تحرير الشّايب

المحطة الثالثة: حكومة عبد الله الثني — من أزمة الحكومة إلى انقسام الدولة (2014–2016 وما بعده)
هذه المحطة تختلف عن سابقتيها؛ لأننا لم نعد نراجع أداء حكومة تعمل في ظل انتقال سياسي مضطرب فحسب، بل ندرس مرحلة تحولت فيها الأزمة إلى انقسام في السلطة التشريعية والتنفيذية، وتنافس على المؤسسات السيادية، واندلاع صراع مسلح واسع.
ولكي تكون المراجعة دقيقة، ينبغي التمييز بين مرحلتين في تجربة عبد الله الثني:
-
المرحلة الأولى: توليه رئاسة الحكومة المؤقتة في مارس 2014، بعد سحب الثقة من علي زيدان.
-
المرحلة الثانية: إعادة تكليفه وتشكيل حكومته في سبتمبر 2014، بعد انتخاب مجلس النواب وانتقاله إلى طبرق، ثم انتقال الحكومة إلى البيضاء إثر سيطرة قوات «فجر ليبيا» على طرابلس.
في أغسطس 2014، عاد المؤتمر الوطني العام إلى الانعقاد في طرابلس، وشُكلت حكومة منافسة برئاسة عمر الحاسي. وهكذا أصبحت البلاد أمام سلطتين تنفيذيتين ومؤسستين تشريعيتين متنافستين.
أولًا: كيف وصلنا إلى الانقسام؟
لا يمكن فهم أداء حكومة الثني دون وضعها ضمن تسلسل الأحداث في عام 2014، وهو العام الذي شهد انتقال الأزمة السياسية إلى مواجهة مسلحة واسعة.
مارس 2014: سحب الثقة من علي زيدان، تولى وزير الدفاع عبد الله الثني رئاسة حكومة تصريف الأعمال. كان المطلوب استمرار إدارة الدولة إلى حين استكمال الترتيبات السياسية التالية.
مايو 2014: اتساع المواجهة المسلحة، انطلقت عملية الكرامة في بنغازي بقيادة خليفة حفتر، في سياق صراع أمني وسياسي متصاعد، وتزايدت المواجهات بين التشكيلات المسلحة المتنافسة.
يونيو 2014: انتخاب مجلس النواب، أُجريت الانتخابات في 25 يونيو، في ظروف صعبة ومشاركة محدودة. كان الانتقال إلى مجلس جديد فرصة لتجديد التفويض السياسي، لكنه لم ينهِ الخلافات حول قواعد الشرعية والسلطة.
يوليو–أغسطس 2014: معارك طرابلس وانتقال المؤسسات إلى الشرق، أدت المعارك وسيطرة تحالف فجر ليبيا على العاصمة إلى انتقال مجلس النواب إلى طبرق، وانتقال حكومة الثني إلى البيضاء. وأعاد أعضاء من المؤتمر الوطني العام السابق تفعيل المجلس في طرابلس وشكلوا حكومة منافسة برئاسة عمر الحاسي.
نوفمبر 2014: تعقيد النزاع الدستوري، أصدرت الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا حكمًا في 6 نوفمبر بشأن التعديل الدستوري الذي مهد لانتخابات مجلس النواب. فسر خصوم المجلس الحكم على أنه يبطل الأساس الدستوري لانتخابه، بينما رفض مجلس النواب هذا التفسير. وهكذا أصبح الخلاف متعلقًا بالشرعية الدستورية ذاتها، لا بمجرد التنافس على المناصب.
توضح هذه الأحداث أن الانقسام لم ينشأ بقرار واحد أو بسبب حكومة واحدة. فقد تداخلت أزمة الانتقال الدستوري مع الصراع المسلح والتنافس السياسي، وأصبحت المؤسسات تعمل في بيئة فقدت فيها السلطة المركزية القدرة على فرض قراراتها في أجزاء واسعة من البلاد.
ثانيًا: تقييم أداء حكومة الثني
1. الشرعية والقدرة على الحكم
حظيت حكومة الثني بدعم مجلس النواب، واعترفت بها دول ومنظمات دولية بوصفها الحكومة الشرعية في تلك المرحلة. لكن الاعتراف الخارجي لم يكن دليلًا على امتلاكها السيطرة الفعلية على كامل أجهزة الدولة أو الأراضي الليبية.
فقد أظهر تقرير وزارة الخارجية الأمريكية عن حقوق الإنسان لعام 2014 أن حكومة الثني لم تكن تسيطر فعليًا على القوات الحكومية أو المجموعات المسلحة المتحالفة معها، وأن السلطات المنافسة في طرابلس كانت تمارس بدورها نفوذًا على مؤسسات حكومية.
وهنا ينبغي التمييز بين ثلاثة مفاهيم:
-
الشرعية القانونية أو السياسية التي تستند إليها الحكومة.
-
الاعتراف الدولي الذي تحظى به.
-
القدرة الفعلية على تنفيذ قراراتها.
قد تتوافر بعض هذه العناصر دون غيرها. وهذه من أبرز المشكلات التي ستتكرر في التجربة الليبية لاحقًا.
2. الأمن والسيادة
لم تتمكن الحكومة من توحيد القيادة العسكرية والأمنية أو إخضاع جميع التشكيلات المسلحة لسلطة وطنية موحدة. وترافقت الحرب مع انتهاكات جسيمة ارتكبتها مجموعات مسلحة مرتبطة بأطراف متنافسة، شملت استهداف المدنيين وانتهاكات حقوق الإنسان.
لكن الإنصاف يقتضي عدم اختزال المسؤولية في حكومة الثني وحدها؛ إذ كانت الحكومة نفسها طرفًا في منظومة منقسمة، وكانت بعض القوى المسلحة تتحرك باستقلالية عنها، بينما كانت قوى أخرى مرتبطة بالسلطة المنافسة في طرابلس.
والدرس هنا أن وجود حكومة ووزارات وميزانية لا يساوي وجود دولة تحتكر استخدام القوة وفق القانون.
3. الاقتصاد والمؤسسات السيادية
أدى الانقسام إلى صعوبات كبيرة في إدارة المؤسسات الوطنية، بما فيها المؤسسات النفطية والمالية. ومع انتقال السلطات إلى الشرق، أنشأت حكومة الشرق ومجلس النواب مؤسسات موازية، في حين ظلت مؤسسات مهمة في طرابلس.
ووثق تقرير هيومن رايتس ووتش لعام 2016 استمرار وجود إدارات متوازية ومؤسسات نفطية واستثمارية ومالية متنافسة. وكان لذلك أثر مباشر في وحدة القرار الاقتصادي وفي القدرة على إدارة الإيرادات والسياسات العامة على مستوى البلاد.
ومن الضروري هنا ألا نخلط بين مسؤولية حكومة الثني عن قراراتها وبين مسؤولية الانقسام الأوسع عن تدهور أداء المؤسسات. فالمشكلة لم تكن فقط في إدارة حكومة بعينها، بل في أن مؤسسات الدولة أصبحت موضع تنافس بين سلطتين.
4. الخدمات والإدارة العامة
استمرت الإدارة العامة في تقديم بعض الخدمات، لكن الانقسام الأمني والمؤسسي حدّ من قدرة الحكومة على تنفيذ سياسة وطنية موحدة. ولا تسمح الأدلة التي استندنا إليها هنا بإسناد نتائج الخدمات في جميع المناطق إلى حكومة الثني وحدها؛ ولذلك نحتاج، إلى بيانات أكثر تحديدًا عن الإنفاق العام والكهرباء والصحة والتعليم والتوظيف خلال 2014–2016.
وهذا تمييز مهم في منهج المراجعة: لا ينبغي أن نضع حكمًا عامًا على الخدمات دون تحديد المؤشرات والمناطق والفترة التي نقيسها.
ثالثًا: ما الذي تحقق رغم الأزمة؟
حتى لا تتحول المراجعة إلى قائمة إخفاقات فقط، ينبغي الاعتراف بما تحقق وما استمر من عمل مؤسسي.
-
استمرار وجود سلطة تنفيذية مرتبطة بمجلس النواب: رغم انتقالها إلى الشرق، واصلت الحكومة أداء بعض الوظائف الإدارية والسياسية.
-
استمرار المسار الانتخابي والدستوري بصورة جزئية: أُجريت انتخابات مجلس النواب في يونيو 2014، كما انتُخبت الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور في فبراير من العام نفسه، وإن لم يؤدِّ ذلك إلى إنهاء النزاع.
-
المشاركة في المبادرات السياسية: عرضت حكومة الثني مقترحات لمعالجة الأزمة، وشجعت الأمم المتحدة والأطراف الدولية على بحث المقترحات السياسية بدلًا من اللجوء إلى العنف.
لكن هذه الوقائع لا تثبت أن الحكومة نجحت في توحيد الدولة أو استعادة السيطرة الأمنية؛ بل توضح أن بعض وظائف الدولة والمسارات السياسية استمرت حتى في ظل الانقسام.
رابعًا: ما الدروس المستفادة من هذه المرحلة؟
أرى أن تجربة الثني تضيف إلى مراجعتنا أربعة دروس مهمة:
الدرس الأول: الانتخابات لا تحسم النزاع على الشرعية إذا لم تُحسم قواعد الانتقال الدستوري.
انتخاب مجلس النواب لم يؤدِّ وحده إلى قبول جميع الأطراف بالنتائج، ثم أصبح تفسير الحكم الدستوري جزءًا من النزاع السياسي. وهذا يبين أهمية الاتفاق المسبق على القواعد الانتخابية والدستورية وآليات تسوية الخلافات بشأنها.
الدرس الثاني: الاعتراف الدولي لا يعوض غياب السيطرة المؤسسية.
يمكن لحكومة أن تحظى باعتراف دولي واسع، لكنها تظل عاجزة عن فرض القانون أو تنفيذ قراراتها في أجزاء من البلاد. لذلك ينبغي ألا يكون الاعتراف الخارجي معيارًا وحيدًا لتقييم نجاح الحكومة.
الدرس الثالث: الانقسام السياسي يتحول إلى انقسام في الدولة عندما تتعدد المؤسسات السيادية.
عندما تنشأ مؤسسات تنفيذية ومالية ونفطية متنافسة، يصبح توحيد الحكومة لاحقًا أصعب من مجرد الاتفاق على أسماء الوزراء؛ إذ يتطلب إعادة بناء الثقة والقواعد المشتركة والرقابة الموحدة.
الدرس الرابع: يجب ألا تصبح الحكومة الانتقالية جزءًا دائمًا من صراع الشرعية.
إذا لم توجد آلية واضحة تنهي المرحلة الانتقالية، فقد تتحول المؤسسات المؤقتة إلى أدوات تنافس على السلطة، بدلًا من أن تكون وسائل للوصول إلى نظام دستوري مستقر.
خامسًا: خلاصة مقارنة بين الكيب وزيدان والثني
|
البعد |
الكيب |
زيدان |
الثني |
|
التحدي المركزي |
تأسيس الانتقال بعد الحرب |
بناء قدرة تنفيذية للدولة |
إدارة السلطة وسط انقسام سياسي ومسلح |
|
المسار الانتخابي |
انتقال السلطة إلى المؤتمر الوطني العام |
تأخر استكمال الاستحقاقات الدستورية |
انتخاب مجلس النواب مع نزاع لاحق على الشرعية |
|
الأمن |
ضعف السيطرة على التشكيلات المسلحة |
استمرار العجز عن فرض سلطة أمنية موحدة |
تراجع السيطرة المركزية واتساع الانقسام المسلح |
|
المؤسسات |
استمرار بعض وظائف الإدارة العامة |
تعثر بناء مؤسسات أمنية فعالة |
ظهور مؤسسات وسلطات متوازية |
|
الدرس الأساسي |
الانتخابات تحتاج إلى مؤسسات تحميها |
السلطة القانونية تحتاج إلى قدرة تنفيذية |
الشرعية والاعتراف لا يكفيان دون وحدة الدولة |
هذه مقارنة تفسيرية أولية وليست ترتيبًا للحكومات من الأفضل إلى الأسوأ. كما أن لكل حكومة ظروفًا وصلاحيات ومدة مختلفة، وهو ما يجب مراعاته عند استكمال التقييم.
سادسًا: ماذا تعني هذه التجارب للحكومة التأسيسية التي نريد تصورها؟
هنا نقترب من صلب مشروع «الدولة الممكنة». فإذا أردنا تجنب تكرار تجربة الانقسام، فلا بد أن تقوم الحكومة التأسيسية على قواعد تختلف عن مجرد تشكيل حكومة جديدة بتوافق سياسي مؤقت.
وهنا علينا أن نختبر لاحقًا خمسة شروط أساسية:
-
اتفاق دستوري واضح على التفويض والمدة والاختصاصات قبل بدء عمل الحكومة.
-
ترتيبات وطنية ملزمة لوحدة المؤسسات السيادية، مع آليات لحسم النزاع حول شرعية القرارات.
-
خطة تدريجية لتوحيد المؤسسات الأمنية والعسكرية تحت سلطة مدنية، مع رقابة قضائية ومساءلة.
-
نظام مالي موحد وشفاف يربط الإيرادات والإنفاق بميزانية وطنية واحدة ومؤشرات أداء قابلة للقياس.
-
آلية مستقلة لمتابعة الانتقال تنشر تقارير دورية عن الإنجاز والتعثر، دون أن تتحول إلى سلطة تنفيذية بديلة.
هذه الشروط ليست ضمانًا آليًا للنجاح، لكنها تحول الدروس التاريخية إلى أسئلة تصميم مؤسسي يمكن الإجابة عنها قبل تشكيل الحكومة، بدلًا من اكتشاف المشكلات بعد وقوعها.
المحطة التالية: حكومة الوفاق الوطني برئاسة فائز السراج (2016–2021)
ستكون هذه المحطة مهمة لأنها تمثل محاولة جديدة لتجاوز الانقسام عبر اتفاق الصخيرات، وإنشاء سلطة تنفيذية تحظى باعتراف دولي، مع استمرار خلافات حول اعتمادها الداخلي وقدرتها على بسط سلطتها.
سنحتاج إلى دراسة أربعة ملفات مترابطة: اتفاق الصخيرات وحدود شرعيته، وترتيبات الأمن في طرابلس، وإدارة الموارد والمؤسسات الاقتصادية، ثم الحرب التي بدأت على طرابلس في أبريل 2019 وما كشفته من نقاط قوة وضعف في بنية الدولة.
والسؤال الذي سيقود هذه المحطة هو: هل عالجت حكومة الوفاق أسباب الانقسام التي ظهرت في 2014، أم نجحت في إدارة بعض نتائجه دون إنهائه؟
…
يتبع
____________