المركز الليبي للدراسات الأمنية والعسكرية
مقدمة
شهدت إدارة الأزمات الدولية في العقود الأخيرة تحولًا في طبيعة أدواتها وفاعليها، إذ أصبحت النزاعات أكثر تعقيدًا وتشابكت أبعادها السياسية والأمنية والعسكرية.
وقد انعكس ذلك في أدوار أجهزة الاستخبارات، التي توسعت من جمع المعلومات وتحليلها ودعم صنع القرار إلى أداء وظائف أكثر ارتباطًا بالسياسة الخارجية.
وتشمل هذه الوظائف فتح قنوات الاتصال، واستكشاف مواقف الأطراف المختلفة، ونقل الرسائل، والوساطة في القضايا الحساسة، وتهيئة بيئة مواتية للتفاوض.
وفي هذا السياق، برز مفهوم «الدبلوماسية الاستخبارية» كنمط من أنماط العمل في السياسة الخارجية يستخدم الفاعلين والعلاقات الاستخبارية لتيسير الاتصالات الدبلوماسية وخدمة أهداف السياسة الخارجية.
وتكتسب الدبلوماسية الاستخبارية أهمية خاصة في الأزمات الممتدة التي تتعدد فيها مراكز القوة وتتشابك فيها التسويات السياسية مع الترتيبات الأمنية والعسكرية.
وتُعدّ الأزمة الليبية نموذجًا على ذلك، إذ تتسم بانقسامات سياسية ومؤسسية مستمرة، وتعدد القوى العسكرية والأمنية، وتشابك شبكة معقدة من المصالح المحلية والإقليمية والدولية. فضلًا عن ارتباطها بقضايا أمن الحدود والهجرة والطاقة والأمن في المتوسط والساحل، إضافة إلى توحيد مؤسسات الدولة وتهيئة الظروف المواتية للانتخابات.
وقد أبقى استمرار الانقسام وتعطّل التسوية الملف الليبي مفتوحًا على مسارات متعددة للحوار والوساطة، تسير بالتوازي مع الجهود الدولية لدفع العملية السياسية وتوحيد المؤسسات.
وفي هذا السياق، برزت القنوات الاستخبارية بشكل أكبر في الأشهر الأخيرة، من خلال لقاءات جمعت قادة من شرق ليبيا وغربها مع رؤساء أجهزة الاستخبارات في مصر وتركيا وإيطاليا. وتناولت هذه اللقاءات توحيد المؤسسات، والعملية السياسية، والترتيبات الأمنية والعسكرية. وقد تزامن ذلك مع تطور التنسيق المصري-التركي، وتجدد الانخراط الأمريكي، واستمرار الوجود الروسي.
وفي ضوء ذلك، تبدأ الدراسة بسؤال رئيسي:
إلى أي مدى أسهم صعود الدبلوماسية الاستخبارية في إعادة تشكيل آليات إدارة الأزمة الليبية، وما العوامل التي تفسر هذا الصعود، ومسارات تأثيره، وحدوده؟
أولًا: الدبلوماسية الاستخبارية: المفهوم والوظائف
على الرغم من شيوع استخدام مصطلح «الدبلوماسية الاستخبارية» في السنوات الأخيرة، فلا يوجد تعريف شامل ومتسق للمفهوم في الأدبيات أو في الممارسة الحكومية. ويشير بريت هولمغرين، مساعد وزير الخارجية الأمريكي السابق لشؤون الاستخبارات والبحوث، إلى تعدد المقاربات في تعريفه؛ فبعضها يحصره في «تبادل المعلومات بين أجهزة الاستخبارات»، بينما يربطه آخرون بـ«استخدام الاستخبارات لدعم الدبلوماسية العامة والتأثير في مواقف الشركاء والخصوم».
وتتبنى وزارة الخارجية الأمريكية مفهومًا أوسع يقوم على «استخدام الاستخبارات لدعم النشاط الدبلوماسي وخدمة أهداف السياسة الخارجية من خلال إبلاغ الشركاء، وبناء التحالفات، وتيسير التعاون، وتقريب المواقف، والتحقق من الالتزامات».
وقد اكتسب هذا الاستخدام أهمية أكبر مع اتساع الارتباط بين الاستخبارات والسياسة الخارجية. ويخلص فرانك ليث جونز، في دراسة نشرتها كلية الحرب التابعة للجيش الأمريكي في يوليو 2026، إلى أن الاستخبارات أصبحت أداة من أدوات الدولة، تعمل بالاقتران مع الأدوات الدبلوماسية والعسكرية والاقتصادية.
ويرى أن الحرب الروسية-الأوكرانية أبرزت قدرتها على خدمة أهداف سياسية مباشرة من خلال «الإنذار الاستراتيجي، وبناء التوافق بين الحلفاء، وتوجيه الرسائل إلى الخصوم، ودعم العمل الدبلوماسي». ويشير أيضًا إلى استخدام إدارة بايدن مصطلح «الدبلوماسية الاستخبارية» لوصف تطبيق الاستخبارات لدعم الدبلوماسية وأهداف السياسة الخارجية.
وفي ضوء ذلك، تعرّف الدراسة الدبلوماسية الاستخبارية إجرائيًا بأنها «استخدام أجهزة الاستخبارات وقياداتها وقنوات اتصالها ومخرجاتها المعلوماتية لخدمة أهداف السياسة الخارجية، من خلال استكشاف الأوضاع، ونقل الرسائل، وبناء التفاهمات والضمانات، ودعم المفاوضات، وربط الترتيبات السياسية بالاعتبارات الأمنية».
ويشمل ذلك استخدام مسؤولي الاستخبارات كقنوات اتصال، إلى جانب تطبيق المعلومات التي ينتجها الجهاز لدعم العمل السياسي والدبلوماسي. وهذه الدبلوماسية ليست سرية بالضرورة؛ فبعض اتصالاتها قد يجري خارج المجال العام، بينما قد تحدث أخرى في صورة لقاءات علنية.
ويستند هذا التداخل إلى طبيعة أدوات الدولة الحديثة. وتُبيّن دراسة سعد محمد الرميحي لنموذج «الديمل» أن الدبلوماسية والمعلومات والقوة العسكرية والاقتصاد تعمل ضمن منظومة مترابطة لخدمة أهداف الأمن القومي، وأن الاستخبارات تتقاطع مع هذه العناصر عبر جمع المعلومات وتحليلها ودعم القرار.
فضلًا عن وجود مساحة مشتركة بين العمل الدبلوماسي والعمل الاستخباري في التعامل مع الشؤون الخارجية، ما يجعل التنسيق المؤسسي بينهما أمرًا حاسمًا لإدارة القضايا المعقدة.
العلاقة بالأنماط الدبلوماسية المتداخلة
ترتبط الدبلوماسية الاستخبارية بالدبلوماسية التقليدية، وإن اختلفت طبيعتهما المؤسسية وأدواتهما. فالدبلوماسية الرسمية تعتمد على وزارات الخارجية والسفارات والممثلين المعتمدين لإدارة العلاقات والتفاوض نيابة عن الدولة، بينما تستفيد الدبلوماسية الاستخبارية من المعلومات والعلاقات والاتصال المباشر الذي تمتلكه أجهزة الاستخبارات مع الفاعلين السياسيين والأمنيين والعسكريين.
وهذا ما يجعلها مناسبة للقضايا الحساسة التي تتطلب استكشاف المواقف أو التعامل مع أطراف متعددة قبل الانتقال إلى المفاوضات الرسمية. ولا يعني هذا التداخل أن إدارة السياسة الخارجية تنتقل إلى أجهزة الاستخبارات؛ فهي تبقى أدوات ضمن إطار تحدده القيادة السياسية وأهداف الدولة.
كما تتقاطع الدبلوماسية الاستخبارية مع الدبلوماسية عبر القنوات الخلفية دون أن تكون مرادفًا لها؛ فالقناة الخلفية تصف أسلوب اتصال أو تفاوض بعيدًا عن المسار الرسمي أو التدقيق العام، بغض النظر عمن يجريها، سواء كان دبلوماسيًا أو مستشارًا أو وسيطًا أو مسؤولًا استخباريًا.
وتشير الأدبيات المتعلقة ببرنامج التفاوض في كلية الحقوق بجامعة هارفارد إلى أن هذه القنوات تتيح اختبار استعداد الطرف الآخر للتفاوض، واستكشاف التنازلات الممكنة، وتجاوز بعض الشروط المسبقة، وتقليل الضغط السياسي على عملية التفاوض.
لذلك، تصف القنوات الخلفية أسلوب الاتصال، بينما تحدد الدبلوماسية الاستخبارية طبيعة الأداة والفاعل والوظيفة. فقد يجري جهاز استخباري قنوات خلفية سرية، وقد يمارس أيضًا نشاطًا دبلوماسيًا عبر لقاء علني.
ويكتسب هذا التمييز أهمية خاصة في السياق الليبي، حيث تُعلن بعض اللقاءات بين رؤساء الاستخبارات والقادة السياسيين والعسكريين، بينما تبقى اتصالات أخرى، أو أجزاء من مضمونها، خارج المجال العام.
كما تختلف الدبلوماسية الاستخبارية عن التعاون الاستخباري التقليدي. فتبادل المعلومات بشأن الإرهاب أو الجريمة المنظمة أو التهديدات الأمنية يبقى تعاونًا بين الأجهزة، بينما تبدأ الدبلوماسية عندما تُستخدم المعلومات أو العلاقات القائمة لتحقيق هدف سياسي، مثل التأثير في موقف شريك، أو نقل رسالة إلى خصم، أو تقريب المسافة بين أطراف متنازعة.
وقد ميّز هولمغرين بين تبادل المعلومات لأغراض تعاونية واستخدامها الدبلوماسي لتشكيل التصورات أو التوفيق بين المواقف أو تغيير السياسات.
الوظائف والضوابط القانونية والمؤسسية
يمكن تحديد الوظائف الرئيسية للدبلوماسية الاستخبارية في أربعة مجالات متداخلة:
أولًا، استكشاف المواقف والتحضير للمفاوضات عبر اختبار الأفكار الأولية، وتحديد الخطوط الحمراء، وتقييم استعداد الأطراف لقبول ترتيبات معينة قبل عرضها رسميًا.
ثانيًا، نقل الرسائل وبناء الثقة من خلال الحفاظ على الاتصال خلال فترات التوتر، وتوضيح النوايا، وتقليل احتمال سوء التقدير.
ثالثا: بناء التفاهمات والضمانات، وربط المجالين السياسي والأمني، لا سيما في النزاعات التي يرتبط فيها تنفيذ الاتفاقات السياسية بالترتيبات الأمنية والعسكرية. ويتيح ذلك للجهاز الجمع بين تقييمات الأوضاع السياسية، وميزان القوى، وقدرة الأطراف على الوفاء بالتزاماتها.
رابعا: دعم المسار السياسي والدبلوماسي الرسمي عبر تهيئة أساس للتفاوض أو عبر الحفاظ على اتصالات استخبارية موازية عند معالجة القضايا الأمنية. وقد تجلى هذا الارتباط في الحرب الأوكرانية، حيث استُخدمت الاستخبارات لتحذير الشركاء، وحشد الدعم بين الحلفاء، والتواصل مع القيادة الروسية بالتوازي مع الجهود الدبلوماسية الأمريكية.
وتخضع ممارسة هذه الوظائف للأطر القانونية والمؤسسية الحاكمة لعمل كل جهاز وللتفويضات الصادرة عن القيادة السياسية. ولا يوجد نموذج واحد يحدد نطاق العمليات الخارجية لأجهزة الاستخبارات، إذ تتفاوت صلاحياتها وفق تشريع كل دولة وموقع الجهاز داخل منظومة صنع القرار.
وتسمح بعض القوانين بنطاق واسع للانخراط الخارجي؛ فعلى سبيل المثال، يُسند القانون المصري رقم 100 لسنة 1971 إلى جهاز المخابرات العامة مسؤولية الحفاظ على سلامة وأمن الدولة، ويجيز لرئيس الجمهورية أو مجلس الدفاع الوطني إسناد مهام إضافية إليه كلما تعلقت بأمن البلاد.
وبالمثل، يمنح القانون التركي رقم 2937 جهاز الاستخبارات الوطني صلاحية إقامة علاقات مباشرة مع المؤسسات والمنظمات والهيئات والأفراد المحليين والأجانب أثناء أدائه لمهامه.
ويضع القانون الليبي رقم 7 لسنة 2012 ضمن مسؤوليات جهاز الاستخبارات حماية المصالح الليبية في الخارج، ورصد التحالفات العسكرية والأمنية الإقليمية، ومتابعة المؤتمرات الدولية والوفود الرسمية.
وبناءً على ذلك، يمكن أن يندرج لقاء رئيس جهاز استخبارات مع مسؤول سياسي أو عسكري أجنبي ضمن نطاق مهامه عندما يتعلق بمسؤوليات الجهاز أو يكون مفوضًا به من السلطة السياسية. ولا تُحدَّد مشروعية الاتصال بمجرد وضع الطرف الآخر، بل أيضًا بطبيعة المهمة والأساس القانوني الذي تستند إليه، في حين تبقى القرارات السياسية النهائية والاتفاقات الملزمة من اختصاص المؤسسات المخوّلة.
وتُظهر التجربة الأمريكية جانبًا آخر من هذه القيود؛ فالاستخدام الدبلوماسي للاستخبارات يرتبط بهدف سياسي محدد، وبالتكامل مع أدوات الدولة الأخرى، والاعتماد على معلومات موثوقة، وتحقيق توازن بين العوائد السياسية والمخاطر التي تهدد المصادر والأساليب والمصداقية.
وفي هذا السياق، يوضح جونز أن تبادل الاستخبارات مع الشركاء الأجانب يستند إلى سلطات قانونية وسياسات وتوجيهات مؤسسية، وأن توسع هذا الاستخدام خلال الحرب الأوكرانية أثار جدلًا حول نطاق هذا التبادل، ومخاطر التصعيد، والمسؤولية القانونية.
وبناءً على ذلك، تعمل الدبلوماسية الاستخبارية كأداة مكملة للسياسة الخارجية، وتزداد أهميتها في الأزمات التي تتعدد فيها مراكز القوة وتتشابك فيها الحسابات السياسية مع المتطلبات الأمنية والعسكرية، ما يوفر مدخلًا لتفسير حضورها المتصاعد في الوضع الليبي.
ثانيًا: العوامل المساهمة في صعود الدبلوماسية الاستخبارية في الحالة الليبية
شهد الملف الليبي زيادة ملحوظة وأكثر علنية في نشاط رؤساء الاستخبارات الإقليميين في الأشهر الأخيرة، اتسمت بتقارب التوقيت واتساع نطاق هذه التحركات، لتشمل مراكز القوة في شرق البلاد وغربها.
ففي 21 يونيو 2026، زار رئيس جهاز المخابرات العامة المصري حسن رشاد طرابلس، في أول زيارة له منذ توليه منصبه. والتقى برئيس حكومة الوفاق عبد الحميد الدبيبة وعدد من المسؤولين السياسيين والعسكريين والأمنيين، وبحث تطورات العملية السياسية وتوحيد المؤسسات ودعم الاستقرار.
وتزامن ذلك مع اتصالات مصرية في الشرق؛ إذ التقى رشاد في القاهرة بسدام حفتر، بحضور مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والإفريقية، في إطار مشاورات تهدف إلى تقريب المسافات بين الأطراف ودفع العملية السياسية.
وفي 23 يونيو، تنقّل رئيس جهاز الاستخبارات الوطني التركي إبراهيم قالن بين الفصيلين المتنافسين. والتقى بصدام حفتر في بنغازي لبحث توحيد الإدارات والقوات العسكرية في الشرق والغرب، قبل أن يتوجه إلى طرابلس للقاء محمد المنفي وعبد الحميد الدبيبة ووكيل وزارة الدفاع عبد السلام الزوبي ووزير الداخلية عماد الطرابلسي. وتناولت مباحثاتهم التطورات السياسية والأمنية والعسكرية.
وفي اليوم نفسه، كان رئيس جهاز الاستخبارات الخارجية الإيطالي جيوفاني كارافيللي أيضًا في طرابلس، حيث بحث مع الدبيبة التطورات السياسية والأمنية وتوحيد المؤسسات ودعم العملية السياسية.
هكذا، شهدت أيام قليلة تحركات متزامنة لرؤساء أجهزة الاستخبارات المصرية والتركية والإيطالية بشأن الملف الليبي، بالتوازي مع المبادرة الأمريكية بقيادة بول لإحياء ملف توحيد السلطة والمؤسسات.
ولم يقتصر هذا النشاط على ذلك فحسب؛ ففي 29 يونيو، بحث قالن ورشاد في أنقرة توحيد المؤسسات والقوات الليبية، ثم التقى رشاد بوكيل وزارة الدفاع الليبي في حكومة الدبيبة، عبد السلام الزوبي، في 16 يوليو في العلمين، وشارك في لقاء الرئيس عبد الفتاح السيسي مع الدبيبة في 30 يوليو، ثم في لقاء السيسي مع خليفة حفتر في 19 أغسطس، قبل أن يلتقي بسدام حفتر في العلمين في 22 أغسطس لبحث دفع العملية السياسية والانتخابات.
ويشير هذا الزخم إلى تنامي حضور القنوات الاستخبارية في الملف الليبي، ويرتبط بمجموعة من العوامل السياسية والأمنية والإقليمية والدولية التي هيّأت بيئة أكثر مواتاة لهذا الدور المتوسع. ويمكن إيجاز أبرز هذه العوامل فيما يلي:
1- استمرار الانقسام المؤسسي وتعدد مراكز القوة
يُعدّ الانقسام المؤسسي أحد العوامل الرئيسية المفسرة لتوسع دور القنوات الاستخبارية، إذ لا يزال البيئة السياسية الليبية الراهنة قائمة على توزيع السلطة والنفوذ بين مراكز متعددة. فحكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة تؤدي مهامها من طرابلس، بينما تستمر الحكومة المعينة من مجلس النواب برئاسة أسامة حماد في الشرق. ويوازي الانقسام التنفيذي استمرار دور مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، وتأثير القيادة العامة بقيادة خليفة حفتر في الشرق وأجزاء واسعة من الجنوب، وتعدد القوى والتشكيلات الأمنية والمسلحة في الغرب.
ويخلق هذا البنيان مأزقًا تفاوضيًا: صعوبة إدارة الأزمة عبر قناة رسمية واحدة أو فاعل مؤسسي محدد. وهنا تصبح القنوات الاستخبارية حاسمة، نظرًا لمرونتها في التواصل مع مستويات مختلفة من السلطة والنفوذ، وقدرتها على التعامل مع الفاعلين السياسيين والعسكريين والأمنيين في آن واحد. لذلك، يعكس استخدامها الواسع، جزئيًا، تكيّفًا مع بنية السلطة الليبية المفتتة، وليس مجرد تحول في أدوات السياسة الخارجية.
2- التداخل بين التسوية السياسية والترتيبات الأمنية والعسكرية
تتسم الأزمة الليبية بصعوبة الفصل بين التسوية السياسية والبيئة الأمنية والعسكرية المحيطة بها؛ إذ ترتبط قضايا الانتخابات وتوحيد السلطة والمؤسسات بقدرة الأطراف على توفير ترتيبات أمنية تضمن تنفيذها، في ظل تعدد القوى المسلحة واستمرار الانقسام داخل المؤسسات العسكرية والأمنية.
ويخلق هذا الارتباط فجوة بين الاتفاقات السياسية وتنفيذها العملي. فقد توجد صيغة مقبولة سياسيًا من الناحية النظرية، لكن تنفيذها يظل مرهونًا بمواقف القوى التي تمتلك وسائل القوة والسيطرة على الأرض. ولهذا تكتسب الدبلوماسية الاستخبارية وزنًا إضافيًا، لأنها تعمل في المساحة بين المجالين السياسي والأمني، ما يتيح اختبار جدوى الاتفاقات، وتقييم مواقف القوى العسكرية، وإرساء الضمانات اللازمة.
3- محدودية قدرة المسار الدولي على حل القضية
أسهم استطالة العملية التي تقودها الأمم المتحدة وصعوبة ترجمة مبادراتها إلى تسوية نهائية في توسع القنوات الموازية لإدارة المفاوضات. وقد قاد عدة شخصيات جهود الوساطة الأممية في السنوات الأخيرة، من غسان سلامة وستيفاني ويليامز إلى يان كوبيش وعبد الله باتيلي وحنا تيتيه. وحققت الأمم المتحدة اختراقات جزئية، منها وقف إطلاق النار، ومسارات الحوار، وتشكيل حكومة الوحدة الوطنية، لكنها لم تتمكن من ترجمتها إلى تسوية مستدامة تنهي الانقسام وتفضي إلى الانتخابات المؤجلة منذ ديسمبر 2021.
وكون عدة من مهام هؤلاء الوسطاء انتهت دون حل للعملية السياسية يؤكد حجم المأزق. فقد استقال كوبيش قبل تعطل الانتخابات، ثم أنهى باتيلي مهمته بعد فشل محاولاته في جمع الأطراف الرئيسية بسبب الشروط المسبقة والمصالح المتضاربة. واستمر المأزق مع المبعوث الأممي الحالي حنا تيتيه، إذ فشل مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة في إنجاز المرحلتين الأوليين من خارطة الطريق المتعلقتين بإعادة هيكلة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات والإطار الانتخابي.
وتعثر تنفيذ الاتفاقات، وفاقمت الإجراءات الأحادية الجمود. وقد دفع ذلك بعثة الأمم المتحدة إلى تشكيل اللجنة العسكرية المشتركة 4+4 كآلية أكثر تركيزًا لتجاوز الخلافات، بالتوازي مع الحوار المنظم الذي اختُتم في يونيو 2026 بأكثر من 525 توصية.
وبعد سبع جولات، وقّعت اللجنة بالأحرف الأولى على مشروع اتفاق بشأن المرحلتين الأوليين في 20 أغسطس. غير أن اعتماد المخرجات وتحولها إلى ترتيبات فعالة يظل مرهونًا بمواقف المؤسسات الليبية المعنية، ما يعكس الفجوة المستمرة بين إنتاج التوافق الذي ترعاه الأمم المتحدة وتنفيذه.
…
يتبع
__________