تحرير الشّايب
المحطة الأولى: حكومة عبد الرحيم الكيب (نوفمبر 2011 – نوفمبر 2012)
سنبدأ من نقطة تأسيسية:
هذه الحكومة لم ترث دولة مستقرة تستطيع تغيير سياساتها بسهولة، بل تولّت السلطة بعد انهيار نظام الحكم السابق وانتهاء الحرب، وفي ظل انتشار السلاح وتعدد مراكز القوة.
ومع ذلك، فإن صعوبة الظروف لا تعفيها من التقييم؛ بل تجعل من الضروري تحديد ما كان ممكنًا إنجازه، وما لم يُنجز، ولماذا.
ملاحظة زمنية مهمة: اختير عبد الرحيم الكيب في نوفمبر 2011، وشُكّلت حكومته وأدت اليمين في الشهر نفسه. أما تسليم السلطة إلى المؤتمر الوطني العام المنتخب فتم في 8 أغسطس 2012، ثم اختير علي زيدان لرئاسة الحكومة في نوفمبر 2012.
لذلك ينبغي الفصل بين حكومة الكيب بوصفها حكومة انتقالية، وبين الحكومة التي تشكلت لاحقًا تحت سلطة المؤتمر الوطني العام.
1. ما المهمة التي كانت أمام حكومة الكيب؟ يمكن تلخيص المهمة في أربعة أهداف مترابطة:
-
إعادة تشغيل الإدارة العامة والخدمات بعد الحرب.
-
بناء جهاز أمني وعسكري خاضع للسلطة المدنية، مع معالجة وضع التشكيلات المسلحة.
-
تهيئة الظروف لإجراء أول انتخابات وطنية في المرحلة الجديدة.
-
نقل البلاد من شرعية الثورة والمجلس الوطني الانتقالي إلى شرعية المؤسسات المنتخبة.
لم تكن هذه المهام متساوية في الصعوبة أو متساوية في النتائج. فقد كان تنظيم الانتخابات هدفًا محددًا يمكن قياسه بتاريخ واضح، بينما كان بناء جيش موحد وإعادة تأسيس المؤسسات يتطلبان وقتًا أطول، وقرارات سياسية صعبة، وتوافقًا وطنيًا واسعًا.
وقد شددت الأمم المتحدة منذ بداية تشكيل الحكومة على ضرورة أن تكون شاملة، وأن تمتلك الخبرة اللازمة في الخدمات العامة وإدارة الاقتصاد والأمن.
2. الإنجازات التي يمكن إثباتها
أ). تهيئة الانتقال إلى انتخابات وطنية
أُجريت انتخابات المؤتمر الوطني العام في 7 يوليو 2012، بمشاركة نحو 1.7 مليون ناخب من أصل 2.8 مليون ناخب مؤهل وفق التقرير الليبي المقدم إلى الأمم المتحدة.
وكانت الانتخابات خطوة مهمة في نقل السلطة من المجلس الوطني الانتقالي إلى مؤسسة منتخبة. ينبغي هنا احتسابها إنجازًا للمرحلة الانتقالية التي شاركت فيها حكومة الكيب، لا إنجازًا حصريًا للحكومة وحدها.
ب). استمرار عمل مؤسسات الدولة خلال الانتقال
استمرت الإدارة الحكومية في أداء بعض وظائفها الأساسية، وبدأت جهود إعادة تشكيل الجيش والشرطة وإعادة تنظيم الأجهزة العامة. لكن وجود هذه الجهود لا يعني أن إعادة بناء المؤسسات قد اكتملت، ولا سيما أن السيطرة الأمنية بقيت محدودة.
ج. بدء التعافي الاقتصادي
أشار تقرير الأمم المتحدة عن عام 2011 إلى أن الانهيار الاقتصادي جرى تجنبه، وأن استعادة إنتاج النفط كانت أسرع من المتوقع. غير أن هذا التعافي بدأ في ظل المجلس الوطني الانتقالي واستمر خلال مرحلة حكومة الكيب؛ لذلك لا يصح نسبته إليها وحدها.
د. اتساع المجال العام
شهدت البلاد نشوء أحزاب ومنظمات مجتمع مدني وفضاء إعلامي أكثر انفتاحًا مما كان عليه في عهد النظام السابق. وقد وفّر هذا المناخ فرصة لبدء الحياة السياسية التعددية، وإن كانت المؤسسات التي تحمي هذا الانفتاح لا تزال ضعيفة.
3. الإخفاقات والتحديات التي لم تُعالج
ينبغي هنا أن نميز بين وجود المشكلة وبين المسؤولية عن نشأتها. فقد ورثت الحكومة اختلالات عميقة، لكن السؤال هو مدى نجاحها في احتوائها أو وضع مسار مؤسسي لمعالجتها.
أ). عدم احتكار الدولة للقوة المسلحة
كانت هذه إحدى أهم مشكلات المرحلة. فقد ظلت تشكيلات مسلحة كثيرة تعمل باستقلالية فعلية، حتى عندما ارتبط بعضها اسميًا بوزارات أو أجهزة حكومية. وسجل التقرير الأمريكي لحقوق الإنسان لعام 2012 أن السلطات الانتقالية في ليبيا لم تتمكن من بسط السيطرة الأمنية الكاملة على البلاد.
وهنا تظهر مسألة استراتيجية: لم يكن التحدي مجرد جمع السلاح أو إدماج المقاتلين في وظائف عامة، بل بناء سلسلة قيادة وطنية، وقواعد واضحة للتجنيد والانضباط والمساءلة، ومؤسسات أمنية لا تخضع لولاءات موازية.
ب). استمرار الاحتجاز خارج سلطة القضاء
ظل آلاف الأشخاص محتجزين في مرافق تابعة لتشكيلات مسلحة أو خارج السيطرة الفعلية للسلطات القضائية. وكانت هناك جهود لنقل بعض مرافق الاحتجاز إلى وزارة العدل، لكنها لم تحقق تقدمًا كافيًا خلال الفترة محل المراجعة. كما وثقت تقارير حقوقية حالات تعذيب واحتجاز تعسفي وضعفًا في المساءلة.
وهذا إخفاق لا يمكن اعتباره مسألة أمنية فقط؛ فهو يكشف العلاقة بين غياب احتكار القوة وضعف القضاء وسيادة القانون.
ج). ضعف القدرة على فرض القرارات الحكومية
واجهت الحكومة فجوة بين الصلاحيات الرسمية والقدرة الفعلية على التنفيذ. فقد كانت مؤسسات الدولة ضعيفة، وتنافست السلطات المحلية والتشكيلات المسلحة والفاعلون السياسيون على التأثير في القرارات العامة.
وقد أشار تقرير خدمة أبحاث الكونغرس الأمريكي الصادر في أكتوبر 2012 إلى استمرار نفوذ المجموعات المسلحة، وإلى صعوبة ضمان الأمن حتى في المدن الرئيسية.
د). عدم استكمال بناء منظومة العدالة الانتقالية
لم تتمكن السلطات من بناء مسار متماسك للمحاسبة وجبر الضرر والمصالحة، في ظل ضعف المحاكم واستمرار الاحتجاز خارج الإجراءات القضائية. وهذا مهم لأن العدالة الانتقالية لا تعني الانتقام من أنصار النظام السابق، بل إخضاع الانتهاكات للقانون، وحماية الضحايا، ومنع تكرارها.
4. هل كانت هذه الإخفاقات مسؤولية حكومة الكيب وحدها؟
لا. ومن الضروري أن نثبت هذه القاعدة في منهج المراجعة كله. ويمكن توزيع المسؤولية التحليلية على ثلاثة مستويات:
-
الإرث السابق: إضعاف المؤسسات الوطنية، وتهميش الجيش، وتركيز السلطة، وغياب تقاليد الانتقال المؤسسي.
-
ظروف ما بعد الحرب: انتشار السلاح، وتعدد القوى المسلحة، والتنافس المحلي، والضغوط الاجتماعية والسياسية، وضعف أجهزة إنفاذ القانون.
-
قرارات السلطات الانتقالية: مدى قدرتها على وضع أولويات واضحة، وبناء مؤسسات أمنية وقضائية مستقلة، ومنع تحول التشكيلات المسلحة إلى بدائل دائمة للدولة.
لا تسمح الأدلة المتاحة بأن ننسب جميع الإخفاقات إلى قرارات شخصية لرئيس الحكومة. لكنها تسمح بالقول إن المرحلة لم تنجح في تحويل التحديات الأمنية إلى برنامج متكامل وملزم لبناء مؤسسات الدولة.
5. الدرس الأهم لمشروع «الدولة الممكنة»
أرى أن تجربة حكومة الكيب تطرح سؤالًا ينبغي أن يبقى حاضرًا في تقييم كل الحكومات التالية:
هل يكفي أن تنجح الحكومة الانتقالية في تنظيم انتخابات وتسليم السلطة، إذا لم تضع في الوقت نفسه الأساس المؤسسي الذي يسمح للسلطة المنتخبة بأن تحكم؟
الانتخابات كانت إنجازًا حقيقيًا، لكنها لم تكن كافية وحدها لحماية الانتقال. فقد انتقلت السلطة إلى المؤتمر الوطني العام، بينما بقيت مشكلات الأمن والعدالة وبناء المؤسسات دون حل.
ومن هذه التجربة يمكن استخلاص أربعة دروس أولية للحكومة التأسيسية التي نتصورها في مشروعنا:
-
لا بد من الجمع بين الشرعية الانتخابية والقدرة المؤسسية: فانتخاب السلطة لا يعوض غياب المؤسسات القادرة على تنفيذ القانون.
-
الأمن جزء من تأسيس الدولة، وليس ملفًا مؤجلًا: يجب أن يبدأ بناء منظومة أمنية وطنية خاضعة للسلطة المدنية منذ الأيام الأولى.
-
العدالة ليست مرحلة لاحقة على الاستقرار: فالاحتجاز خارج القانون والإفلات من المساءلة يقوضان الثقة في الدولة منذ البداية.
-
لا بد من قياس النتائج لا الاكتفاء بالإجراءات: تشكيل اللجان والأجهزة وإصدار القرارات ليس دليلًا كافيًا على النجاح؛ المطلوب قياس ما تغير فعليًا في السيطرة المؤسسية والخدمات والحقوق.
خلاصة المحطة الأولى: لا ينبغي أن يكون الحكم التاريخي على حكومة الكيب أنها أخفقت في بناء الدولة خلال عام واحد، ولا أن نجاح الانتخابات يبرر تجاهل إخفاقات الأمن والعدالة.
القراءة الأكثر انضباطًا هي أن الحكومة ساهمت في إنجاز الانتقال إلى أول مؤسسة وطنية منتخبة في المرحلة الجديدة، لكنها عملت ضمن مرحلة لم تتمكن فيها السلطات الانتقالية من تأسيس احتكار الدولة للقوة أو ضمان سيادة القانون بصورة متسقة.
وهذا يقودنا إلى سؤال المحطة التالية: هل استطاعت حكومة علي زيدان، بعد حصولها على تفويض من المؤتمر الوطني العام، أن تعالج المشكلات التي بقيت من مرحلة الكيب، أم أن ضعف المؤسسات وتعدد مراكز القوة انتقلا إلى الحكومة الجديدة؟
هنا نقترح أن تكون هذه هي نقطة الانطلاق في تقييم حكومة علي زيدان، مع التركيز خصوصًا على الأمن والنفط والعلاقة بين الحكومة والمؤتمر الوطني العام، ثم نبحث كيف انتهت تجربتها إلى سحب الثقة منها في مارس 2014.
…
يتبع
__________