بقلم الشّايب
هناك تحديات تواجه النخبة السياسية المدنية في المرحلة القادمة، ومنها تحدي القدرة على الفعل السياسي، كأحزاب ومنظمات المجتمع المدني، وتجمعات نخبوية كثيرة.
بل أن هناك شعورا يتكرر في كثير من التجمعات، يمكن تلخيصه في سؤال: إذا لم ننزل إلى الشارع، فماذا نفعل؟ لكن هذا السؤال يخفي افتراضًا غير مُعلن، وهو أن العمل الحقيقي لا يكون إلا في الشارع، بينما كل ما عداه مجرد تنظير أو تردد أو تقاعس نخبوي.
الحقيقة أن المسألة ليست في النزول إلى الشارع أو عدم النزول إليه، وإنما في من يملك مشروعًا عند النزول للشارع؟
فإن النزول بلا مشروع قد ينتج صورة إعلامية، لكنه يترك فراغًا تملؤه الجهات الأكثر تنظيمًا أو الأكثر قدرة على استخدام القوة.
وبالتالي، أي فراغ تنظيمي في الحراك المدني يمكن أن تستفيد منه قوى أكثر تنظيمًا أو أكثر استعدادًا للمواجهة. لذلك يصبح السؤال ليس: هل ننزل للشارع؟ بل: متى، ولماذا، وبأي قيادة، وبأي أهداف، وبأي خطة للخروج؟
في الواقع، هناك ثلاثة أنماط من الفعل السياسي ينبغي التمييز بينها:
أولا، الفعل الانفعالي الذي يستجيب لحدث ما، ويعلن موقفا سياسيا منه
ثانيا، الفعل الاحتجاجي الذي يهدف إلى الضغط على السلطات، ومحاولة التأثير في قراراتها.
ثالثا، الفعل الإستراتيجي المدروس الذي يهدف إلى يؤثر في البيئة التي تنتج الأحداث
وهنا لابد من التمييز بين النشاط والإنجاز، مثلا:
ــ عقد ندوة ثم ينتهى كل شيء (نشاط)، عقد ندوة تنتج فريق عمل دائم (إنجاز)
ــ إصدار بيان ثم يختفى (نشاط)، إصدار بيان يوقع عليه مئات الشخصيات (إنجاز)
ــ القيام بحملة إعلامية لمدة يومين (نشاط)، إنشاء منصة تجلب اهتمام الناس (إنجاز)
ووصف الإنجاز ينطبق على الكثير من النشاطات والفعاليات، مثل:
-
إصدار بيان يحظى بتأييد واسع
-
إنتاج دراسة تؤثر في النقاش العام
-
إطلاق حملة توعوية ناجحة
-
بناء مجموعات محلية في عدة مدن
-
إنشاء منصات إعلامية موثوقة.
فكل نجاح صغير يضيف إلى رصيد القوة المدنية.
وهنا نحتاج إلى تصحيح مفهوم خاطئ عن الفعل السياسي، وهذا المفهوم منتشر في الثقافة السياسية الليبية، وهو القول بـ “إذا لم تكن مستعدًا للمواجهة، فأنت متردد.” بينما التاريخ السياسي يقدم صورة أكثر تعقيدًا.
فالقيادة ليست اختيارًا دائمًا بين الشجاعة والخوف، بل بين المخاطرة المحسوبة والمخاطرة غير المحسوبة.
والقائد لا يُقاس فقط بقدرته على تحريك الناس، بل أيضًا بقدرته على حماية طاقتهم من الاستنزاف. فإرهاق المجتمع في معارك لا تغيّر ميزان القوى قد يضعف القدرة على خوض معارك أكثر تأثيرًا عندما تتوافر ظروف أفضل.
ومن الخطأ أن نتحدث عن “العمل السياسي” وكأنه نشاط واحد، بينما يمكن تقسيمه إلى أربعة مسارات متوازية:
أولا، بناء الوعي وإنتاج الأفكار والسرديات والقيم.
وثانيا، بناء التنظيم وتكوين الشبكات والكوادر وآليات التنسيق.
وثالثا، بناء النفوذ المجتمعي بالتواجد في الجامعات، والبلديات، والنقابات، والروابط المهنية، والمبادرات المحلية.
ورابعا، الضغط السياسي بإصدار البيانات، وإدارة الحملات، وتنظيم الاحتجاجات، وترتيب الحوارات.
إذا تقدّم المسار الرابع على الثلاثة الأولى، يتحول الضغط إلى فعل موسمي ينتهي بانتهاء الحدث. أما إذا بُني على قاعدة معرفية وتنظيمية ومجتمعية، فإنه يصبح أكثر قدرة على الاستمرار وتحقيق نتائج.
وأعتقد أن هذا ينسجم مع أي مشروع وطني لا يبحث عن تعبئة لحظة سياسية عابرة، بل يسعى لبناء قوة مدنية مستدامة تكون قادرة على السير بخطوات ثابتة للمساهمة في إعادة بناء الدولة.
ففي العلوم السياسية والإدارة هناك فرق بين الحدث والتراكم. فالقوى التي تعتمد على الحدث تعيش على القفزات؛ أما القوى التي تبني التراكم فإنها قد تبدو بطيئة، لكنها بعد سنوات تصبح صاحبة التأثير الأكبر.
ولذلك على أي مشروع وطني أن يضع استراتيجية يحدد فيها مصادر القوة المدنية لديه، ومراحل بنائها، وكيف تُحول المشروع من نشاط نخبوي محدود إلى قوة مجتمعية مؤثرة دون أن تعتمد على امتلاك السلاح أو الدخول في صدام مباشر مع الخصوم.
في الحالة الليبية، هناك مشكلة نفسية قبل أن تكون سياسية في العمل السياسي. فمنذ عام 2011 ارتبط في الوعي العام مفهوم النجاح السياسي بالحدث الكبير: إسقاط نظام، أو تشكيل حكومة جديدة، أو المساهمة في اتفاق دولي، أو المشاركة في انتخابات مؤجلة. وبالتالي أصبح الناس يقيسون النجاح بما يحدث خلال أسبوع، لا بما يُبنى خلال سنوات.
لذلك ربما نحتاج إلى تغيير معيار النجاح نفسه. فبدلاً من أن نسأل: هل غيّرنا المشهد السياسي؟ نسأل: هل زدنا القوة المدنية هذا الشهر بنسبة 1٪؟ قد تبدو هذه النسبة متواضعة، لكن إذا استمرت بشكل منتظم، فإنها تصنع فارقًا كبيرًا على المدى الطويل.
وأخيرا: ما هي “الإنجازات الصغيرة“؟
يمكن أن نقول إن أي نشاط لا يُعد إنجازا إلا إذا حقق خمسة شروط وهي:
ــ أن يضيف قدرة جديدة للمشروع، وليس مجرد نشاط ينتهي بانتهائه
ــ أن يحقق أثرا يمكن قياسه بوضوح
ــ أن يكون ممكن البناء عليه في الخطوات التالية
ــ أن يزيد الثقة داخل الفريق ولدى الجمهور
ــ أن يقترب بالمشروع من هدفه الاستراتيجي
فإذا لم تتحقق هذه الشروط، فقد يكون النشاط مفيدًا، لكنه ليس إنجازا استراتيجيًا.
ومن زاوية أخرى فأن من المهم على أي مشروع وطني ألا يسعى إلى تحقيق أكبر أثر إعلامي، بل إلى لتحقيق أكبر رصيد تراكمي.
وهذا الرصيد التراكمي قد يكون:
-
انضمام شخصيات جديدة للمشروع
-
اكتساب الفريق خبرات جديدة
-
زيادة الثقة في المشروع لدى الجمهور
-
صنع شبكة علاقات واسعة، ومعرفة مفيدة وموثقة
-
تفعيل أدوات تنظيمية فعالة،
-
تحقيق سمعة كبيرة بجدية واتزان المشروع.
هذه أصول غير ملموسة، لكنها مع الوقت تصبح رأس المال الحقيقي لأي حركة مدنية.
أحيانًا تشعر النخب بأنها “لا تفعل شيئًا” لأنها تقارن نفسها بالقوى التي تملأ المشهد يوميًا بالتصريحات أو الاستعراضات. لكن التاريخ يُظهر أن هناك فرقًا بين من يحتل المشهد ومن يبني القدرة.
فقد يحتل طرف ما المشهد لفترة ما، بينما يكون طرف آخر يبني بصمت شبكاته وأفكاره ومؤسساته، ثم يصبح لاحقًا أكثر قدرة على التأثير.
_____________