بقلم الشّايب

زاوية أخرى مؤثرة سلبا في المشهد الليبي وهو القَبول المجتمعي للفوضى وغياب القانون وعجز الحكومات، مما دفع المواطن البسيط إلى التوق إلى الدكتاتور الذي يحكم بالقوة بل أن أحد الشعارات السائدة حاليا، هو هذا الشعب ما تنفع معاه إلا العصا.

وهذه بالفعل واحدة من أخطر نتائج الإرث الجماهيري في ليبيا، لأنها لا تتعلق فقط بالسياسة، بل بإعادة تشكيل وعي المجتمع تجاه الدولة والسلطة والقانون. فحين يعيش الناس عقودًا في ظل نظام يربط الاستقرار بالخوف، ويُضعف المؤسسات عمدًا، ثم يدخلون بعد ذلك في فوضى طويلة وعنف وانقسام، يصبح الحنين إلى “الحاكم القوي” رد فعل مفهوم اجتماعيًا، حتى لو كان خطيرًا سياسيًا.

أما شعار “هذا الشعب ما تنفع معاه إلا العصا” فهو ليس مجرد عبارة عابرة، بل تعبير عن أزمة عميقة في العلاقة بين المجتمع والدولة، وعن انهيار الثقة في إمكانية إدارة الاختلاف بالقانون والمؤسسات. وبالتالي لابد من استيعاب أن:

أولًا: الجماهيرية لم تُنتج مواطنًا بل “رعية خائفة”

النظام الجماهيري لم يبنِ ثقافة مواطنة، ولا احترامًا للمؤسسات، ولا تداولًا طبيعيًا للسلطة. بل رسّخ شخصنة الدولة، وتقديس القوة، والخوف من القانون بدل الثقة فيه. وكان مفهوم “هيبة الدولة” يُختزل غالبًا في الردع الأمني، والخوف من العقوبة، لا في عدالة المؤسسات. ولهذا بعد سقوط النظام لم نجد مؤسسات مستقرة يُلجأ إليها، ولا ثقافة سياسية ديمقراطية متجذّرة، ولا ثقة بأن القانون قادر على الحماية. فحدث الارتداد النفسي نحو “على الأقل الدكتاتور كان يفرض النظام”.

ثانيًا: الفوضى الطويلة أعادت إنتاج الحنين للاستبداد

كلما طال الانقسام، وزاد انتشار السلاح، وعجزت الحكومات، وتفشى الفساد، وانهارت الخدمات، وساد الإفلات من العقاب، تعززت فكرة أن الحرية سبب الفوضى. وهنا تظهر أخطر معادلة تربط الديمقراطية بالفشل، بينما يُربط القمع بالاستقرار. وهذه نتيجة طبيعية حين يفشل الانتقال السياسي في إنتاج الأمن، والعدالة، والخدمات، والقانون.

ثالثًا: شعار “العصا” يعكس أزمة ثقة لا طبيعة الشعب

من الخطأ التعامل مع هذا الشعار باعتباره “حقيقة أنثروبولوجية” عن الليبيين. فكل المجتمعات التي مرت بحروب، أو انهيار دولة، أو فوضى طويلة، ظهر فيها الحنين إلى السلطة الصلبة. حدث هذا في بعض دول أمريكا اللاتينية، وأفريقيا، والشرق الأوسط، وحتى أوروبا بعد الحروب. لأن الإنسان حين يفقد الأمان، واليقين، والاستقرار الاقتصادي، قد يفضّل “النظام القاسي” على “الفوضى المفتوحة”.

إذًا القضية ليست أن الشعب “يحب الدكتاتورية”، بل أنه شعب خائف، ومُنهك، وفاقد للثقة، ويبحث عن أي صيغة توقف الانهيار.

رابعًا: أخطر أثر للجماهيرية هو ربط الدولة بالقوة لا بالقانون

هذا الإرث ما زال حاضرًا في الخطاب السياسي، والإعلام، وحتى التربية الاجتماعية. فكثيرون ما زالوا يرون الحاكم القوي أهم من المؤسسة القوية، والأمن أهم من الحقوق، والطاعة أهم من المشاركة. وهنا يكمن التحدي الحقيقي وهو كيف تُقنع مجتمعًا مرهقًا بأن القانون يمكن أن يفرض النظام، دون العودة للاستبداد؟

خامسًا: تفكيك هذا الأثر يحتاج إلى “نجاحات دولة” لا مجرد خطابات

لا يمكن مواجهة الحنين للدكتاتور بالشعارات الديمقراطية فقط. إذا بقيت الخدمات منهارة، والسلاح منتشرًا، والقضاء عاجزًا، والفساد بلا عقاب، فسوف ينتصر خطاب “نحتاج رجلًا قويًا”. ولهذا فإن الدفاع عن الدولة المدنية في ليبيا يجب أن يكون عمليًا في وجود شرطة تحترم القانون لكنها حازمة، وقضاء فعّال، وخدمات مستقرة، ومكافحة فساد حقيقية، وحماية الناس من الميليشيات، وإنهاء الإفلات من العقاب. أي أن الدولة الديمقراطية يجب أن تُثبت قدرتها على الحكم، لا فقط على الكلام عن الحرية.

سادسًا: المطلوب إعادة تعريف “هيبة الدولة”

في الإرث الجماهيري كانت الهيبة تعني الخوف، أما في الدولة المدنية فالمفترض أن تعني احترام القانون، وفعالية المؤسسات، وعدالة القضاء، وحماية الحقوق، وعدم السماح بالفوضى. فالناس لا تريد الفوضى، لكنها أيضًا لا تريد أن تُسحق. والتحدي الليبي هو بناء معادلة (دولة قوية… لكن ليست مستبدة).

سابعًا: السلم المجتمعي يحتاج إلى استعادة الثقة في القانون

حين يرى المواطن أن: المجرم يُحاسب، والمسؤول يُراقب، والسلاح غير الشرعي يُواجه، والحقوق تُحمى، فإن الحاجة النفسية إلى “المنقذ المستبد” تبدأ بالتراجع تدريجيًا. أما حين يشعر أن لا قانون، ولا دولة، ولا عدالة، فإن الخوف يدفعه للبحث عن “العصا”.

ثامنًا: المعركة الحقيقية ثقافية أيضًا

ليبيا لا تحتاج إصلاحًا أمنيًا أو سياسيًا فقط، بل أيضًا إعادة بناء الثقافة السياسية. أي الانتقال من ثقافة الخوف، وثقافة الزعيم، وثقافة الغلبة، إلى ثقافة المواطنة، والمساءلة، والتعايش، واحترام القانون. وهذا يحتاج تعليمًا، وإعلامًا، وخطابًا دينيًا معتدلًا، ونخبًا لا تمجّد الاستبداد عند كل أزمة.

ولهذا فإن تفكيك أثر الجماهيرية في هذه النقطة تحديدًا يعني تفكيك الفكرة التي تقول إن “الاستقرار لا يأتي إلا بالخوف”. لأن هذه الفكرة هي التي تجعل أي فوضى مؤقتة تتحول لاحقًا إلى مبرر دائم لإعادة إنتاج الاستبداد.

هناك شعور سائد بأن الناس اعتادت على العنف والفوضى وغياب القانون حتى أن شعار الشعب يريد إسقاط النظاميفسره البعض بأن المقصود بإسقاط النظام هو الفوضى.”

هذا الشعور منتشر في ليبيا وفي دول أخرى مرت بانهيار الدولة أو بحروب طويلة، لكنه يحتاج إلى تفكيك دقيق حتى لا يتحول إلى “حكم نهائي” على المجتمع نفسه. لأن القول إن: “الشعب يريد الفوضى” أو “الناس لا تعيش إلا بدون قانون” غالبًا ما يكون تبسيطًا لواقع أكثر تعقيدًا.

الأقرب إلى الحقيقة هو أن سنوات الجماهيرية ثم الصراع بعد فبراير أنتجت تآكلًا في الثقة بالقانون، واعتيادًا على إدارة الحياة خارج الدولة، وتطبيعًا تدريجيًا مع العنف والفوضى، لكن هذا لا يعني أن المجتمع “يفضل الفوضى” بطبيعته. ولعدة أسباب:

أولًا: الجماهيرية أضعفت فكرة الدولة من الأساس

واحدة من المفارقات الكبرى أن النظام الذي كان يرفع شعارات “السلطة الشعبية” و”هيبة الدولة” عمل فعليًا على إضعاف المؤسسات، وإلغاء الحياة السياسية الطبيعية، وتفكيك المجتمع المدني، وربط كل شيء بالأجهزة الأمنية والولاء الشخصي. فلم يتكوّن لدى الناس احترام راسخ للمؤسسات، ولا ثقة مستقرة بالقانون، ولا ثقافة إدارة الخلاف سلميًا. ولهذا بعد سقوط النظام ظهرت فراغات ضخمة من يحكم؟ من يفرض القانون؟ من يحتكر القوة؟ من يملك الشرعية؟ ومع غياب الإجابات، تمددت الفوضى.

ثانيًا: التكيّف مع الفوضى لا يعني حبها

المجتمعات حين تطول فيها الأزمات تتكيف مع الواقع من أجل البقاء، تلجأ الناس للسلاح للحماية، أو للقبيلة، أو للجماعات المسلحة، أو للعلاقات الشخصية بدل القانون. هذا يسمى أحيانًا “التكيّف مع الدولة الضعيفة”، ومع الوقت يصبح السلوك غير الطبيعي “طبيعيًا” وإطلاق النار أمر مألوف، وقطع الطرق يصبح وسيلة ضغط، والسلاح يمنح مكانة، وتجاوز القانون يبدو أسرع وأكثر فاعلية. لكن هذا لا يعني أن الناس سعيدة بالفوضى، بل يعني أنها فقدت الثقة بأن النظام الرسمي قادر على حمايتها.

ثالثًا: تفسير “الشعب يريد إسقاط النظام” باعتباره دعوة للفوضى هو جزء من معركة السردية

هناك سردية تقول “كل محاولة للتغيير تؤدي إلى الخراب، إذًا الاستبداد أفضل”. هذه السردية تتغذى من فشل المرحلة الانتقالية، والانقسام، والعنف، والفساد بعد 2011.

لكن يجب التمييز بين فشل إدارة الانتقال، وبين رفض فكرة الحرية أو التغيير نفسها. فالناس حين خرجت في فبراير لم تطالب بالمليشيات، أو الفوضى، أو انهيار الدولة. بل طالبت بالكرامة، والعدالة، وإنهاء القمع، ودولة قانون. لكن غياب المؤسسات، والتدخلات الخارجية، والإرث الثقيل، والسلاح، أدت إلى انحراف المسار.

رابعًا: أخطر ما حدث هو “تطبيع العنف”

بعد سنوات طويلة من الحروب، والاغتيالات، والخطف، والسلاح المفتوح، والخطاب التحريضي، أصبح العنف أقل صدمة اجتماعيًا. وهذا خطير جدًا لأنه يُضعف التعاطف، ويُبرر الانتقام، ويجعل القانون يبدو ضعيفًا، ويخلق أجيالًا نشأت على أن القوة أهم من المؤسسات. وهنا يصبح تفكيك أثر الجماهيرية وما بعدها ليس فقط مسألة سياسية، بل أيضًا نفسية، وثقافية، وتربوية.

أما الشعور السائد بأن الناس اعتادت على العنف والفوضى وغياب القانون ، حتى أن شعار الشعب يريد إسقاط النظام فسره البعض بأن ما يقصده الشعب بإسقاط النظام هو الفوضى

خامسًا: المشكلة ليست “طبيعة الشعب” بل غياب العقد الاجتماعي

حين يشعر المواطن أن: الدولة لا تحميه، والقانون لا يُطبق، والفساد بلا عقاب، والسلاح أقوى من القضاء، فإنه يبدأ في إدارة حياته خارج الدولة. ومع الزمن تظهر عقلية “كل شخص يدبر نفسه”. وهذا يُنتج فوضى، وضعف ولاء للدولة، وتراجع فكرة المصلحة العامة. إذًا المشكلة ليست أن الليبيين “ضد النظام”، بل أن الثقة بالعقد الاجتماعي انهارت.

سادسًا: أخطر أثر نفسي للفوضى هو الإحساس بعدم جدوى القانون

حين يرى الناس أن: المسلح يفلت، والفاسد ينجو، والضحية لا تُنصف، فإن احترام القانون يتآكل تدريجيًا. وعندها يصبح السؤال “لماذا ألتزم أنا إذا كان الآخر لا يلتزم؟”. وهنا تدخل المجتمعات في دائرة خطيرة تعنى مزيد من الفوضى، ثم مزيد من الحنين للقوة الصلبة، ثم قبول أكبر بالقمع.

سابعًا: كسر هذه الدائرة يحتاج إلى “استعادة المعنى”

عندما يشعر المواطن أن القانون له قيمة، والمؤسسات يمكن أن تنجح، والدولة ليست مجرد أداة قمع أو فساد، وهذا لا يتحقق بالخطب، بل عبر عدالة حقيقية، وخدمات، وأمن مهني، ومحاسبة، ومشاركة سياسية، وحماية للحقوق. كل نجاح صغير للدولة المدنية يضعف فكرة “الفوضى قدر الليبيين”.

ثامنًا: من المهم مقاومة خطاب جلد المجتمع

بعض الخطابات المنتشرة تقول: “الشعب لا يفهم الديمقراطية”، “الليبي لا يحترم القانون”، “لا ينفع إلا بالقوة”. هذه الخطابات خطيرة لأنها تُبرر الاستبداد، وتُحمّل المجتمع وحده مسؤولية الانهيار، وتتجاهل عقود القمع والتدمير المؤسسي. أي مجتمع يتعرض لعقود من الحكم الفردي، القمع، انهيار المؤسسات، والحروب، سيتأثر سلوكه الاجتماعي والسياسي. لكن هذا لا يعني أن التغيير مستحيل.

ولهذا فإن التحدي الحقيقي في ليبيا ليس فقط إسقاط الفوضى أو إسقاط الاستبداد، بل بناء ثقافة جديدة ترى أن الحرية لا تعني الانهيار، وهيبة الدولة لا تعني الخوف، والقانون ليس أداة انتقام، والاستقرار لا يحتاج إلى دكتاتور. وهذا هو جوهر تفكيك الأثر العميق للجماهيرية وما تلاها.

ملامح خطاب فكري وإعلامي لتفكيك الإرث الجماهيري في ليبيا

تطوير خطاب فكري وإعلامي في الحالة الليبية يحتاج إلى الحذر من الوقوع في أحد فخّين: إما خطاب انتقامي يعمّق الانقسام، أو خطاب إنكاري يطلب من الناس نسيان الألم. الخطاب المطلوب هو خطاب وطني، عقلاني، إنساني، يواجه الماضي دون أن يتحول إلى حرب أهلية دائمة، ويبني المستقبل دون تزوير الذاكرة، وذلك يتطلب:

أولًا: تحديد الفكرة المركزية للخطاب

أهم نقطة هي الانتقال من “الصراع على الماضي” إلى “كيف نمنع تكرار المأساة؟” أي أن الهدف ليس شيطنة المجتمع، ولا الانتقام من فئة، ولا إعادة إنتاج الكراهية، بل تفكيك البنية التي صنعت العنف والخوف والفوضى.

ثانيًا: إعادة تعريف مفهوم “الدولة القوية”

يجب تفكيك الفكرة المتجذّرة بأن الدولة القوية هي الحاكم القوي. واستبدالها تدريجيًا بفكرة الدولة القوية هي المؤسسات القوية. وهذا يحتاج خطابًا يشرح للناس بلغة بسيطة أن القاضي المستقل قوة، والشرطة المهنية قوة، والقانون قوة، والشفافية قوة، وليس فقط القبضة الأمنية.

ثالثًا: عدم شيطنة المجتمع

من أخطر الأخطاء الإعلامية والسياسية وصف الليبيين بأنهم لا يفهمون الديمقراطية، أو أنهم لا يحترمون القانون بطبيعتهم. الخطاب الأذكى هو المجتمع تأثر بعقود من القمع وتدمير المؤسسات والحروب، لكنه قادر على التعافي. هذا مهم نفسيًا وسياسيًا لأنه يمنع اليأس، ويُضعف خطاب الاستبداد، ويمنح الناس شعورًا بإمكانية الإصلاح.

رابعًا: نقل النقاش من الأشخاص إلى البنية

بدل التركيز فقط على القذافي، أو شخصيات بعينها، يجب التركيز على كيف صُنعت منظومة الخوف؟ وكيف تم إضعاف القانون؟ وكيف تحولت الدولة إلى أداة سيطرة؟ وكيف أُنتجت ثقافة العنف؟ وكيف جرى تدمير السياسة الطبيعية؟ لأن التركيز على “الفرد الشرير” وحده يسمح بإعادة إنتاج نفس المنظومة بأسماء جديدة.

خامسًا: بناء خطاب إنساني حول الضحايا

الخطاب الناجح لا يُقسّم الضحايا إلى ضحايا جيدين، وضحايا منسيين. بل يؤكد أن كرامة الإنسان الليبي واحدة. سواء كان ضحية بوسليم، أو ضحية المقابر الجماعية، أو ضحية الاغتيالات، أو التهجير، أو الاختفاء القسري، أو ضحايا الانتهاكات بعد فبراير. هذا الخطاب يفتح باب التعاطف المتبادل، ويمنع احتكار الألم، ويؤسس لسلم مجتمعي حقيقي.

سادسًا: مقاومة خطاب “الاستقرار بالخوف”

يجب كشف الفكرة التي تقول: “الاستبداد كان ثمنًا ضروريًا للاستقرار”. يمكن تفكيك هذه الفكرة عبر توضيح أن القمع لم يبنِ مؤسسات، بل أخفى الأزمات بالقوة، وعندما سقط النظام ظهرت التشققات العميقة دفعة واحدة. أي أن الاستقرار الحقيقي لا يقوم على الخوف، بل على القانون والثقة والمؤسسات.

سابعًا: استخدام لغة لا تُخيف الجمهور

كثير من الخطابات الحقوقية أو السياسية تبدو للناس نخبويّة، أو تهديدًا للاستقرار، أو دعوة للانتقام. لذلك من المهم استخدام لغة قريبة من الناس بدل “تفكيك البنية السلطوية الشمولية” يمكن القول “نريد دولة تحمي المواطن بدل أن تخيفه”. وبدل “إصلاح المنظومة الأمنية” يمكن القول “نريد شرطة تحمي الناس لا تُرعبهم”. فالخطاب البسيط غالبًا أكثر تأثيرًا.

ثامنًا: إنتاج سردية وطنية جامعة

ليبيا تحتاج إلى قصة وطنية جديدة تقول نعم، وقع ظلم كبير. نعم، حدثت أخطاء بعد فبراير أيضًا. نعم، الجميع دفع الثمن. لكن لا مستقبل إلا بدولة قانون وعدالة. أي خطاب يقوم على التخوين، أو الشماتة، أو الإلغاء، أو تمجيد العنف، سيعيد إنتاج الأزمة.

تاسعًا: تحويل الذاكرة إلى وعي لا إلى وقود للثأر

الذاكرة مهمة، لكن يجب توجيهها نحو التعلم، والتوثيق، ومنع التكرار. لا نحو التحريض، أو الانتقام الجماعي. ولهذا يجب دعم التوثيق المهني، والأفلام الوثائقية، وشهادات الناجين، والأرشيف الوطني، والمناهج التعليمية، والبرامج الحوارية الهادئة.

عاشرًا: التركيز على “الإنسان العادي”

الإعلام الليبي كثيرًا ما يدور حول السلاح، والسياسيين، والصراع. بينما الخطاب المؤثر يجب أن يُظهر الأم التي تبحث عن ابنها المفقود، الطالب الذي يريد جامعة مستقرة، المواطن الذي يريد قضاءً عادلًا، التاجر الذي يريد قانونًا لا ابتزازًا. لأن بناء الدولة المدنية يبدأ من احتياجات الناس اليومية لا من الشعارات الكبرى فقط.

حادي عشر: مواجهة ثقافة العنف رمزيًا

هناك حاجة إلى خطاب يُعيد الاعتبار لفكرة أن القوة ليست بطولة دائمًا، وأن حمل السلاح ليس مصدر شرعية، وأن الانتقام لا يبني وطنًا. وذلك عبر الدراما، والإعلام، والتعليم، والخطاب الديني، والثقافة الشعبية.

ثاني عشر: أهم قاعدة في الخطاب الليبي اليوم

ربما أهم فكرة يمكن البناء عليها هي لا يمكن علاج الفوضى بإعادة إنتاج الاستبداد،
ولا علاج الاستبداد بتطبيع الفوضى. هذه المعادلة تختصر المأزق الليبي كله تقريبًا. وهذه :حزمة شعارات وأفكار يمكن البناء عليها

  • الدولة التي نحلم بها لا تخيف أبناءها.”

  • العدالة تحمي الوطن أكثر من الخوف.”

  • لا استقرار بلا قانون.”

  • الحقيقة ليست انتقامًا.”

  • كرامة الضحايا جزء من كرامة ليبيا.”

  • الدولة القوية لا تحتاج إلى إذلال الناس.”

  • السلاح يبني معركة… لا يبني وطنًا.”

  • الخوف يؤجل الانفجار… لا يصنع الاستقرار.”

  • ليبيا تحتاج مؤسسات لا أوصياء.”

في الحالة الليبية، فإن نجاح هذا الخطاب يعتمد على قدرته على مخاطبة الألم دون استغلاله، والاعتراف بالخوف دون الخضوع له، والدفاع عن الدولة دون تمجيد الاستبداد، والدفاع عن الحرية دون تبرير الفوضى. وهذا توازن صعب، لكنه أساس أي مشروع حقيقي لتفكيك الإرث المعقد الذي تركته الجماهيرية وما تلاها.

____________

Related Articles