بقلم الشّايب

وزارة الداخلية في ليبيا سواء في الشرق أو الغرب هي من أكثر الوزارات التي تعاني من آثار الجماهيرية السلبية، وينعكس ذلك على العلاقة بين وزارة الداخلية والمواطن حيث لم تتغير المعاملة السيئة للإنسان الليبي بعد 2011 ولذلك لابد من تفكيك آثار الجماهيرية في هذه الوزارة حتى يتمكن الشعب الليبي من إعادة بناء الدولة المدنية الديمقراطية

هذا التحليل يشير للأسباب الجذرية للأزمة الأمنية في ليبيا، فقد تركت عقود من حكم الجماهيرية إرثاً ثقيلاً من الإرث المؤسسي، وتهميش دور الدولة، وعلاقة قائمة على القهر بين المواطن والمؤسسة الأمنية.

لقد تحقق قدر من التقدم المؤسسي بعد 2011، إلا أن العقبات السياسية والأمنية الهائلة لا تزال تعيق مسيرة بناء وزارة داخلية قوية ومحايدة، وهي ركيزة أساسية لأي دولة مدنية.

إصلاح وزارة الداخلية لا يقتصر على تغيير الأشخاص أو الهياكل، بل يتطلب تفكيك الثقافة المؤسسية والممارسات التي ترسخت خلال عهد الجماهيرية واستمرت، بدرجات مختلفة، بعد 2011.

وأهم ما في هذه الرؤية هو الانتقال من مفهوم «وزارة الداخلية كأداة للسيطرة على المواطن» إلى مفهوم «وزارة الداخلية كمؤسسة لحماية المواطن وخدمة القانون».

ومن هذا المنطلق، يمكن أن يرتكز الإصلاح على عدة محاور:

ــ إعادة تعريف علاقة رجل الشرطة بالمواطن، بحيث يكون احترام الكرامة الإنسانية وسيادة القانون أساس التعامل، لا الاستعلاء أو التخويف أو الإهانة.

ــ إصلاح العقيدة الأمنية، أي الانتقال من أمن النظام إلى أمن الدولة والمجتمع، بحيث تكون مهمة الوزارة حماية الحقوق والحريات والأمن العام، وليس حماية السلطة السياسية.

ــ إعادة بناء المؤسسات واللوائح بما يضمن وضوح الصلاحيات والمساءلة، ويمنع استخدام الأجهزة الأمنية بصورة شخصية أو سياسية.

ــ التدريب المهني والحقوقي لأفراد الشرطة، خصوصاً في مجالات حقوق الإنسان، الإجراءات القانونية، التعامل مع الجمهور، فض النزاعات، واستخدام القوة بصورة متناسبة ومقيدة بالقانون.

ــ المساءلة الداخلية والخارجية، لأن إصلاح وزارة الداخلية لن ينجح إذا ظل المواطن عاجزاً عن الشكوى من تجاوزات رجل الشرطة أو الحصول على إنصاف فعلي.

ــ فصل الشرطة عن الصراع السياسي، بحيث لا تتحول الوزارة إلى طرف في المنافسة بين القوى السياسية أو المناطقية، بل تصبح مؤسسة وطنية تعمل وفق القانون.

ــ تغيير الثقافة اليومية داخل مراكز الشرطة؛ فالدولة المدنية لا تُبنى بالنصوص الدستورية وحدها، وإنما يختبر المواطن وجودها عندما يدخل مركز الشرطة، أو يقدم بلاغاً، أو يطلب حماية، أو يتعامل مع رجل أمن.

والأهم أن تفكيك آثار الجماهيرية لا يعني الانتقام من موظفي وزارة الداخلية أو إقصاء كل من خدم في مؤسسات الدولة سابقاً، بل يعني تفكيك القواعد والممارسات والعقليات التي تتعارض مع الدولة القانونية، مع الحفاظ على الخبرات المهنية وإعادة توظيفها داخل مؤسسة حديثة خاضعة للقانون والمساءلة. بهذا المعنى، فإن إصلاح وزارة الداخلية يمكن أن يكون أحد المشروعات الأساسية للانتقال من دولة السلطة إلى دولة القانون في ليبيا.

الإرث المؤسسي ومحاولات الإصلاح

بعد عام 2011، بُذلت جهود حقيقية لتجديد هيكل وزارة الداخلية وتحديد مهامها بما يتوافق مع مبادئ الدولة المدنية. فقد صدر القرار رقم 145 لسنة 2012 الذي وضع إطاراً قانونياً جديداً للوزارة ونظم اختصاصاتها، ونص بوضوح على مهامها في حماية الأرواح والممتلكات ونشر الوعي الأمني ومكافحة الجريمة . كما تم حل الأجهزة الأمنية التابعة للنظام السابق كجهاز الأمن الداخلي والخارجي، وهي خطوة شكلت الأساس القانوني لإعادة البناء.

استمرار التحديات التي تعيق التغيير

على الرغم من هذه الجهود، لا تزال وزارة الداخلية تعاني من تحديات عميقة، وهي في صميم ما ذكرته:

ــ ضعف السيطرة وتغلغل الميليشيات: لا تزال قدرة الوزارة على فرض هيبة الدولة وقرارها محدودة، وتوصف أحياناً بأنها “ضعيفة” ويغلب عليها “التسلط السياسي”. وينبع هذا الضعف من استمرار وجود الميليشيات والكتائب المسلحة التي تتحدى سلطة الدولة وتتحكم في مفاصل الأمن. وقد تحولت هذه الجماعات من أدوات مؤقتة في مرحلة انتقالية إلى فاعلين بنيويين في النظام السياسي والأمني، مما أعاد توزيع النفوذ خارج الإطار الرسمي للدولة .

ــ غياب الثقة بين المواطن والمؤسسة الأمنية: هذا هو الوجه الآخر للعملة. فطالما بقيت الميليشيات هي الفاعل الأمني الحقيقي، وطالما ارتبطت الوزارة بمنظومة القمع القديمة في أذهان المواطنين، ستظل العلاقة قائمة على عدم الثقة والخوف. لم يطرأ تغيير جوهري على “المعاملة السيئة”، لأن البيئة الأمنية ذاتها لم تتغير بشكل كافٍ.

الطريق إلى الدولة المدنية: مطلب تفكيك الإرث

إن بناء دولة مدنية ديمقراطية في ليبيا يمر حتماً عبر إصلاح شامل وعميق لوزارة الداخلية، وهذا الإصلاح يتطلب معالجة متكاملة:

ــ استعادة الاحتكار الشرعي للقوة: لا يمكن لأي إصلاح أن ينجح دون تفكيك الميليشيات ونزع سلاحها، ودمج عناصرها في مؤسسة أمنية وطنية واحدة تخضع للقانون والسلطة المدنية. هذا هو التحدي الأكبر والأكثر تعقيداً .

ــ تغيير ثقافة المؤسسة الأمنية: لا يقتصر الإصلاح على الهيكل، بل يتطلب تغييراً جذرياً في ثقافة وعقلية منتسبي الوزارة، من ثقافة القمع إلى ثقافة الخدمة العامة وحماية الحقوق، وقطع كلي مع إرث الجماهيرية.

ــ بناء الثقة مع المواطن: يجب أن تقترن إجراءات نزع السلاح بسياسات واضحة لتعزيز الشفافية، وحماية حقوق الإنسان، ومحاسبة المقصرين، وإشراك المجتمع في عملية الإصلاح، لاستعادة الثقة المفقودة.

لقد أقرت وزارة الداخلية نفسها في بياناتها بأنها تسعى لتحقيق الأمن في “إطار دولة مدنية ديمقراطية حديثة” ، وهذا اعتراف بالهدف، لكن الطريق إليه لا يزال طويلاً وشاقاً، ويتطلب إرادة سياسية حقيقية لدعم دور المؤسسة الأمنية وتجريدها من نفوذ الفاعلين غير الشرعيين.

تشير المعلومات المتاحة إلى أن العلاقة بين وزارة الداخلية والميليشيات في ليبيا ليست علاقة تأثير خارجي فحسب، بل هي علاقة اندماج وارتباط عضوي. فبعض أقوى الميليشيات في طرابلس كانت تعمل رسمياً تحت مظلة الوزارة، مما يجعل عملية الفصل بين المؤسسة الأمنية والفاعلين غير الشرعيين معقدة للغاية.

دور الميليشيات كفاعلين أساسيين في الدولة

لم تقتصر سلطة هذه الميليشيات على المجال الأمني، بل امتدت لتشمل جوانب أخرى من الحياة العامة، مما يوضح عمق نفوذها:

ــ السيطرة على المال العام: اتُهمت ميليشيا جهاز دعم الاستقرار بالسيطرة على توزيع التحويلات النقدية من البنك المركزي والعديد من الشركات والوزارات العامة.

ــ النفوذ السياسي: يُعد قادة هذه الميليشيات، فاعلين سياسيين بارزين. وقد أظهرت التقارير أن غنيوة كان ينتقد رئيس الحكومة علناً قبل مقتله، مما يعكس دوره كقوة سياسية مؤثرة.

ــ أحداث عنف متكررة: كشفت اشتباكات مايو 2025، التي اندلعت بعد مقتل غنيوة، عن حدة التنافس بين هذه الميليشيات، حيث تحرك وحدات موالية لوزير الداخلية عماد الطرابلسي للاشتباك مع قوات الردع. هذا يؤكد أن هذه الجماعات، رغم انتمائها الرسمي للوزارة، تظل جهات عسكرية متحاربة لا تخضع لسلطة مدنية موحدة.

محاولات إصلاح محدودة

على الرغم من الاندماج العميق، تظهر بعض التقارير محاولات حكومية لإعادة هيكلة الأجهزة الأمنية وتقليص نفوذ بعض القادة. ففي أعقاب اشتباكات مايو 2025، قام رئيس الحكومة بتعيين قائد جديد لجهاز الأمن الداخلي وحل إدارة عمليات الشرطة القضائية، المرتبطة بقائد مطلوب للمحكمة الجنائية الدولية، وإلغاء جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية المثير للجدل. ومع ذلك، تبقى هذه الإجراءات محدودة في مواجهة النفوذ الراسخ للميليشيات.

تجارب الدول الأخرى تُظهر بوضوح أن التحدي الذي تواجهه ليبيا ليس فريداً، لكنها تقدم أيضاً أدلة قوية على أن النجاح في تفكيك إرث الميليشيات وإعادة بناء مؤسسة أمنية وطنية ممكن، وإن كان صعباً. ويمكن استخلاص الدروس الأساسية من ثلاثة نماذج رئيسية:

الدروس المستفادة من النماذج الدولية

ــ تجربة سوريا: مسار الدمج مقابل المخاطر (نموذج معاصر قيد التطبيق). تواجه سوريا تحدياً مشابهاً جداً، حيث تسعى حكومتها الانتقالية لدمج فصائل مسلحة متنوعة ضمن هيكل الدولة .

  • الخطوة الجوهرية: في خطوة تاريخية، تم التوصل لاتفاق لحل جميع الفصائل وإدماجها في مؤسسات الدولة. ومن أبرز الأمثلة، اتفاق دمج قوات سوريا الديمقراطية (قسد) الذي يشمل دمج قواتها العسكرية والأمنية في وزارتي الدفاع والداخلية، بالإضافة لنقل السيطرة على موارد حيوية كالنفط والمطارات .

  • تقدم ملموس: أُفيد بأن نحو 9,000 مقاتل سابق قد تم دمجهم بالفعل في المؤسسات الأمنية السورية. كما يجري العمل على تشكيل ألوية عسكرية جديدة تضم مقاتلي “قسد” السابقين .

  • تحذير هام: يحذّر المحللون من أن عملية الدمج هذه، إن لم تترافق مع إصلاح شامل ورقابة مدنية، قد تتحول إلى أداة سيطرة جديدة، مما يعيد إنتاج النموذج القمعي السابق بدلاً من بناء دولة مدنية. هذا يؤكد على ضرورة أن يكون الهدف هو تفكيك الميليشيات عبر برامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، وليس مجرد إعادة تسميتها تحت مظلة الدولة .

ــ تجربة العراق: مخاطر الإدماج الجزئي (نموذج تحذيري) تمثل تجربة العراق بعد عام 2003 تحذيراً مهماً لليبيا.

  • قوة الإدماج الوهمي: تم إدماج “الحشد الشعبي” في هيكل الدولة رسمياً بقانون، وحاولت الدولة إلغاء أسماء الميليشيات الفردية واستبدالها بأرقام ألوية محايدة .

  • النتيجة: على الرغم من هذا الإدماج الشكلي، احتفظت الفصائل بولائها لقادتها الأصليين واستقلاليتها، مما جعلها أداة بيد جهات إقليمية (كإيران) وأضعف سيادة الدولة، وساهم في زعزعة الأمن الداخلي والعلاقات الخارجية. العبرة هنا هي أن الإدماج بدون نزع سلاح حقيقي وولاء مؤسسي لا يصلح، بل قد يكرس الانقسام.

ــ تجارب ناجحة في إفريقيا: برامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج. هناك نماذج نجحت في تحويل المقاتلين السابقين إلى مواطنين منتجين من خلال برامج منظمة، وهو جوهر ما تحتاجه ليبيا.

  • ليبيريا وسيراليون: نجحت هذه الدول في نزع سلاح وإعادة دمج عشرات الآلاف من المقاتلين السابقين في المجتمع، وربطت ذلك ببرامج وطنية للمصالحة وتوفير فرص العمل .

  • جمهورية إفريقيا الوسطى: تُظهر التقارير أمثلة حية على استسلام مقاتلين سابقين طوعاً، وتسليم أسلحتهم، ثم التحاقهم ببرامج تدريب مهني أو الانضمام للقوات الوطنية بعد عملية فرز .

  • جمهورية الكونغو الديمقراطية: في إقليم إيتوري، يشارك مقاتلون سابقون بعد تسريحهم في مشاريع مجتمعية، كالتوعية الصحية ومكافحة الأمراض، وإقامة مشاريع إنتاجية تدر دخلاً لهم وتخدم مجتمعاتهم. هذا يحوّلهم من مصدر للخوف إلى عنصر بناء، وهو جوهر إعادة بناء الثقة مع المواطن.

العبرة الأساسية لليبيا

الخلاصة التي تقدمها هذه التجارب هي أن “تفكيك آثار الجماهيرية” في وزارة الداخلية لا يتحقق بمجرد قرارات إدارية، بل باتباع مسار منظم يتضمن:

ــ دمج حقيقي مع نزع سلاح: يجب أن يكون الإدماج في وزارة الداخلية جزءاً من برنامج شامل لنزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، مع عملية فرز للمقاتلين بناءً على كفاءتهم وخلو سجلاتهم من الانتهاكات .

ــ بناء الثقة من خلال الخدمة: إعادة تأهيل المقاتلين السابقين وإشراكهم في مشاريع خدمة المجتمع خطوة جوهرية لكسب ثقة المواطن .

ــ الرقابة المدنية والشفافية: منع تحول المؤسسة الأمنية إلى أداة سيطرة جديدة يتطلب رقابة مدنية حقيقية وشفافية في عمليات الدمج والتعيين .

ــ إرادة سياسية واستقرار مالي: كل هذه العمليات تحتاج إلى إرادة سياسية وتمويل مستدام ودعم دولي .

____________