خالد محمود

تحوّلت أزمة الكهرباء في ليبيا إلى غضب شعبي عارم ينذر بمواجهة مفتوحة بين شارع يطالب بكرامته وسلطات غارقة في عجزها وتراشقها السياسي، في مفارقة سريالية ودراماتيكية في بلدٍ يعوم على بحيرة من النفط والغاز.
على مدى الأسبوعين الماضيين، تعرّضت مختلف مناطق البلاد لسلسلة لا تتوقف من الانقطاعات المفاجئة للتيار الكهربائي، ما أدّى إلى حالات الإظلام التام (البلاك أوت)، التي تشكّل تهديداً فعلياً للأمن القومي وصحة المواطنين الليبيين المحاصرين بين سوء الإدارة وتصفية الحسابات السياسية، وتستنزف جيوبهم.
غليان شعبي وتراشق سياسي
ومع تجاوز الانقطاعات الطويلة عشر ساعات يومياً وسط موجة حر خانقة، انفجرت الاحتجاجات في مدن عدة في الغرب الليبي، بما فيها العاصمة طرابلس، حيث أغلق مواطنون غاضبون الطرق بالإطارات المشتعلة، والسواتر الترابية، وأعلنوا عصياناً مدنياً شمل إغلاق مؤسسات حكومية وشركات عامة، مطالبين بوضع حد لانقطاع الكهرباء وتحسين الخدمات الأساسية.
وتصاعد الأمر باقتحام محتجين مجمع ملّيتة النفطي والغازي غرب العاصمة، مما أدى إلى توقف إمدادات الغاز الطبيعي وتوقف إنتاج حقلَي الفيل والوفاء النفطيين، وهدّد بإظلام شامل ينهي ما تبقّى من قدرة الشبكة الكهربائية المحلية على الصمود، ويهدّد إيطاليا المعتمدة على هذا الخط، خاصةً أنّ المحتجين أعلنوا “نيّتهم إيقاف إمدادات الغاز المتجهة إليها احتجاجاً على الأوضاع الراهنة“.
وفي رد فعل يعكس خطورة الموقف، هدّدت حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة، بخيار القوة، وأصدرت تعليمات للجيش والأجهزة الأمنية لبسط السيطرة على المجمع وإعادة فتح خطوط الغاز بالقوة، محذّرةً من التعامل الحاسم مع أيّ مساس بالمنشآت السيادية.
وبينما شنّ الدبيبة هجوماً حادّاً على إدارة الشركة العامة للكهرباء، ردّت الأخيرة بأنها سبق لها أن حذّرت الدبيبة مراراً من نقص إمدادات الغاز والوقود الثقيل الذي أدى إلى فقدان نحو 1،000 ميغاواط من القدرة الإنتاجية، لكن هذه التحذيرات لم تُؤخذ بعين الاعتبار.
في المقابل، أشاد رئيس حكومة الاستقرار الوطني الموازية في شرق البلاد، أسامة حماد، “بجهود العاملين في الشركة العامة للكهرباء ورئيس مجلس إدارتها محمد المشاي، الذين يواصلون أداء مهامهم لإعادة التيار الكهربائي في أسرع وقت ممكن“.
ودخل المجلس الأعلى الدولة على خط الأزمة، عبر توجيهه اتهامات مباشرة لحكومة الوحدة وشركة الكهرباء بالإخفاق في إدارة الملف برغم الاعتمادات الضخمة، مطالباً الجهات الرقابية والقضائية بتحقيق عاجل في شبهات الفساد وسوء الإدارة، كما خلص إلى أنّ حلّ الأزمة يكمن في الإصلاح المؤسسي الشامل وليس في التدابير المؤقتة.
في تقريره الصادر في آذار/ مارس الماضي، اتهم فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة الشركة العامة للكهرباء في ليبيا بالتسبب في أزمة الوقود، وأشار إلى أنها تواصل طلب كميات مبالغ فيها جداً من الديزل المستورد، وأنّ جزءاً فقط من هذه الكميات يُستخدم فعلاً في توليد الكهرباء، بينما يتم تهريب الباقي بشكل غير المشروع من قبل جماعات مسلّحة.
وأكد التقرير أنّ رئيس الشركة محمد المشاي، استمر في التواطؤ مع فاعلين مسلّحين، ورفض الشفافية أمام هيئات الرقابة، وعمل خارج الإطار القانوني، مما ساهم في اختلاس الأموال العامة وتمويل الجماعات المسلحة، وأدى إلى تفاقم نقص الوقود المخصّص للمحطات وتدهور القدرة على توليد الكهرباء.
وفي السياق ذاته، رأى الناشط والمدوّن الليبي محمد قشوط، أنّ الأزمة تجاوزت حدود المشاكل الفنية لتدخل مرحلة “إذلال المواطن الليبي“، محذّراً من أنّ البلاد تسير في طريق سقوط الدول بسبب هذا الفساد ما لم يحدث تغيير جذري أو انتفاضة شعبية تُعيد للشارع كرامته.
وفي محاولة للتخفيف من حدّة الانهيار الذي أصاب الشبكة، لجأت السلطات الليبية إلى الاستعانة بخطّ الربط الكهربائي مع مصر، التي استأنفت تصدير الكهرباء إلى ليبيا بقدرة أوّلية بلغت 70 ميغاواط، بعد سداد الجانب الليبي نحو 100 مليون دولار من المتأخرات المتراكمة المقدّرة بنحو 141 مليون دولار.
وبالفعل، ساهمت هذه الإمدادات في إعادة شحن المحطات الرئيسية وإدخال وحدات التوليد تدريجياً إلى الخدمة، خاصةً في المنطقة الشرقية، لكنها تبقى حلّاً مؤقتاً لا يعالج الجذور الهيكلية للأزمة.
معاناة المواطنين
وتتمدّد هذه الأزمة بظلالها الثقيلة إلى تفاصيل الحياة اليومية للمواطنين، إذ دفع الارتفاع الشديد في درجات الحرارة وانقطاع التيار لساعات طويلة، وصلت إلى نصف يوم في مناطق عدة، أهالي العاصمة طرابلس إلى ابتكار وسائل غير معتادة، من بينها تعبئة سياراتهم بالوقود والبقاء داخلها لفترات طويلة للاستفادة من مكيّفات الهواء، هرباً من حرارة المنازل المرتفعة.
وأدّى هذا النمط والاعتماد المكثّف على المولدات الخاصة، إلى طفرة غير مسبوقة في الطلب على البنزين والديزل، واختناقات مرورية أمام المحطات في مدن مثل بنغازي ومصراتة وزليتن.
وتضيف الأزمة بعداً إنسانياً في مدن مثل ترهونة، حيث تسبّب نقص الديزل وانقطاع الكهرباء في تقليص حصص المخابز إلى النصف، مما هدّد قدرتها على توفير رغيف الخبز اليومي للمواطنين، وحوّل الأزمة من ضغوط معيشية إلى تهديد مباشر للأمن الغذائي اليومي.
ومع إظلام المدن واستمرار الانقطاعات لمسافات زمنية طويلة، استعاد الشارع الليبي التحذيراتِ الشهيرة التي أطلقها العقيد الراحل معمر القذافي قبل سقوط نظامه عام 2011، من أنّ غياب الدولة واستقرارها سيعيد البلاد إلى ظروف خمسينيات القرن الماضي، ويحرم الليبيين من أبسط الخدمات الأساسية وفي مقدمتها المياه والكهرباء.
وفضلاً عن الخسائر الاقتصادية، يلقي انقطاع التيار بظلال نفسية وصحية ثقيلة على الحياة اليومية لليبيين الذين يعيشون في ظروف قاسيةَ في ظلّ تزامن الانقطاعات مع موجات الحرّ والرطوبة العالية، خاصةً المصابين بالأمراض المزمنة والحساسية، حيث كادت الحرارة تلامس الخمسين درجةً مئويةً.
وتعبيراً عن الاحتقان الشعبي، صبّ مواطن ليبي جام غضبه على السلطات الحاكمة في البلاد خلال مقابلة تلفزيونية، عبر مقارنة ساخرة بالصين التي يبلغ عدد سكانها 1.4 مليارات نسمة والذين لا تنقطع عنهم الكهرباء، بينما يعجز المسؤولون عن إدارة دولة تعدادها أربعة ملايين نسمة؛ يمكن وضعهم في شارع واحد في شانغهاي، على حد قوله.
وأظهر استطلاع أجرته وكالة الأنباء الليبية الرسمية (وال)، حالةً عارمةً من الغضب والإحباط الشديد بين المواطنين، عقب تحطّم آمالهم وتلاشي الوعود الرسمية بتحسين جودة الطاقة، مع تجاوز انقطاع التيار 8 ساعات يومياً بالتزامن مع موجات الحرّ والرطوبة.
ولفت الاستطلاع إلى أنّ حالة الاحتقان تفاقمت بفعل الشعور بعدم العدالة في توزيع ساعات طرح الأحمال بين المناطق والمدن، واستمرار الأزمة برغم التزام المواطنين بدفع فواتير الاستهلاك وضخّ أموال طائلة للشركة العامة للكهرباء دون جدوى.
الفجوة بين النفط والكهرباء
وتكشف الأزمة عمق الفجوة بين الإمكانات النفطية والغازية الضخمة التي تمتلكها البلاد، وبين قدرتها الفعلية على تحويل هذه الثروة إلى خدمات مستقرّة للمواطنين، حيث يؤكّد الخبير الاقتصادي المتخصص في مجال الطاقة، محمد أحمد الشحاتي، في حديثه إلى رصيف22، أنّ الأزمة في جوهرها تعود إلى قصور في الاستثمار والإدارة والتخطيط، وليست أزمة موارد.
ويوضح الشحاتي أنّ الاستهلاك المنزلي شهد نمواً متصاعداً لم يرافقه توسع مماثل في محطات التوليد أو تحديث لشبكات النقل والتوزيع خلال العقد الماضي، مما أدى إلى اتساع الفجوة بين العرض والطلب وتفاقم ظاهرة طرح الأحمال التي أثقلت كاهل المواطنين والأنشطة الاقتصادية بتكاليف إضافية باهظة.
ويشير الشحاتي إلى أنه برغم الوفرة المالية التي تحققت سابقاً بفضل التحوّل إلى الغاز الطبيعي، إلا أنها لم تُستثمر كفاية لتطوير المنظومة، محذّراً من أنّ استدامة قطاع الكهرباء باتت مرتهنةً كلياً باستدامة إنتاج الغاز.
من وجهة نظر الشحاتي، فإنّ أيّ تراجع في الإمدادات أو تأخّر في تطوير حقول جديدة دون إيجاد بدائل، سيعيد المنظومة قسراً إلى استهلاك الوقود السائل (الديزل وزيت الوقود)، وهو خيار يحمل تداعيات اقتصاديةً حادّةً نظراً إلى محدودية القدرة التكريرية المحلية، مما سيفضي حتماً إلى زيادة واردات المشتقات وارتفاع الضغط على احتياطيات النقد الأجنبي وميزان المدفوعات والمالية العامة، لتتحول الأزمة من مجرد خلل فني في التوليد إلى تهديد يمسّ الاستقرار الاقتصادي للدولة بأكملها.
ويتفق مع هذا الرأي أستاذ الاقتصاد في جامعة بنغازي، علي الشريف، عبر تأكيده أنّ المشكلة ليست في نقص الموارد، بل في “سوء الإدارة وضعف التخطيط وغياب الاستثمارات المستدامة في قطاع الكهرباء والطاقة“.
وفيما تبقى أسئلة الشارع الليبي بلا أجوبة بشأن استمرار هذا الفشل، تغرق مدن ليبيا التي تزوّد أوروبا بالغاز في الظلام، تعبيراً عن أزمة تتجاوز مجرد انقطاع لخدمة أساسية، وتجسّد الفجوة الهائلة بين ثروة دولة تتجدّد وتتبدد، وكرامة مواطن تُستنزف يومياً.
___________
