الدولة الموزعة” وبناء “دولة منتجة”، وتحويل المال العام من أداة سياسية إلى أداة تنموية، ونقل الاقتصاد من الريع إلى القيمة
___________