د. مصطفى التير

هـ – من أداء الحكومات المتعاقبة
تمكّن «المجلس الانتقالي» الموقت من تشكيل حكومة انتقالية حُددت مدتها بسنة، وأوكلت إليها مهام تسيير شؤون الدولة، وإجراء انتخابات لتشكيل هيئة تشريعية تحل محل المجلس، وقد تم هذا. ضمت الحكومة وزيراً للدفاع ووزيراً للداخلية ولم يتمكن كلاهما من تنظيم جيش متماسك، ولا جهاز داخلية يمكنه حفظ الأمن الداخلي، واستمرت الميليشيات المسلحة هي القوة الفعلية على الأرض.
ولم تجد السلطتان بُدًّا من الاستجابة لمختلف الأوامر التي تتقدم بها الميليشيات، إضافةً إلى استرضائها بالمال الذي كان متوافراً. وقد ساهم هذا الإجراء في فتح باب الفساد على مصراعيه؛ فقائد الميليشيا يقدم قائمة بأسماء أعضاء ميليشيته التي غالباً ما تضم أسماء وهمية ليستلم المكافآت الشهرية.
وهكذا أصبح بعض قادة الميليشيات من أصحاب الثروات. النسق نفسه اتّبعه المسؤولون في قطاعات أخرى، لعل أهمها القطاع الذي تولى علاج الجرحى خارج البلاد، وهو ملف أصبح في ما بعد من أضخم ملفات الفساد.
عرفت البلاد بعد ذلك حكومة جديدة باسم الحكومة الموقتة، أُجريت خلال مدتها انتخابات لاختيار أعضاء البرلمان، وهو الجهاز التشريعي الذي يفترض أنه سيحل محل الجهاز السابق «المؤتمر الوطني».
وقد حدثت انقسامات بين أعضائه تتعلق بمكان انعقاده. يفترض أن مدينة بنغازي هي التي ستكون مكان البرلمان، ولكن نظراً إلى الحرب الدائرة في وسط المدينة، فضلت الأغلبية الانتقال إلى مدينة طبرق في أقصى الشرق الليبي كونها مدينة آمنة.
اعترض فريق على هذا القرار، وسمي في ما بعد الفريق المقاطع جلسات البرلمان. وتبين أن أعضاءه من ممثلي التيار الإسلامي الذي لم يحصل على الأغلبية التي كان يتمناها. تسبب هذا الوضع في ارتفاع حدة الفوضى، وهروب رئيس الوزراء، وتولي وزير الدفاع الرئاسة موقتاً، وحرب شعواء مدمرة جرت في طرابلس ودامت 42 يوماً انتهت بهروب الحكومة المؤقتة إلى الجزء الشرقي من البلاد.
أعطت الميليشيات التي انتصرت في حرب طرابلس الأمر إلى أعضاء «المؤتمر الوطني» المنتهية ولايته باستئناف العمل، وتعيين حكومة في مدينة طرابلس. استجاب بعض أعضائه واستأنفوا عقد الجلسات لانتخاب حكومة يكون مركزها مدينة طرابلس، سميت حكومة الوفاق الوطني وتغيرت رئاستها ثلاث مرات خلال عام واحد، والسبب الرئيس هو تدخل الميليشيات.
لم تتمكن جميع الحكومات المتعاقبة من معالجة جوانب الضعف في أداء المجلس الوطني، التي أشير إليها آنفاً، واستمر تحكم الميليشيات المسلحة في المسرح السياسي. كما سمح بعضهم لنفسه بارتكاب ما يعادل جرائم حرب، ومع ذلك لم تستطع السلطة التنفيذية أن تحرك ساكناً.
ارتكبت هذه الأفعال خلال جميع المراحل التي مرت بها البلاد منذ انطلاق الانتفاضة، ولا يوجد ما يشير إلى أنها ستتوقف في المستقبل القريب. حصل بعضها على اهتمام كبير في وسائل الإعلام المحلية والدولية؛ منها على سبيل المثال لا الحصر، التهجير القسري لسكان المدينة، الذين أُجبروا على ترك منازلهم وأمتعتهم لينجوا بأرواحهم.
وتوجد اليوم في الجزء الغربي من البلاد أربع مدن صغيرة خالية من السكان؛ ثلاث منها في الجبل الغربي، والرابعة إلى الشرق من مدينة مصراته، وهي بنيت بالوسائل والمواد الحديثة؛ فيها عمارات سكنية ومبانٍ من طابقين، وأخرى أرضية. وتتوافر فيها مؤسسات الخدمات العامة، كالمدارس والمستوصفات والمتاجر والورش.
يشاهد المتجول في هذه المدن، أن جميع الأبواب إما خلعت من أماكنها وإما فُتحت وبقيت مشرعة. وهكذا تحولت مدنٌ كانت يوماً عامرة بالحياة إلى مدن أشباح.
وشهدت البلاد أيضاً، عمليات الاختطاف والتعذيب ثم إلقاء الضحية على قارعة الطريق، وعدد كبير من هذه الحالات موثق. شملت ضحايا هذا النوع من الجرائم عسكريين سابقين، ورجال أمن، وقضاة، ودبلوماسيين.
وأيضاً، ذلك الشاب الذي اشتُهر خلال الأيام الأولى للانتفاضة بأنه أول من رفع الصوت عالياً بشعار: «الشعب يريد إسقاط النظام». وقد اختطف في مدينة بنغازي، وبعد يومين عُثر على جثته، وعليها آثار التعذيب، في ضاحية خارج المدينة. وكما حدث في كل حالة، فالمتهم بارتكاب هذه لجريمة «مجهولون».
و – التدخل الخارجي : ليبيا كمسرح لتجاذبات إقليمية ودولية
فور اندلاع الانتفاضة، أصبح ما يجري في ليبيا محط اهتمام الدول العربية والعالمية. واللافت للانتباه أن تصريحات بعض رؤساء الدول حوله بدأت في وقت مبكر؛ منذ اليوم الثاني للانتفاضة، تعاقبت التصريحات والمواقف الرسمية بحيث انْضَمّت إلى جانب الدول الكبرى خلال الأسبوع الأول دول عربية وأفريقية، وأخرى بعيدة جغرافياً مثل أستراليا وعدد من دول أمريكا اللاتينية.
وبعد التصريحات الأولية التي شارك فيها رؤساء دول ووزراء خارجية ومندوبون في هيئة الأمم، بدأ التحضير للتدخل الرسمي. كانت البداية اجتماعاً للجامعة العربية، على مستوى المندوبين، تقرر فيه: تعليق مشاركة ليبيا في اجتماعات الجامعة العربية، وفي المنظمات والأجهزة التابعة لها، إلى حين استجابة النظام لمطالب حددها المجلس أهمها: الوقف الفوري لاستخدام العنف ضد المتظاهرين.
وفي 12/3/2011 علقت الجامعة عضوية ليبيا واعترفت بـ «المجلس الانتقالي » كممثل شرعي لليبيين، وطالبت المجتمع الدولي بالتدخل لحماية المواطنين. وبعد يومين فقط، قدم الاقتراح إلى مجلس الأمن، وفي اليوم السابع عشر من الشهر نفسه صدر القرار الرقم 1973، الذي فتح الطريق أمام استخدام جميع السبل، بما فيها القوة العسكرية، لمساعدة الثورة الليبية.
وبدا واضحاً أن الدول التي تبنت فكرة مساعدة الثورة الليبية، تُحركها أهداف ومصالح خاصة، ولم تكن الأهداف المعلنة المتمثلة بحماية المدنيين من بطش الدكتاتور وحدها المحرك للاهتمام.
كما تبين، منذ الأيام الأولى لتدخل دول خارجية في الشأن الليبي، أن أهداف تلك الدول ليست واحدة، مما يعني أن البلاد أصبحت ضحية صراع إقليمي – دولي، يعمل على تأجيج الخلافات الداخلية، بدلاً من المساعدة في تخفيفها.
اهتمت كل دولة بالتدخل في الشأن الليبي،لأنّها كانت ترغب في الحصول على نفوذ أكبر مما حصلت عليه في السابق. مساحة البلد كبيرة، وعدد سكانه صغير، ومخزونه المعروف من ثروات النفط والغاز، ضخم مقارنةً ببقية البلدان المنتجة هذه الثروة. و
كانت لكل بلد خطته؛ فتوجهت أنظار بعضهم مباشرة نحو المكاسب الاقتصادية، بينما اهتم بعضهم الآخر بشكل النظام السياسي الذي سيخلف نظام العقيد، بهدف أن تصبح ليبيا تابعة لتلك الدول.
تنافست الدول لحصول شركاتها على نسبة أكبر من عقود النفط والغاز، لذلك تواجد في الفندق الذي أقام فيه أعضاء «المجلس الوطني الانتقالي» – إلى جانب سياسيين وعسكريين – رجال أعمال لهم علاقة بالشركات العالمية للطاقة والتشييد والبناء، وتركزت أنشطتهم اليومية في التواجد في بهو الفندق، ومحاولة بناء علاقات مع المتنفذين الليبيين الجدد، والدخول في مباحثات حول تنفيذ مهام اقتصادية بعد انتهاء الانتفاضة.
اهتم بعض الكتّاب والباحثين بمتابعة مظاهر التنافس بين بعض البلدان لضمان التبعية السياسية للنظام السياسي الليبي الجديد. يذكر هؤلاء دولاً تتقدمها قطر والإمارات وتركيا، ثم مصر والجزائر، إلى جانب عدد من الدول الغربية كالولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا.
وبرزت قطر منذ الأيام الأولى كداعم رئيس للمنتفضين، ومن دون حدود، وفي مختلف المجالات السياسة والاقتصادية والعسكرية. لكن توضح كتابات وتصريحات الذين كانوا في قلب الحدث، مثل محمود جبريل وعبد الرحمن شلقم، أن قطر كان لها مشروع، وكانت منحازة لدعم فصيل الإسلام السياسي الذي يطلق عليه بعضهم الإسلام المعتدل.
لم تحظ الشعارات التي رفعها شباب الانتفاضة، للمطالبة بالعدل والمساواة وتوطين حقوق الإنسان وبناء الدولة المدنية ونشر الديمقراطية قيماً وممارسة، بالتقدير. لذلك، لم تعطِ الدول التي شاركت في الحرب إلى جانب المنتفضين، عناية كافية إلى ترتيب الأوضاع بعد انتهاء الصدام المسلح.
فانسحبت فجأة، واعتبرت أن مهمتها انتهت بموت القذافي. وتركت الساحة عبارة عن ركام؛ ركام على الأرض يمثله حطام المباني والأسلحة، وركام إداري بعد اختفاء الأجهزة الإدارية للدولة، مما أدى في النهاية إلى أن تنزلق البلاد نحو حالة من الفوضى المدمرة وغير الخلاقة.
وبدت الميليشيات التي ترفع شعارات دينية وتعلن عن أفكار متطرفة، أكبر المستفيدين من حال الفوضى، فتمكنت من فرض سيطرتها في البداية على مدينة واحدة، وتتمدد في ما بعد لتصل إلى جميع أطراف البلاد.
ولم تخفِ الدول التي انحازت إلى أحد أطراف النزاع الداخلي موقفها، فواصلت دعمها المعنوي والإعلامي والمادي وتوريد السلاح رغم الحظر الذي فرضه المجتمع الدولي من خلال قرار مجلس الأمن رقم 1970 في 26/2/2011.
تقدر كميات السلاح المنتشر في ليبيا، بفعل توزيعه من قبل نظام القذافي، أو من طريق استيلاء الثوار عليه، بعشرات الملايين بين ثقيل ومتوسط وخفيف. ومع ذلك، لم يتوقف النشاط الخاص باستيراد السلاح، ولا تزال دول عربية وأخرى غير عربية، تتعاون مع الميليشيات في هذا الشأن.
إنّ الدول التي سارعت إلى تأييد التدخل العسكري في ليبيا، وشاركت فيه، بررت موقفها حينذاك بحماية المدنيين من بطش دكتاتور متعجرف. حدث هذا على الرغم من أن القذافي ابتعد من سياساته المعادية للغرب الذي رحب به وقبل به شريكاً في مجالات متعددة. لا بل كان من بين رؤساء هذه الدول مَن كان على علاقة خاصة وحميمية بالقذافي.
هل حركت، فعـلاً مشاهد المآسي – الذي استطاع شباب شبكات التواصل الاجتماعي، وبعض الفضائيات تسريبها إلى خارج ليبيا – ضمائر هؤلاء الزعماء، فضربوا عرض الحائط بالعلاقات الشخصية في سبيل الوقوف وراء هدف نبيل؟
لكن لماذا لم يتدخل هؤلاء من قبل لإنقاذ الضحايا عندما ارتكب النظام مجازر محلية، وتحدى العالم فأرسل فريقاً لاغتيال معارضيه في شوارع أهم عواصمه؟ ثم هل عادت الضمائر – بعد رحيل القذافي – إلى نومها؟ فالقتل وفظاعة التعذيب والخطف والتدمير، الذي حدث خلال السنتين الأخيرتين، فاق ما يقابله من تلك التي حدثت في بداية الانتفاضة.
كل الذي فعله بعض هؤلاء الزعماء هو الاستمرار في ترديد الاستنكارات التي اتخذت شكل أسطوانة مشروخة. ألا يؤدي هذا إلى إثارة سؤال حول الأهداف والأجندات غير المعلنة؟ فهل سبب التدخل هو إبعاد القذافي من السلطة والقضاء على مشروعه التوريثي؟ أم أن بعض المتدخلين لهم مصلحة خاصة في استمرار الصراع بين الأطراف الليبية المتناحرة؟
أما بالنسبة إلى الدول الغربية، فيبدو الأمر وكأن بعضها يؤيد فكرة استمرار الصراع والتدمير على الأرض، بهدف التخلص من أكبر عدد من المحاربين، الذين قد يشكلون خطراً على أمن أوروبا والولايات المتحدة، ولفتح مجالات أوسع للشركات الغربية التي ستتولى إعادة بناء البنية التحتية.
فعلاقة السياسة بالاقتصاد علاقة قوية عند نسبة كبيرة من رجال السياسة الغربيين. ثم يوجد مشهد التقسيم؛ وهو، كما يبدو، سياسة موجهة نحو المنطقة العربية كلّها. فمع رعاية الأمم المتحدة الحوار الليبي – الذي يبدو في مظهره يهدف إلى الخروج بحكومة توافق – فإن علاقات الزعماء الغربيين بالأطراف التي تعرقل هذه المسيرة لم تتوقف، وإن دأب هؤلاء، بين الحين والآخر، على إصدار تصريحات تلوح بفرض عقوبات على القيادات المعرقلة الحوار.
ولتكرار هذه التصريحات وعدم ربطها بأفعال، أصبحت مجالاً للضحك والاستهزاء والتندّر بين المتابعين الشأن الليبي، داخلها وخارجها.
…
يتبع
_____________
