بقلم الشّايب

التفكيك الناجح لا يُقاس بسقوط المنظومة، بل بفشلها في العودة. وهذه شروطها:
الشرط الأول: الحدّ الأدنى السيادي قبل الدولة الكاملة
الفكرة المركزية لا تنتقل من اللادولة إلى الدولة دفعة واحدة. هذا وهم قاتل.
الانتقال الآمن يتطلب: نواة سيادية صلبة وصغيرة تسبق التوسع المؤسسي.
ما الذي يجب أن تحتويه هذه النواة؟ احتكار قرار العنف (ولو جزئيًا)، ومرجعية قانونية عليا واضحة، ومسؤولية تنفيذية محددة الأسماء، وقدرة على فرض قرار واحد على الأقل
لا يُشترط: ديمقراطية كاملة، ودولة خدمات شاملة، وإجماع وطني، بل يشترط فقط: وجود “من يقرّر” و”من يُحاسَب”
الشرط الثاني: إغلاق بوابة الشرعية الثورية نهائيًا
لماذا هذا الشرط حاسم؟: لأن الشرعية الثورية لا تنتهي، ولا تُراجع، ولا تُحاسَب، وأي انتقال يبقيها، أي يُبقي الجماهيرية حيّة باسم آخر
ما المقصود بالإغلاق؟: نزع أي صفة فوق دستورية عن الثورة، وعن النضال، وعن التضحيات، وتحويلها إلى ذاكرة وطنية، لا مصدر للسلطة، والفشل هنا يعني عودة السلاح والشارع والزعيم المنقذ
الشرط الثالث: إعادة تأسيس الشرعية على الأداء والإنجاز لا النوايا
التحول الجذري المطلوب في الجماهيرية النية الثورية هي شرعية في ما بعد التفكيك الأداء القابل للقياس هو الشرعية
ماذا يعني ذلك عمليًا؟ سلطة تُقيَّم بما تنفّذ لا بما تقول، فشل معلن لا يُبرَّر، ومحاسبة قبل الإنجاز لا بعد الكارثة. وهذا الشرط يُجفف الخطاب الشعبوي تلقائيًا.
الشرط الرابع: إدارة الخوف الاجتماعي لا تجاهله
حقيقة غير مريحة: المجتمع الخارج من مرحلة الجماهيرية الطويلة، لا يثق في الدولة، ولا في السياسة، ولا في النخب، وأي انتقال يتجاهل هذا سيُقاوَم حتى لو كان صحيحًا
ما المطلوب؟ الاعتراف بالخوف لا إنكاره، طمأنة الناس بالفعل لا الخطاب، وقبول مراحل رمادية لا مثالية. الانتقال ليس مسارًا أخلاقيًا، بل عملية احتواء نفسية جماعية
الشرط الخامس: تحييد الإدارة قبل إصلاحها
لماذا؟ لأن الإدارة الجماهيرية تُفشل أي انتقال دون أن تعلن العداء له، التحييد يعني تجميد قدرتها على التعطيل، وتقليص هامش التقدير، وفرض إجراءات واضحة قصيرة، وتقليل المساحات الرمادية. الإصلاح الشامل يأتي لاحقًا، والتحييد شرط عبور.
الشرط السادس: منع ولادة الاستبداد الوظيفي
الخطر الأكبر بعد التفكيك أن يظهر “استبداد كفؤ” يبرر نفسه بالفوضى السابقة. هذا النوع أخطر من الجماهيرية، لأنه يبدو عقلانيًا، ويكسب دعمًا سريعًا، والمنع يتم عبر حدود صلاحيات واضحة، وآجال زمنية صارمة، ومساءلة مبكرة، وعدم تقديس “المنقذ”.
الشرط السابع: عدم استعجال الديمقراطية الشكلية
فكرة صادمة لكن ضرورية: الانتخابات المبكرة في بيئة لم تُفكك، تعيد إنتاج الجماهيرية بصناديق الاقتراع، والديمقراطية هنا نتيجة لا أداة تفكيك، والشرط هو أن المواطن يمارس حقه في دولة حدّ أدنى لكي يحقق تمثيل سياسي
الخلاصة الاستراتيجية: الانتقال بعد تفكيك الجماهيرية ليس قفزة، بل عبور فوق حقل ألغام، وينجح فقط إذا وُجدت نواة سيادية، وأُغلقت الشرعيات الرمزية، وبُنيت الشرعية على الأداء، وأُدير الخوف الاجتماعي، وحُيّدت الإدارة، ومُنع الاستبداد البديل، وتأخرت الديمقراطية الشكلية.
______________