تحرير الشّايب

الإعلان الدستوري جعل المرحلة الانتقالية مرتبطة صراحةً بإقامة «أسس الدولة المدنية الدستورية الديمقراطية»، وحدد للمؤتمر مهاماً تتجاوز التشريع اليومي إلى تشكيل الحكومة وإعادة تشكيل المفوضية وانتخاب هيئة لصياغة الدستور.

الفرضية : إن أزمة الانتقال الديمقراطي في ليبيا خلال 2011–2014 لم تكن ناجمة أساساً عن غياب الشرعية الانتخابية، وإنما عن سوء إدارة الانتقال من شرعية الثورة إلى الشرعية الدستورية؛ إذ انشغلت النخبة السياسية مبكراً بالصراع على السلطة داخل المؤسسات الانتقالية قبل أن تستكمل بناء القواعد والمؤسسات التي تجعل التنافس على السلطة ممكناً وآمناً.

المحطة الأولى (أغسطس2011 ): الشرعية الثورية تتحول إلى إطار دستوري مؤقت

الإعلان الدستوري لم يقدم نفسه باعتباره دستوراً دائماً، وإنما باعتباره أساساً للحكم إلى حين اعتماد دستور دائم. كما قرر أن المجلس الوطني الانتقالي هو السلطة العليا مؤقتاً، ثم تنتقل اختصاصاته إلى المؤتمر الوطني العام بعد انتخابه. وهنا كان ينبغي أن يكون السؤال المركزي: كيف ننهي الشرعية الثورية بأسرع طريقة ممكنة، ونؤسس بدلاً منها شرعية دستورية؟

المحطة الثانية (يوليو 2012): انتخاب المؤتمر الوطني العام

هنا حدث الإنجاز الأكبر في المرحلة الأولى: انتقال السلطة من جسم ثوري/انتقالي إلى مؤسسة منتخبة. وهذا إنجاز لا ينبغي التقليل منه. لكن الانتخابات لم تكن غاية الانتقال؛ كانت وسيلة لإنشاء المؤسسة التي ستقود المرحلة التالية. وبحسب الإعلان الدستوري، كان على المؤتمر خلال 90 يوماً من أول انعقاد له أن يشكل الحكومة المؤقتة وأن يعيد تشكيل المفوضية العليا للانتخابات تمهيداً لانتخاب هيئة تأسيسية لصياغة الدستور. فهل تعامل المؤتمر مع هذه المهمة باعتبارها مشروعه التاريخي الأول؟

المحطة الثالثة (2012– 2013): التأسيس يتراجع أمام الصراع السياسي

هنا نحتاج إلى قراءة المؤتمر لا باعتباره «برلماناً سيئاً»، وإنما باعتباره مؤسسة تغيرت أولوياتها. فبدلاً من أن يصبح: مؤتمر تأسيس لبناء الدولة، أصبح تدريجياً: مؤسسة تتنافس داخلها القوى السياسية على تشكيل الحكومة والنفوذ والمواقع.ولا مشكلة في التنافس السياسي بحد ذاته. ولكن المشكلة أن التنافس سبق بناء قواعد اللعبة.

وهنا تظهر القاعدة التي أقترح أن تحكم دراستنا: لا يجوز أن تصبح المنافسة على السلطة أقوى من عملية بناء المؤسسات التي ستنظم هذه المنافسة.

المحطة الرابعة (2012– 2013): إرث النظام السابق يتحول إلى اختبار للديمقراطية

السؤال لم يعد: هل نحاسب رموز النظام السابق؟ فهذه مسألة مشروعة. بل: هل تستطيع الدولة الجديدة أن تحاسب الماضي دون أن تستخدم العدالة الانتقالية لإعادة إنتاج الاستقطاب السياسي؟ وهنا يصبح قانون العزل اختباراً لنضج النخبة، لا مجرد قانون من قوانين المرحلة.

المحطة الخامسة (مايو 2013): عندما دخل السلاح إلى العلاقة بين السياسة والمؤسسات

وهنا نضع جلسة 5 مايو في مكانها الصحيح. ليست حادثة منفصلة. إنها علامة على انتقال الأزمة من: صراع سياسي داخل المؤسسة إلى: ضغط خارجي على المؤسسة بواسطة القوة المسلحة. لكننا، لن نقع في التفسير الأحادي. فالمسؤولية موزعة بين: القوى المسلحة التي مارست الضغط؛ والقوى السياسية التي قبلت التسوية؛ والمؤتمر الذي لم يحم استقلاله؛ والنخبة التي لم تبنِ آليات مؤسسية لمعالجة إرث الماضي.

المحطة السادسة (2013): أزمة الشرعية السياسية للمؤتمر

بعد قانون العزل لم تعد المشكلة مقتصرة على: «كيف نعالج الماضي؟» بل بدأت تتحول إلى: «هل ما زال المؤتمر قادراً على قيادة المستقبل؟» وهنا تتراكم: الأزمة الأمنية؛ الصراع السياسي؛ ضعف الحكومة؛ تعثر بناء المؤسسات؛ تأخر الدستور؛ وتراجع ثقة قطاعات من المجتمع في المؤتمر إلى أن وصلنا إلى «لا للتمديد».

المحطة السابعة (أواخر 2013 – فبراير 2014): «لا للتمديد» .. المجتمع يطالب بإنهاء المرحلة

وهنا نحتاج إلى قراءة حراك لا للتمديد قراءة مزدوجة. من جهة: إن أزمة الانتقال الديمقراطي في ليبيا خلال 2011–2014 لم تكن ناجمة أساساً عن غياب الشرعية الانتخابية، وإنما عن سوء إدارة الانتقال من شرعية الثورة إلى الشرعية الدستورية؛ إذ انشغلت النخبة السياسية مبكراً بالصراع على السلطة داخل المؤسسات الانتقالية قبل أن تستكمل بناء القواعد والمؤسسات التي تجعل التنافس على السلطة ممكناً وآمن والمجتمع يقول للمؤسسة المنتخبة: لقد فشلتم في إنجاز مهمتكم، ولا نريد استمراركم بلا نهاية. ومن جهة أخرى: لم يكن إنهاء المؤتمر وحده كافياً لإنهاء المرحلة الانتقالية.

المحطة الثامنة (فبراير2014): لجنة فبراير

هذه لحظة شديدة الأهمية. المؤتمر، في قراره رقم 12 لسنة 2014، شكل لجنة من 15 عضواً، ستة من المؤتمر وتسعة من خارجه، وكلفها إعداد تعديل دستوري ومشروع قانون انتخابات لتنفيذ خارطة المرحلة التالية، مع مهلة قصيرة للعمل والتواصل مع المكونات الثقافية. وهذا يعني أن المؤتمر أدرك أخيراً أنه يحتاج إلى آلية للخروج من المرحلة الانتقالية. لكن المشكلة أن هذه الآلية جاءت متأخرة جداً. والأهم أن التعديل الدستوري السادس أعاد صياغة المادة 30، وربط المرحلة التالية بانتخابات جديدة وبعمل الهيئة التأسيسية للدستور. إذن: لم تنتهِ المرحلة الانتقالية. بل أعيد تصميمها.

المحطة التاسعة: انتخابات مجلس النواب 2014

وهنا نصل إلى الاستنتاج: أن انتخابات مجلس النواب لم تكن انتقالاً من المرحلة الانتقالية إلى الدولة الدستورية، وإنما انتقالاً من مؤسسة انتقالية منتخبة إلى مؤسسة انتقالية منتخبة أخرى. وهذا فرق كبير. فالمؤتمر انتهى، لكن: الدستور لم يكتمل؛ الدولة الأمنية لم تُبنَ؛ المؤسسة العسكرية لم تتوحد؛ المصالحة لم تنجز؛ العلاقة بين المركز والأقاليم لم تحسم؛ وقواعد التداول النهائي للسلطة لم تستقر. وبالتالي انتقلت أزمة التأسيس إلى مجلس النواب.

يمكننا الآن رسم المسار بهذه الصيغة: الشرعية الثورية > الإعلان الدستوري > المؤتمر الوطني العام > التنافس السياسي قبل اكتمال التأسيس > قانون العزل السياسي > تزايد تدخل القوى المسلحة > تآكل الثقة بالمؤتمر > لا للتمديد > لجنة فبراير > انتخابات مجلس النواب > مرحلة انتقالية جديدة > أزمة الشرعية والانقسام في 2014

من الطبع أن نستنتج من هذا التسلسل أن «المؤتمر ليس المسؤول عن كل شيء». هذا سيكون تبسيطاً غير علمي. وحتى لا تتحول المراجعة إلى محاكمة سياسية للمؤتمر سنفصل بين ثلاثة مستويات من المسؤولية:

المستوى الأول: أخطاء النخبة السياسية

مثل: سوء ترتيب الأولويات؛ الصراع الحزبي المبكر؛ ضعف التوافق؛ التوسع في استخدام الإقصاء السياسي؛ عدم بناء قواعد للتعايش السياسي.

المستوى الثاني: قصور البناء المؤسسي

مثل: ضعف الجيش والشرطة؛ غياب آليات فعالة لنزع السلاح؛ ضعف القضاء؛ عدم استكمال الإطار الدستوري.

المستوى الثالث: العوامل الخارجة عن المؤسسة

مثل: تعدد مراكز القوة المسلحة؛ النزاعات المحلية والجهوية؛ تدخلات خارجية لاحقة؛ طبيعة الاقتصاد الريعي؛ إرث أربعة عقود من الحكم السلطوي.

المحطة الأخيرة (فبراير – يونيو 2014): ماذا فعل المؤتمر عندما أدرك أن نهايته أصبحت حتمية؟

لأن هذه المرحلة ستجيب عن سؤال بالغ الأهمية: هل حاول المؤتمر أن يؤسس خروجاً منظماً من السلطة، أم أنه انتقل من محاولة التمديد إلى إدارة الخروج تحت الضغط؟ ومن هذه الإجابة سننتقل بعد ذلك مباشرة إلى مجلس النواب، ونرى هل ورث أخطاء المؤتمر أم حاول تصحيحها، وأين فشل هو أيضاً.

الفترة الزمنية من «لا للتمديد» إلى انتخابات مجلس النواب توضح كيفية إدارة المؤتمر لخروجه من السلطة. لكن هل أدار المؤتمر خروجه من السلطة أم أُخرج منها؟ هذه الصياغة مهمة؛ لأنها لا تفترض النتيجة مسبقاً.

ــ نقطة البداية: المؤتمر فقد القدرة على الاستمرار سياسياً

بعد تصاعد حراك «لا للتمديد»، أصبح استمرار المؤتمر بالشكل السابق مكلفاً سياسياً. وفي الوقت نفسه، لم يكن هناك اتفاق دستوري مستقر على كيفية إنهاء المرحلة الانتقالية. وهنا وجد المؤتمر نفسه أمام خيارين:

الخيار الأول: الدفاع عن بقائه حتى إنجاز الدستور.

الخيار الثاني: القبول بانتخابات جديدة وتسليم السلطة إلى جسم منتخب آخر.

وقد اختار عملياً الخيار الثاني، عبر المسار الذي قاد إلى لجنة فبراير ثم انتخابات مجلس النواب. لكن السؤال التاريخي ليس فقط: ماذا اختار؟ بل: هل صاغ انتقالاً مؤسسياً منظماً، أم اكتفى بإدارة ضغط الشارع وإنهاء ولايته؟

ــ لجنة فبراير: الحل الذي جاء متأخراً

قرار تشكيل لجنة فبراير كان محاولة لإيجاد مخرج مؤسسي للأزمة. وهذا يحسب للمؤتمر. فبدلاً من التمسك بالتمديد بصورة مطلقة، قَبِل بإعادة ترتيب المرحلة الانتقالية، وأنشأ لجنة تضم أعضاء من داخله وخارجه لإعداد تعديلات دستورية وقواعد انتخابية جديدة. لكن المشكلة في التوقيت.

فالآلية التي كان يمكن أن تكون جزءاً من خطة تأسيسية منذ 2012 أصبحت في 2014 آلية للخروج من مأزق سياسي. وهنا تظهر إحدى السمات المتكررة في التجربة: المؤسسات لم تكن تسبق الأزمة؛ كانت غالباً تأتي استجابة لها.

ــ التعديل الدستوري السادس

التعديل السادس للإعلان الدستوري أعاد تنظيم المرحلة الانتقالية، ومهّد لانتخاب مجلس النواب، مع استمرار المسار الخاص بالهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور. وهنا بدلاً من إنهاء المرحلة الانتقالية عبر الدستور، أصبحت الأولوية: انتخاب جسم سياسي جديد لإدارة المرحلة. أي أن الحل كان: تغيير حامل السلطة وليس: إنجاز قواعد السلطة.

ــ هل كان انتخاب مجلس النواب خطأ؟

لا. وهذه نقطة يجب التشديد عليها. انتخاب مجلس النواب لم يكن في ذاته خطأ. بل كان استجابة ديمقراطية مهمة لأزمة الشرعية. المشكلة كانت أن الانتخابات جرت قبل اكتمال الشروط المؤسسية التي تجعل نتائجها قابلة للاستيعاب السياسي.

فكانت لدينا: دولة أمنية ضعيفة؛ سلاح خارج سيطرة الدولة؛ انقسام سياسي حاد؛ دستور غير مكتمل؛ مؤسسات انتقالية متنافسة. وبالتالي دخل البرلمان الجديد إلى بيئة لم تكن قد استقرت.

ــ هنا تظهر مشكلة الشرعية المتعاقبة

بعد 2011 أصبح لدينا: شرعية ثورية ثم: شرعية انتقالية ثم: شرعية انتخابية للمؤتمر ثم: شرعية انتخابية لمجلس النواب. لكن لم تظهر في المقابل: شرعية دستورية مستقرة.

أي أن ليبيا كانت تنتقل من شرعية انتخابية إلى شرعية انتخابية، من دون أن تصل إلى القاعدة الدستورية النهائية. وهذا يفسر لماذا أصبح كل جسم منتخب لاحقاً ينازع السابق على الشرعية.

ــ انتخابات يونيو 2014: لحظة أمل حقيقية

ينبغي ألا ننظر إلى انتخابات مجلس النواب فقط من خلال ما حدث بعدها. فالانتخابات نفسها كانت محاولة سلمية لإعادة إنتاج الشرعية. المجتمع الليبي ذهب إلى الانتخابات؛ قبل مبدأ التداول؛ اختار ممثلين جدداً؛ ولم يكن قد تخلى عن الديمقراطية. لكن المشكلة ظهرت بعد الانتخابات.

ــ المشكلة بدأت مع سؤال: أين يجتمع مجلس النواب؟

هنا دخلنا في أزمة كان لها أثر رمزي ومؤسسي هائل. اختيار طبرق مقراً لانعقاد مجلس النواب، ثم عقد جلساته بعيداً عن طرابلس، أصبح جزءاً من أزمة الشرعية المتصاعدة. وبالتوازي استمرت عناصر من المؤتمر الوطني العام في طرابلس. وهكذا ظهر: جسمان سياسيان يدعي كل منهما امتلاك الشرعية. وهنا انتقلنا من: أزمة أداء مؤسسة منتخبة إلى: أزمة شرعية بين مؤسستين منتخبتين.

ــ وهنا يظهر الفشل الذي يجب ألا ننسبه إلى المؤتمر وحده

مجلس النواب ورث أزمة. لكن لا يمكن إعفاءه من المسؤولية عن كيفية إدارته لها. فإذا كان الخطأ الأول للمؤتمر هو: التنافس على السلطة قبل بناء قواعدها، فإن الخطر الذي واجه مجلس النواب كان: استخدام الشرعية الانتخابية باعتبارها تفويضاً مطلقاً، في بيئة لم تعد فيها الشرعية الانتخابية وحدها كافية لحل النزاع. لأن الطرف الآخر كان يمتلك: مؤسسات قائمة؛ نفوذاً عسكرياً؛ قاعدة سياسية؛ ووجوداً في طرابلس.

ــ وهنا تنتهي «مرحلة فبراير» الأولى

أعتقد أننا نستطيع اعتبار يونيو–أغسطس 2014 نقطة التحول التاريخية. قبلها كان السؤال: كيف ندير الانتقال؟ بعدها أصبح: من هو صاحب الشرعية؟ وهذا تحول جوهري. ففي المرحلة الأولى كانت الخلافات: داخل المؤسسة. بعد 2014 أصبحت: بين المؤسسات. وفي النهاية: بين مراكز القوة المسلحة والسياسية.

ــ من أزمة الأداء إلى أزمة الشرعية

هناك أسئلة كثيرة لم تتوفر لها أجوبة : لماذا قبل المؤتمر إنشاء لجنة فبراير؟ ماذا نصت عليه خارطة الطريق؟ كيف صيغ التعديل الدستوري السادس؟ كيف تم إعداد قانون انتخاب مجلس النواب؟ ما الذي حدث في انتخابات يونيو؟ لماذا لم ينتقل المؤتمر فعلياً إلى المعارضة السياسية؟ لماذا أصبحت طبرق مركزاً لمجلس النواب؟ لماذا بقيت عناصر المؤتمر في طرابلس؟ كيف دخل القضاء في النزاع؟ كيف تحول الخلاف السياسي إلى حرب؟

وأخيراً: هل كان يمكن تفادي الانقسام لو أُدير الانتقال بصورة مختلفة في 2012–2013؟ ، وهل كان انهيار المسار الديمقراطي الليبي في 2014 نتيجة حتمية لفشل الدولة بعد الثورة، أم أن سلسلة من القرارات التي اتخذتها النخب بين 2011 و2014 ضيّقت تدريجياً مساحة البدائل حتى أصبح الانهيار هو النتيجة الأكثر احتمالاً؟

أزمة مجلس النواب 2014: من تداول السلطة إلى انقسام الشرعية

وهنا ندخل في أزمة مجلس النواب وهي أكثر المراحل حساسية؛ لأن أزمة مجلس النواب لا يمكن فهمها باعتبارها مجرد خلاف بين «المؤتمر» و«البرلمان الجديد». إنها اللحظة التي تحولت فيها أزمة الانتقال من أزمة أداء مؤسسات إلى أزمة شرعية متنافسة، ثم إلى صراع مسلح.

وبالتالي ينبغي تبنى قاعدة منهجية: مجلس النواب كان منتخباً، لكن انتخابه لم ينهِ المرحلة الانتقالية، كما أن شرعيته الانتخابية لم تمنحه تلقائياً حلاً لكل الخلافات الدستورية والسياسية. وفي المقابل، لم يكن بقاء المؤتمر في طرابلس بعد انتهاء ولايته حلاً ديمقراطياً لمجرد أن جزءاً من أعضائه ظل متمسكاً به.

أولاً: انتخابات 25 يونيو 2014 كانت محاولة لإعادة إنتاج الشرعية

انتخابات مجلس النواب في 25 يونيو جاءت نتيجة مباشرة للمسار الذي بدأ بحراك «لا للتمديد» ولجنة فبراير. وكان الهدف المعلن أن يحل مجلس النواب محل المؤتمر الوطني العام باعتباره السلطة التشريعية الانتقالية. وقد أجريت الانتخابات في ظل ظروف أمنية صعبة؛ وأشارت الأمم المتحدة إلى أن نحو 40% من المسجلين شاركوا، مع مقاطعة بعض المناطق وتأثر عدد من مراكز الاقتراع بالعنف، وبقاء 12 مقعداً شاغراً نتيجة الاضطرابات.

وهنا ينبغي تسجيل ملاحظة مهمة: انخفاض المشاركة والمشكلات الأمنية أضعفا البيئة السياسية للانتخابات، لكنهما لا يلغيَان حقيقة أنها كانت انتخابات وطنية جديدة لاختيار مؤسسة تشريعية. وهذا التفريق ضروري حتى لا نقع لاحقاً في خلط «ضعف الشرعية السياسية» بـ«انعدام الشرعية الانتخابية».

ثانياً: مجلس النواب لم يدخل إلى دولة مستقرة

وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية. كان من المفترض نظرياً أن يكون المسار: انتخابات المؤتمر 2012 ثم بناء المؤسسات ثم الدستور ثم مجلس النواب ثم دولة دستورية. لكن الواقع أصبح: انتخابات المؤتمر ثم تعثر التأسيس ثم أزمة سياسية وأمنية ثم لا للتمديد ثم انتخابات مجلس النواب ثم استمرار الأزمة. أي أن مجلس النواب ورث المرحلة الانتقالية بدلاً من أن يرث دولة مستقرة. وهذا يفسر لماذا كان العبء الموضوع على المجلس أكبر من قدرته المؤسسية.

ثالثاً: أين ينعقد مجلس النواب؟

هذه المسألة تبدو إجرائية، لكنها تحولت إلى مشكلة شرعية. كان مقر المجلس يفترض أن يكون في بنغازي، لكن الوضع الأمني دفع إلى عقد الجلسة الافتتاحية في طبرق يوم 4 أغسطس 2014.

وتشير بيانات الاتحاد البرلماني الدولي إلى أن الحكومة كانت قد قررت أن يكون مقر المجلس في بنغازي، ثم عُقد الاجتماع الأول في طبرق لأسباب أمنية. لكن المؤتمر الوطني العام، الذي كان لا يزال قائماً في طرابلس، اعترض على الطريقة التي تم بها الانتقال.

وفي المقابل، اعتبرت الأمم المتحدة مجلس النواب السلطة التشريعية المنتخبة، ودعت الأعضاء الذين قاطعوا جلساته إلى الالتحاق به. وهنا ظهرت أول عقدة: مؤسسة تملك شرعية الانتخاب، ولكنها تعمل خارج العاصمة؛ ومؤسسة سابقة تعمل داخل العاصمة، لكنها فقدت أساسها الانتخابي الجديد. وهذه هي بذرة الانقسام.

رابعاً: هل كان على المؤتمر أن يسلم السلطة؟

من منظور الانتقال الديمقراطي، الإجابة الأقرب هي: نعم. لأن المؤتمر كان قد وافق على المسار الذي أدى إلى انتخاب مجلس النواب، والهدف من الانتخابات كان استبداله. وكان يمكن للمؤتمر أن يتحول إلى: معارضة سياسية داخل النظام الجديد. وهذا كان يمكن أن يكون درساً ديمقراطياً بالغ الأهمية: نخسر الانتخابات ثم نقبل النتيجة ثم نعارض الحكومة ثم ننتظر الانتخابات القادمة. لكن هذا لم يحدث.

في أغسطس، ومع تصاعد القتال في طرابلس، أعاد المؤتمر الوطني العام المنتهية ولايته عقد جلساته، ثم كلف عمر الحاسي بتشكيل حكومة «إنقاذ وطني». وقد وصفت الأمم المتحدة هذا المؤتمر صراحة بأنه منتهية ولايته. وهنا ارتكبنا قفزة نوعية: لم يعد الخلاف حول أداء مؤسسة منتخبة؛ أصبح لدينا مؤسستان تدعيان تمثيل الشرعية السياسية.

خامساً: لكن لا ينبغي تحميل المؤتمر وحده المسؤولية

كان مجلس النواب أمام خيارين:

الخيار الأول: التعامل مع نفسه باعتباره مؤسسة وطنية لكل الليبيين، وفتح باب المشاركة أمام الأعضاء المقاطعين.

الخيار الثاني: الانكفاء إلى معسكر سياسي وأمني محدد، وربط شرعيته بمركز جغرافي وأمني معين.

وهذا يعني أن أزمة مجلس النواب بدأت أيضاً من مشكلة الشمول السياسي. فالمؤسسة المنتخبة تحتاج إلى أمرين: شرعية انتخابية و قدرة على استيعاب الخصوم. إذا امتلكت الأولى وفقدت الثانية، فإنها تصبح معرضة للانقسام.

سادساً: الحرب سبقت اكتمال التسوية السياسية

وهنا يجب أن نضع عملية الكرامة وعملية فجر ليبيا في السياق الصحيح. في منتصف 2014 لم تعد السياسة تعمل في فراغ. أصبحت هناك قوى مسلحة ذات مشاريع ومصالح وتحالفات سياسية، وتصاعد القتال في بنغازي وطرابلس.

وقد وصف الممثل الخاص للأمين العام طارق متري أمام مجلس الأمن الوضع في أغسطس بأن المعارك المسلحة كانت في الوقت نفسه نتيجة وسبباً للانقسامات السياسية العميقة. وهذه عبارة شديدة الأهمية لأنها تمنع من بناء علاقة سببية بسيطة: السياسة سببت الحرب. أو: الحرب سببت الأزمة السياسية. والأدق: السياسة والقوة المسلحة دخلتا في دائرة تغذية متبادلة.

سابعاً: اللحظة الحاسمة — طرابلس أم طبرق؟

بعد افتتاح مجلس النواب في طبرق في 4 أغسطس، لم يعد السؤال فقط: من فاز في الانتخابات؟ بل: من يملك الدولة؟ وبحلول أواخر أغسطس، سيطرت قوات «فجر ليبيا» على طرابلس، وغادرت حكومة عبد الله الثني العاصمة إلى البيضاء، بينما أعاد المؤتمر الوطني العام المنتهية ولايته الانعقاد في طرابلس وشكل حكومة برئاسة عمر الحاسي. وهكذا أصبح لدينا: مجلس نواب وحكومة في الشرق مقابل: مؤتمر منتهٍ الولاية و حكومة في الغرب. هذه هي اللحظة التي يمكن أن نسميها: انهيار وحدة السلطة التنفيذية والتشريعية.

ثامناً: دخول القضاء في قلب الصراع

وهنا نصل إلى واحدة من أخطر حلقات الأزمة. في 6 نوفمبر 2014 أصدرت المحكمة العليا، بدوائرها مجتمعة، حكمها في الطعن المتعلق بجلسة مجلس النواب المنعقدة في طبرق. والصيغة القانونية الدقيقة للحكم مهمة جداً: المحكمة لم تكتفِ بالقول إن بعض إجراءات المجلس غير صحيحة؛ بل اعتبرت أن النزاع انتهى بناءً على القضاء بعدم دستورية التعديل الدستوري الذي استند إليه انعقاد المجلس.

وهنا أصبح لدينا لأول مرة: شرعية انتخابية مقابل: حكم قضائي يقول إن الأساس الدستوري الذي بني عليه المسار الانتخابي محل عدم دستورية. وهذا أنتج أزمة شرعية غير مسبوقة.

تاسعاً: هل ألغت المحكمة الانتخابات؟

الرواية السياسية الشائعة تقول: «المحكمة العليا حلت مجلس النواب وأعادت المؤتمر». لكن القرار القضائي نفسه أكثر تعقيداً من هذه العبارة. فقرار المحكمة رقم 16 لسنة 2014 سجل أن التعديل الدستوري الذي استند إليه انعقاد جلسة مجلس النواب قد قُضي بعدم دستوريته، ولذلك اعتبرت الخصومة منتهية.

وبعد ذلك فُهم الحكم سياسياً باعتباره إسقاطاً للأساس الدستوري لمجلس النواب. لكن مجلس النواب نفسه رفض هذا التفسير، واعتبر أن الحكم لا يؤدي إلى إسقاط الشرعية الانتخابية للمجلس. وقد سجلت وثيقة مجلس النواب الموجهة إلى الأمم المتحدة هذا الموقف صراحة.

إذن: الخلاف بعد نوفمبر 2014 لم يكن سياسياً فقط، بل أصبح خلافاً على تفسير الحكم القضائي نفسه.

عاشراً: الموقف الدولي زاد تعقيد المشهد

الأمم المتحدة والمجتمع الدولي استمرا في التعامل مع مجلس النواب باعتباره السلطة التشريعية المنتخبة، رغم حكم المحكمة العليا، ودعوا في الوقت نفسه إلى الحوار السياسي وعدم إنشاء مؤسسات موازية بالقوة.

وهذا أنتج مفارقة: شرعية دولية للمجلس في مواجهة تفسير قضائي محلي ينال من الأساس الدستوري لانعقاده. وهذه المسألة مهمة جدا لفهم العلاقة بين الشرعية الشعبية؛ الشرعية الدستورية؛ الشرعية القضائية؛ الشرعية الدولية.

الحادي عشر: هنا تظهر «الخطيئة الثانية»

إذا كان الخطأ الأول في عهد المؤتمر هو: الانشغال بالصراع على السلطة قبل بناء قواعدها، فإن الخطأ الثاني في أزمة مجلس النواب يمكن صياغته هكذا: الاعتقاد بأن امتلاك الشرعية الانتخابية يكفي وحده لإدارة دولة منقسمة، دون بناء توافق سياسي واسع حول قواعد ممارسة هذه الشرعية.

صحيح أن مجلس النواب كان منتخباً. لكن الانتخابات وحدها لم تحل: مشكلة السلاح؛ مشكلة المركزية؛ مشكلة العاصمة؛ مشكلة الحكومة؛ مشكلة الدستور؛ مشكلة مشاركة القوى السياسية الخاسرة؛ و مشكلة العلاقة بين الشرق والغرب.

الثاني عشر: وفي المقابل، ارتكب المعسكر الآخر خطأ أكبر

لا يمكن أن تكون نتيجة الخلاف السياسي: إعادة مؤسسة انتهت ولايتها إلى العمل بالقوة المسلحة. لأن قبول هذه القاعدة يعني: كلما خسرت مجموعة الانتخابات تستطيع استخدام القوة لإعادة إنتاج المؤسسة السابقة. وهنا تنهار قاعدة التداول السلمي للسلطة.

لذلك ينبغي أن يكون الحكم متوازناً:

خطأ مجلس النواب: هو عدم تحويل الشرعية الانتخابية إلى مشروع احتواء وطني واسع.

خطأ المؤتمر: هو رفض الانتقال الكامل إلى المعارضة بعد انتهاء ولايته.

خطأ القوى المسلحة: تحويل النزاع السياسي إلى صراع عسكري.

خطأ النخبة السياسية كلها: عدم الاتفاق على قاعدة واحدة تقول: لا تغيير للشرعية السياسية بالقوة.

الثالث عشر: لماذا كانت أزمة 2014 أخطر من أزمة 2013؟

لأن أزمة 2013 كانت: ضغطاً على مؤسسة واحدة. أما أزمة 2014 أصبحت: انقساماً بين مؤسستين تدعي كل منهما الشرعية. في 2013 كان بالإمكان إصلاح القرار داخل المؤتمر. في 2014 أصبح السؤال: أي مؤسسة هي الدولة؟ وهذا هو الفرق بين: أزمة سياسية و أزمة دولة.

الرابع عشر: وهنا تكتمل سلسلة الأخطاء

إذا وضعنا الفترة ما بين 2011 و 2014 كلها أمامنا، يظهر تسلسل بالغ الدلالة:

في (2011): إسقاط النظام دون بناء خطة متكاملة لنقل الشرعية

في (2012): انتخاب المؤتمر دون تحويل وظيفته التأسيسية إلى برنامج عملي واضح

في (2012–2013): تحول المؤتمر إلى ساحة للتنافس السياسي

في (2013): العزل السياسي كحل لمشكلة إرث النظام وقبول ضغط السلاح على القرار السياسي.

في (2014): «لا للتمديد» وانتخابات مجلس النواب قبل اكتمال الدولة الدستورية وانقسام حول مكان المجلس وشرعيته، وعودة المؤتمر المنتهية ولايته، وحكومتان ومؤسستان تشريعيتان، وحكم المحكمة العليا، وانقسام الشرعية.

الخامس عشر: هنا تغير السؤال المركزي للدراسة

في البداية كان السؤال: ما أخطاء نخبة فبراير؟ لكن بعد هذا المسار أعتقد أن السؤال الأدق هو: لماذا فشلت نخبة فبراير في تحويل الشرعية الثورية إلى نظام من القواعد الدستورية المستقرة، رغم أنها نجحت في إجراء انتخابات متتالية؟

والجواب الأولي الذي بدأ يتشكل لدينا: لأنها تعاملت مع الانتخابات باعتبارها وسيلة لإعادة توزيع السلطة، أكثر مما تعاملت معها باعتبارها جزءاً من عملية تأسيس دولة تحكمها قواعد يتوافق عليها الجميع، بمن فيهم من يخسر الانتخابات. وهذه نقطة جوهرية جداً.

…

يتبع

___________