تحرير الشّايب

المحطة الرابعة: حكومة الوفاق الوطني برئاسة فائز السراج (2016–2021)

هذه المحطة محورية في مراجعتنا؛ لأنها تمثل محاولة لمعالجة الانقسام الذي ظهر عام 2014 عن طريق اتفاق سياسي جديد، ومجلس رئاسي، وحكومة وفاق تحظى بدعم دولي.

لكنها تطرح أيضًا مفارقة مهمة: استطاعت حكومة الوفاق دخول طرابلس وممارسة الحكم، ثم الصمود خلال حرب استمرت أكثر من عام على العاصمة، وانتهت المرحلة باتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر 2020؛ ومع ذلك، لم تنجح في توحيد المؤسسات العسكرية والسياسية وإنهاء الانقسام بصورة نهائية.

وُقّع الاتفاق السياسي الليبي في الصخيرات يوم 17 ديسمبر 2015، وأيد مجلس الأمن الاتفاق في قراره 2259. ووصل أعضاء المجلس الرئاسي إلى طرابلس في 30 مارس 2016، بينما لم يحظَ التشكيل الحكومي في ذلك الوقت باستكمال جميع إجراءات الاعتماد المطلوبة من مجلس النواب.

هذه النقطة الأخيرة أساسية: الاعتراف الدولي بالحكومة، والقدرة على ممارسة السلطة، والاعتماد الدستوري الداخلي ليست شيئًا واحدًا.

أولًا: اتفاق الصخيرات — هل عالج أسباب الانقسام أم أدارها؟

كان الهدف الأساسي من الاتفاق السياسي الليبي إنهاء الصراع بين المعسكرات السياسية المتنافسة، وإنشاء إطار مؤسسي يجمع مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة والمجلس الرئاسي وحكومة الوفاق.

وتَضمّن الاتفاق توزيعًا للمهام بين المؤسسات، مع إبقاء مجلس النواب سلطة تشريعية، وإنشاء المجلس الأعلى للدولة، وتكليف المجلس الرئاسي بقيادة السلطة التنفيذية وترتيبات الأمن والسياسة الاقتصادية.

لكن ظهرت ثلاث مشكلات أساسية في تطبيقه:

  • عدم اكتمال الاعتماد الداخلي: لم يستكمل مجلس النواب إجراءات اعتماد التشكيلة الحكومية وفق الآلية المنصوص عليها في الاتفاق، ما أضعف القاعدة السياسية الداخلية للحكومة.

  • الخلاف على الصلاحيات: استمرت الخلافات بشأن توزيع الاختصاصات بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة والمجلس الرئاسي، ولم تتحول ترتيبات الاتفاق إلى قواعد تحظى بقبول جميع الأطراف.

  • غياب ضمانات تنفيذ كافية: لم يتوافر توافق أمني وسياسي شامل يضمن أن تلتزم القوى المسلحة والمؤسسات المتنافسة بقرارات السلطة التنفيذية الجديدة.

ومن الإنصاف الإشارة إلى أن الاتفاق لم يكن مجرد صفقة بين طرفين؛ فقد شارك في الحوار الذي أفضى إليه ممثلون عن قوى سياسية ومناطق ومكونات ليبية متعددة. لكن شمول المشاركين في الحوار لم يتحول تلقائيًا إلى قبول وطني شامل بالترتيبات الناتجة عنه.

الدرس الأول: لا يكفي أن يكون الاتفاق السياسي مقبولًا لدى أطراف التفاوض أو معترفًا به دوليًا؛ بل يجب أن تكون قواعد اعتماده وتنفيذه ومراجعة خلافاته واضحة، وأن توجد آليات عملية لإلزام المؤسسات والأطراف باحترامه.

ثانيًا: الإنجازات التي ينبغي تسجيلها

1. إعادة إنشاء سلطة تنفيذية في طرابلس

وصل المجلس الرئاسي إلى العاصمة في مارس 2016، وبدأت حكومة الوفاق ممارسة مهامها. وأسهم ذلك في إنهاء عمل الحكومة المنافسة في طرابلس رسميًا، وإن لم يؤدِّ إلى توحيد السلطة في كامل البلاد.

2. هزيمة تنظيم داعش في سرت

شهد عام 2016 عملية «البنيان المرصوص» التي قادتها قوات مصراتة الموالية لحكومة الوفاق، وانتهت باستعادة سرت من تنظيم داعش في ديسمبر. وكان ذلك إنجازًا أمنيًا وعسكريًا مهمًا، وإن لم يكن دليلًا على توحيد الجيش أو احتكار الدولة للقوة.

3. الصمود خلال حرب طرابلس

بدأت قوات خليفة حفتر هجومها على العاصمة في أبريل 2019. وتمكنت القوات المدافعة عن طرابلس من منع السيطرة عليها، واستمر القتال حتى انهزم جيش حفتر وتوقف العمليات العسكرية الواسعة في 2020. وقد تكبد المدنيون خسائر ونزوحًا وأضرارًا كبيرة خلال هذه الحرب.

4. اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر 2020

وقّعت اللجنتان العسكريتان الليبيتان، المعروفتان بلجنة 5+5، اتفاق وقف إطلاق نار دائم وشامل في 23 أكتوبر 2020، بوساطة الأمم المتحدة. وشمل الاتفاق ترتيبات لعودة الوحدات العسكرية من خطوط المواجهة، وخروج المقاتلين الأجانب والمرتزقة، واستكمال الترتيبات الأمنية.

هذه الإنجازات مهمة في المراجعة النقدية؛ فلا يصح أن نختزل فترة حكومة الوفاق في الإخفاقات، كما لا يصح اعتبارها دليلًا على اكتمال بناء الدولة.

ثالثًا: الإخفاقات البنيوية

1. عدم توحيد المؤسسة العسكرية والأمنية

ظل الأمن موزعًا بين مؤسسات رسمية وتشكيلات مسلحة متفاوتة الارتباط بالحكومة. ولم يكن المجلس الرئاسي قادرًا على فرض قيادة وطنية موحدة على جميع القوى المسلحة.

وفي تقرير أمريكي لحقوق الإنسان عن ليبيا لعام 2020، وُصفت قوات حكومة الوفاق بأنها تضم وحدات شبه نظامية ومجموعات مسلحة قبلية ومتطوعين مدنيين، مع محدودية السيطرة الفعلية للحكومة على هذه القوات.

وهذا يعني أن وجود وزارة داخلية أو دفاع، أو إدراج مجموعة مسلحة ضمن جهاز رسمي، لا يكفي لإثبات خضوعها الفعلي لقيادة وطنية موحدة.

2. عدم إنهاء الانقسام السياسي

استمرت المؤسسات المنافسة في الشرق، وظل مجلس النواب والحكومة المدعومة منه خارج إطار السلطة التنفيذية في طرابلس. وقد ساهم عدم استكمال اعتماد حكومة الوفاق، والخلاف على تفسير الاتفاق السياسي وتوزيع الصلاحيات، في إضعاف وحدة المؤسسات.

ومن المهم ألا ننسب الانقسام كله إلى السراج أو حكومته؛ فقد شاركت فيه أطراف متعددة، وكانت له أسباب سياسية وعسكرية ودستورية. لكن التقييم المطلوب هو تحديد ما استطاعت الحكومة إنجازه لتقليص الانقسام، وما بقي خارج قدرتها، وما إذا كانت خياراتها قد ساعدت على بناء توافق أوسع أو عمّقت الاعتماد على موازين القوى القائمة.

3. العلاقة مع التشكيلات المسلحة في طرابلس

أصبحت التشكيلات المسلحة عنصرًا مهمًا في حماية العاصمة ومساندة حكومة الوفاق، لكنها ظلت أيضًا مصدرًا لتحديات تتعلق بسلطة الدولة والمساءلة.

وهنا تظهر مفارقة صعبة: احتاجت الحكومة إلى قوى مسلحة للدفاع عنها، ولا سيما خلال حرب طرابلس، بينما كان بناء دولة مستقرة يتطلب إخضاع القوة المسلحة لقيادة مؤسسية وقواعد قانونية موحدة.

لا يعني ذلك أن الاستعانة بالقوات التي دافعت عن العاصمة كانت خطأ في حد ذاتها؛ فالسياق كان حربًا فعلية. لكن السؤال المؤسسي هو ما إذا كانت ترتيبات الأمن خلال الحرب قد تحولت بعد ذلك إلى خطة عملية لبناء مؤسسات أمنية وطنية مستقلة عن نفوذ الفصائل.

4. ضعف المسار الدستوري والانتخابي

لم تنجح حكومة الوفاق خلال فترة ولايتها في الوصول إلى انتخابات وطنية تنهي المرحلة الانتقالية. وظلت الخلافات حول القاعدة الدستورية والقوانين الانتخابية وتوزيع السلطات من أبرز معوقات الانتقال.

ومع ذلك، فإن مسؤولية تعثر الانتخابات لم تكن مسؤولية الحكومة وحدها؛ فقد شاركت فيها المؤسسات التشريعية والسياسية المتنافسة، والخلافات على شروط الترشح، والقواعد الدستورية، والترتيبات الأمنية.

وهذا درس سنعود إليه عند مراجعة حكومة الدبيبة وانتخابات ديسمبر 2021: لا يكفي أن تعلن الحكومة تأييدها للانتخابات، بل يجب تقييم مدى استعدادها المؤسسي، ومدى تعاون بقية المؤسسات، ووجود آلية مقبولة لحل النزاعات الانتخابية.

رابعًا: حرب طرابلس 2019–2020 — اختبار الدولة والحكومة

تستحق الحرب على طرابلس دراسة مستقلة داخل ملف حكومة الوفاق، لأنها كانت اختبارًا حاسمًا لقدرة الحكومة على حماية العاصمة والمؤسسات التي تعمل منها.

بدأ الهجوم في أبريل 2019، في وقت كانت فيه المساعي السياسية الأممية مستمرة. وقد أدت الحرب إلى خسائر بشرية ونزوح وتعطيل الحياة الاقتصادية، وتدخلت فيها أطراف خارجية بدرجات مختلفة. واستمرت المواجهات حتى اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر 2020.

ينبغي أن يتناول تقييمنا ثلاثة أسئلة:

  1. ما الذي حققته الحكومة؟ تمكنت السلطة في طرابلس والقوات التي ساندتها من منع سقوط العاصمة واستمرار عمل الحكومة.

  2. ما الذي كشفته الحرب؟ أظهرت هشاشة منظومة الأمن الوطنية، واعتماد بقاء السلطة على تحالفات عسكرية، وتأثير التدخلات الخارجية في مسار الصراع.

  3. ما الذي لم يُحسم بعد الحرب؟ لم يتحول وقف إطلاق النار وحده إلى توحيد كامل للمؤسسات العسكرية والسياسية، ولم يُنهِ وجود القوات الأجنبية والمقاتلين الأجانب جميع التحديات الأمنية.

ومن الضروري أيضًا التمييز بين النجاح العسكري في منع سقوط العاصمة وبين نجاح الدولة في بناء نظام أمني مستقر. فالأول لا يضمن الثاني.

خامسًا: حصيلة حكومة الوفاق في مصفوفة موحدة

المجال

ما تحقق أو استمر

ما بقي دون حل

السلطة التنفيذية

ممارسة الحكومة مهامها من طرابلس

عدم توحيد السلطة التنفيذية في البلاد

مكافحة الإرهاب

استعادة سرت من تنظيم داعش

عدم اكتمال بناء منظومة أمنية وطنية موحدة

الأمن

الدفاع عن العاصمة خلال الحرب

استمرار نفوذ التشكيلات المسلحة وتعدد مراكز القوة

وقف إطلاق النار

اتفاق 23 أكتوبر 2020

عدم استكمال جميع الترتيبات الأمنية وخروج القوات الأجنبية

المؤسسات

استمرار عمل مؤسسات وطنية مهمة

الانقسام السياسي والمؤسسي بين الشرق والغرب

الانتخابات

استمرار الدعوات والمساعي للانتقال السياسي

عدم إجراء انتخابات وطنية تنهي المرحلة الانتقالية خلال ولاية الحكومة

هذه حصيلة وصفية أولية. أما الحكم على أداء الحكومة في الاقتصاد والخدمات والإنفاق العام فيحتاج إلى مقارنة بيانات الميزانيات والإيرادات والخدمات عبر السنوات، بدلًا من الاعتماد على الانطباعات أو التصريحات السياسية وحدها.

سادسًا: الدروس التي ينبغي نقلها إلى مشروع «الدولة الممكنة»

أرى أن تجربة حكومة الوفاق تكشف خمس مسائل ينبغي أخذها في الاعتبار عند تصميم الحكومة التأسيسية المقبلة.

1. الاتفاق السياسي لا يعوض القاعدة الدستورية الواضحة.

ينبغي أن يكون تشكيل الحكومة واختصاصاتها ومدتها وآليات الرقابة عليها مستندًا إلى قواعد معلومة، مع وجود آلية لحل النزاعات بين المؤسسات.

2. لا يمكن بناء الدولة بالاعتماد الدائم على موازين القوى المسلحة.

قد تفرض الظروف الأمنية ترتيبات استثنائية، لكن يجب أن تكون مؤقتة ومتصلة بخطة قابلة للقياس لتوحيد المؤسسات الأمنية والعسكرية.

3. الدفاع عن العاصمة أو استعادة مدينة ليسا بديلًا عن توحيد الدولة.

الإنجاز الأمني مهم، لكنه يجب أن يقود إلى مؤسسات مستقرة، لا إلى استمرار ترتيبات استثنائية.

4. الاعتراف الدولي مهم لكنه غير كافٍ.

تحتاج الحكومة إلى قبول داخلي، وقدرة على تنفيذ القانون، وتعاون المؤسسات التشريعية والقضائية والرقابية.

5. يجب أن يكون إنهاء المرحلة الانتقالية هدفًا قابلًا للقياس.

ينبغي ربط عمل الحكومة بجدول زمني ومراحل واضحة، مع معالجة شروط الانتخابات والأمن والقبول بنتائجها وآليات فض النزاع.

الخلاصة النقدية: تجربة حكومة الوفاق الوطني ليست قصة نجاح مطلق أو إخفاق مطلق. فقد حققت إنجازات في استمرار السلطة التنفيذية في طرابلس، ومكافحة تنظيم داعش في سرت، والصمود خلال حرب العاصمة، والوصول إلى اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر 2020.

وفي المقابل، لم تتمكن من إنهاء الانقسام المؤسسي أو توحيد المؤسسة العسكرية والأمنية أو إتمام الانتقال الانتخابي.

وهذه هي المفارقة التي ينبغي أن تظل حاضرة في مراجعتنا: قد تنجح الحكومة في البقاء وإدارة الصراع، دون أن تنجح بالقدر نفسه في بناء المؤسسات التي تجعل الدولة مستقرة بعد انتهاء الصراع.

المحطة الخامسة: حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة (2021–2026)

سننتقل بعد ذلك إلى حكومة الدبيبة، التي تشكلت في سياق ملتقى الحوار السياسي الليبي، وحملت تفويضًا بتهيئة الظروف للانتخابات في ديسمبر 2021. وسنراجع ظروف تشكيلها، وأداءها في الخدمات والاقتصاد والإنفاق العام، ومسؤولياتها وحدود مسؤوليتها عن تعثر الانتخابات، ثم استمرار الانقسام التنفيذي.

وسيكون السؤال المركزي: هل عملت الحكومة على إنهاء المرحلة الانتقالية، أم أصبحت إدارة المرحلة الانتقالية نفسها جزءًا من استمرار الأزمة؟

…

يتبع

____________