طارق القزيري
في قلب الصحراء الليبية، وعلى تخوم المتوسط، تتجدد المأساة السياسية بوتيرة لا تمل من إعادة إنتاج ذاتها: صراع سلطة متكرر، انهيار مؤسساتي مزمن، وغياب دائم للدولة الحديثة بالمعنى الحقيقي للكلمة.
غير أن هذا الفشل لم يكن مجرد حصيلة أخطاء تقنية أو سوء إدارة عابر؛ بل هو انعكاس مباشر لبنية ذهنية وثقافية عميقة ما زالت تتحكم في كيفية تصور الدولة وإدارتها في ليبيا.
منذ سقوط النظام السابق العام 2011، بدت الفرصة سانحة لقيام دولة مدنية ديمقراطية. غير أن جوهر الأزمة ظهر سريعاً:
معظم الفاعلين المحليين نظروا إلى الدولة كغنيمة ينبغي الاستحواذ عليها، لا كعقد اجتماعي جامع، مع اختفاء أي قيود مؤسسية، وتاريخ دولة وثقافة تصرفاتها، بفعل عشوائية وتخلف النظام السابق.
المفارقة أن ليبيا بعد الثورة لم تعانِ من غياب الفاعلين السياسيين، بل من تضخم أعدادهم وتصارع مشاريعهم المتوازية والمتناقضة. الدولة لم تصبح مشروع الجميع، بل صارت ساحة اشتباك مفتوحة للجميع.
وبدلاً من تحويل الشرعية إلى مظلة سيادية موحدة، تحولت إلى سلعة يتبارى عليها اللاعبون المحليون والإقليميون والدوليون، كلٌّ يسعى لتركيب «دولته» الخاصة فوق ركام الدولة الأصلية.
وهكذا تناسلت الحكومات والهياكل التنفيذية، وتضخمت الأجسام التشريعية، وتناسلت الميليشيات، بينما ظلت الدولة غائبة خلف واجهات شكلية تتنازعها الولاءات الجهوية والمصالح الفئوية.
في هذا السياق، لا يولّد العنف إلا مزيداً من الأحقاد المترسّبة، ولا تثمر السيطرة الفوقية إلا رغبةً متجددة في التمرد. وكلما تضخمت الأنانيات الفردية والجماعية، انهار الحد الأدنى من التضامن الوطني الضروري لبناء كيان سياسي مستقر.
ليبيا بعد 2011، وقبلها أيضاً، عاشت عكس هذه المعادلة:
- كل سلطة ناشئة تريد إثبات وجودها عبر إقصاء الآخرين لا عبر استيعابهم.
- كل مشروع حكم يبدأ من التخندق، لا من التفاهم.
- كل طرف يتعامل مع الدولة كغنيمة عليه انتزاعها، لا كحاضنة عليه المساهمة في بنائها.
هكذا ينتج الطغيان ـ بكل أشكاله، سواء تحت راية نظام فردي أو سلطة ميليشياوية أو مشروع أيديولوجي ـ بذور فنائه بنفسه؛ لأنه يقوم على فرض الولاء بالإكراه لا على اكتساب الشرعية بالقبول الطوعي.
ذلك أن جوهر الدولة الحديثة لا يكمن في فائض القوة الصلبة، بل في شرعية القوة الناعمة.
فالقائد الذي يحكم من موضع الإلهام لا يحتاج إلى عسف الخصوم ولا إلى تبرير يومي لوجود سلطته؛ لأنه ببساطة يملك شبكة دعم اجتماعي طوعية تعزز استقرار النظام السياسي من داخله.
أما من يعتمد على السلاح وحده لفرض سلطته، فهو في الحقيقة يدفع مواطنيه دفعاً نحو دائرة انتظار لحظة التمرد التالية.
الفشل الليبي في تشييد الدولة الحديثة لا يختزل في الانقسامات الظاهرة ولا في الفوضى الأمنية وحدها، بل في منطق التفكير ذاته:
دولة كآلة سلطة لا كفضاء جامع، كوسيلة سيطرة لا كأفق مواطنة، كحصص غنائم لا كعقد وطني ملزم.
ليبيا لا تعاني من غياب القوة بل من تخمة السيطرة؛ ولا تعاني من قلة الحكومات بل من تضخم السلطات الهشّة؛ ولا تعاني من ضعف الوطنية بل من اختزالها إلى شعارات تستخدم وقوداً للصراع.
:ولهذا كله فشلت محاولات تشييد الدولة الحديثة، لأنها انطلقت
-
من وهم الإكراه لا من حكمة الإقناع.
-
من جوع السلطة لا من نضج القيادة.
-
ومن أنانية السيطرة لا من قوة المشروع المشترك.
وفي ظل هذا المنطق المغلق، تبقى كل محاولة لإعادة هندسة السلطة معرضة للفشل، ما لم تتغير القاعدة ذاتها:
-
من دولة تُبنى بالعنف إلى دولة تُبنى بالإجماع أو بالاتفاق؛
-
من قيادة تسكنها شهوة الاستحواذ إلى قيادة تسكنها شرعية الرضى العام.
بهذه النقلة فقط يصبح للحلم الليبي بدولة حديثة موطئ قدم على أرض صلبة، بعد سنوات طويلة من الدوران فوق رمال متحركة.
_______________
