هجمات المسيرات تستهدف المصفاة وخزانات الوقود ومحطة التحلية وسط تحذيرات من توقف العمليات.

تكشف الهجمات المتكررة بالطائرات المسيرة على منشآت النفط في مدينة الزاوية أن الخطر الذي يواجه قطاع الطاقة الليبي لم يعد محصورا في إغلاق الحقول أو الاحتجاجات وقطع الطرق، وإنما بدأ ينتقل إلى مرحلة أكثر خطورة تتمثل في استهداف البنية التحتية التي تقوم عليها عملية الإنتاج والتكرير والتخزين وتوزيع الوقود.

وخلال يومين فقط، تعرضت منشآت نفطية وحيوية في الزاوية لأكثر من ثلاث هجمات، في تطور دفع المؤسسة الوطنية للنفط إلى إعلان حالة الطوارئ القصوى والتحذير من إمكانية إعلان القوة القاهرة ووقف عمليات مصفاة الزاوية إذا استمرت الهجمات.

وتكمن خطورة هذا التطور في طبيعة المنشأة المستهدفة وموقعها داخل منظومة الطاقة الليبية. فمصفاة الزاوية، الواقعة على بعد نحو 40 كيلومترا غرب طرابلس، تبلغ طاقتها التكريرية نحو 120 ألف برميل يوميا، وهي أكبر مصفاة عاملة في ليبيا في ظل استمرار توقف مصفاة رأس لانوف.

ولا تعمل المصفاة بمعزل عن بقية شبكة الطاقة، بل ترتبط بإمدادات النفط الخام من حقل الشرارة، أحد أهم حقول البلاد، والذي تبلغ طاقته الإنتاجية نحو 300 ألف برميل يوميا. ومن ثم، فإن أي اضطراب طويل الأمد في الزاوية يمكن أن يتحول من مشكلة أمنية محلية إلى أزمة في سلسلة الإمداد النفطية بأكملها.

اللافت في الهجمات الأخيرة ليس عددها فحسب، وإنما تنوع الأهداف. فقد استهدفت الطائرات المسيرة خزان وقود، ومنشآت لتخزين ومعالجة النفط، ومصنع خلط وتعبئة الزيوت، إضافة إلى محطة لتحلية المياه.

وأدى أحد الهجمات إلى اندلاع حريق في خزان تابع لشركة البريقة لتسويق النفط كان يحتوي على نحو 4.5 ملايين لتر من البنزين، ما أدى إلى انهياره.

وفي هجوم آخر، أصابت طائرة مسيرة خزاناً يحتوي على النافتا غير المعالجة، متسببة في أضرار وتسرب، بينما استهدفت طائرة مسيرة محطة لتحلية المياه في هجوم منفصل.

ويشير هذا النمط إلى أن المسألة لا تتعلق فقط بإلحاق أضرار رمزية بمنشأة نفطية، وإنما بإمكانية إضعاف منظومة متكاملة من المنشآت التي تعتمد عليها المدينة والمنطقة الغربية في الطاقة والوقود والخدمات الأساسية.

وحتى إذا نجحت فرق الإطفاء والعاملون في منع توقف المصفاة، فإن استمرار الهجمات يمكن أن يفرض واقعا جديدا: منشآت تعمل تحت التهديد، وعاملون في بيئة عالية المخاطر، وتكاليف تشغيل وتأمين أكبر، واحتمال متزايد لتعليق العمليات إذا أصبح استمرارها يشكل خطرا على الأرواح أو المعدات.

وهنا تأتي إشارة المؤسسة الوطنية للنفط إلى القوة القاهرة باعتبارها أكثر من مجرد تحذير إداري. فهي تعكس إدراكا بأن استمرار النشاط النفطي يحتاج قبل كل شيء إلى حد أدنى من الأمن الميداني.

المفارقة أن النفط ظل طوال سنوات الانقسام السياسي أحد المجالات القليلة التي حافظت على قدر من الاستمرارية المؤسسية، رغم الصراع بين الحكومتين في طرابلس وبنغازي وتعدد القوى المسلحة.

لكن هذه المعادلة تظل هشّة. فكلما اتسعت رقعة الصراع الأمني، أصبح من الصعب فصل قطاع النفط عن التوازنات العسكرية والسياسية التي تحيط به.

وتأتي هجمات الزاوية في وقت تشهد فيه المنطقة الغربية توترات واشتباكات متكررة بين مجموعات مسلحة. وقبل أيام فقط، شهدت الزاوية ومدينة صرمان المجاورة مواجهات أسفرت عن قتلى وجرحى وفرار سجناء.

وبذلك، تجد حكومة الوحدة الوطنية نفسها أمام معادلة صعبة: حماية المنشآت النفطية تتطلب فرض سلطة أمنية موحدة، لكن تحقيق هذه المهمة يصطدم بواقع انتشار السلاح وتعدد مراكز القوة وعدم اكتمال بناء مؤسسات أمنية موحدة.

وقد شدد رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبدالحميد الدبيبة، عقب الهجمات، على ضرورة التعامل بحزم مع أي تهديد يطال المنشآت والمرافق الحيوية، ودعا إلى رفع مستوى التنسيق والجاهزية بين الأجهزة العسكرية والأمنية.

لكن قدرة الحكومة على تحويل هذه التوجيهات إلى ترتيبات أمنية مستدامة ستظل موضع اختبار، خصوصا أن الهجمات لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عنها حتى الآن، كما لم تتضح الجهة التي تقف وراءها أو دوافعها.

ولا تقتصر تداعيات الخطر على ليبيا. فأمن المنشآت النفطية الليبية يرتبط بصورة مباشرة بأمن الطاقة في البحر المتوسط، خصوصا بالنسبة إلى الدول الأوروبية التي تنظر إلى ليبيا باعتبارها مصدرا قريبا للنفط والغاز ويمكن أن يساعد في تنويع الإمدادات.

وبالتالي، فإن أي تدهور طويل الأمد في البيئة الأمنية الليبية لا يعني فقط انخفاضا محتملا في الإنتاج، وإنما يزيد أيضا من المخاطر السياسية والأمنية المرتبطة بالاستثمار في قطاع الطاقة، ويجعل الشركات الأجنبية أكثر حذرا في توسيع عملياتها.

وتكتسب المسألة أهمية أكبر في بيئة طاقة أوروبية شديدة الحساسية تجاه أي اضطراب في الإمدادات. فكل برميل ليبي يتوقف عن الوصول إلى الأسواق يرفع أهمية المصادر البديلة ويزيد المنافسة على الإمدادات المتاحة في البحر المتوسط والأسواق العالمية.

لكن الخطر الأكبر قد لا يكون في حجم الإنتاج الذي يمكن أن تخسره ليبيا، وإنما في قابلية قطاعها النفطي للتعطل السريع. فالقطاع سبق أن تعرض خلال السنوات الماضية لإغلاقات واحتجاجات وصراعات سياسية، ما يعني أن أي إضافة إلى هذه المخاطر الأمنية يمكن أن تجعل تدفقات النفط أكثر تقلبا.

حتى الآن، لا توجد مؤشرات كافية للقول إن الهجمات تمثل حملة منظمة تستهدف قطاع النفط الليبي بأكمله. لكن تكرارها خلال فترة زمنية قصيرة، وتنوع المنشآت المستهدفة، يجعلان تجاهل دلالاتها أمرا محفوفا بالمخاطر.

فإذا تمكنت السلطات من وقف الهجمات وحماية المنشآت، فقد تبقى القضية في إطار أمني محلي. أما إذا استمرت أو امتدت إلى منشآت أخرى، فقد تدخل ليبيا مرحلة جديدة يصبح فيها أمن الطاقة جزءا مباشرا من الصراع على النفوذ.

وهنا تكمن أهمية الزاوية: المدينة ليست مجرد نقطة على الخريطة النفطية الليبية، وإنما حلقة تربط الإنتاج بالتكرير والتخزين والتوزيع. وضرب هذه الحلقة يمكن أن تكون له تداعيات تتجاوز الأضرار المادية المباشرة.

لذلك، فإن المعركة المقبلة في ليبيا قد لا تكون فقط حول من يسيطر على الحقول أو المؤسسات، بل حول من يستطيع ضمان استمرار تدفق النفط في بلد لا يزال عاجزا عن بناء منظومة أمنية موحدة.

وإذا استمرت الفوضى في الاقتراب من المنشآت الحيوية، فقد يصبح النفط الليبي رهينة لمعادلة جديدة: كلما طال الانقسام السياسي، اتسعت المخاطر الأمنية، وكلما اقتربت هذه المخاطر من البنية التحتية للطاقة، أصبح الاقتصاد الليبي نفسه أكثر عرضة للابتزاز والتعطيل.

___________