تحرير الشّايب

أثار حراك لا للتمديد
حراك “لا للتمديد” يدخل في المراجعة بوصفه ظاهرة مركبة لا بوصفه مجرد احتجاج شعبي على المؤتمر. فهو يمثل في الحقيقة آخر اختبار للشرعية السياسية للمؤتمر الوطني العام، وفي الوقت نفسه كان أحد العوامل التي دفعت ليبيا إلى الانتقال من المرحلة الانتقالية الثانية إلى مرحلة انتقالية ثالثة، من دون أن تكون الدولة قد أكملت بناء مؤسساتها الأساسية. وهذا مهم جداً بالنسبة إلى فرضيتنا السابقة عن «الخطيئة التأسيسية» للمؤتمر.
حراك «لا للتمديد» من تصحيح مسار الانتقال إلى فتح مرحلة انتقالية جديدة
ــ لماذا ظهر الحراك؟:
لا ينبغي أن نبدأ من فبراير 2014. جذور الحراك ظهرت في أواخر 2013 عندما أصبح واضحاً أن المؤتمر لم ينجز المهام التي توقع الليبيون أن تنتهي بها المرحلة الانتقالية، وفي مقدمتها الدستور والاستعداد للانتخابات. وفي 23 ديسمبر 2013 أقر المؤتمر خارطة طريق مددت عملياً عمله إلى 24 ديسمبر 2014، وهو القرار الذي أثار اعتراضات واسعة. وخرجت مظاهرات في طرابلس وبنغازي والبيضاء وشحات وغيرها، رافعة شعار «لا للتمديد».
إذن الحراك لم يكن في بدايته: «حراكاً لإسقاط الديمقراطية». بل كان، في جوهره: احتجاجاً على استمرار مؤسسة انتقالية في السلطة بعد أن أخفقت في إنجاز مهمتها. وهذه نقطة يجب إنصاف الحراك فيها.
ــ الحراك كان يحمل رسالة مشروعة جداً:
إذا عدنا إلى الفكرة التي توصلنا إليها في الملف السابق، فإن «لا للتمديد» كان في جانب منه رد فعل طبيعي على تحول المؤتمر من مؤسسة تأسيسية إلى مؤسسة سياسية متمسكة بالسلطة.
فالمواطن الذي رأى أن المؤتمر: لم ينجز الدستور؛ لم يوحد مؤسسات الدولة؛ لم يبنِ جيشاً وشرطة؛ لم يضع حداً للفوضى الأمنية؛ وانخرط في الصراعات السياسية؛ كان من الطبيعي أن يسأل:
ــ لماذا يستمر المؤتمر؟:
ولهذا أعتقد أن الحراك ينبغي ألا يوصف تاريخياً بأنه مجرد «ضغط على المؤتمر». بل يمكن اعتباره: أول اختبار شعبي واسع لمبدأ قابلية السلطة الانتقالية للمساءلة.
لكن المشكلة كانت في الشعار نفسه. هنا تبدأ المنطقة الأكثر تعقيداً. الشعار: «لا للتمديد» كان قوياً سياسياً، لكنه لم يقدم بالضرورة جواباً دستورياً كاملاً على السؤال: إذا انتهت ولاية المؤتمر، فمن يتولى السلطة؟ وهذا هو الخلل الذي سيظهر لاحقاً.
فالنقاش حول موعد انتهاء المؤتمر لم يكن محسومًا تماماً في النصوص الدستورية، وكانت هناك قراءات مختلفة لمدة عمله وعلاقتها بإنجاز المهام الانتقالية. وقد أشارت دراسات لاحقة إلى أن الإعلان الدستوري لم يقدم نصاً واضحاً وحاسماً يقرر أن ولاية المؤتمر تنتهي تحديداً في 7 فبراير 2014، رغم أن هذا التاريخ أصبح محور خطاب الحراك.
سياسياً: كان مطلب «لا للتمديد» قوياً. لكن: دستورياً: كان السؤال أكثر تعقيداً. وهذه نقطة يجب ألا نتجاوزها. وهنا حدثت المفارقة. الحراك أراد: إنهاء المرحلة الانتقالية. لكن النتيجة العملية كانت: الانتقال إلى مرحلة انتقالية ثالثة.
وهذا أحد أهم دروس التجربة. فبدلاً من: المؤتمر > دستور > دولة دائمة، أصبح المسار: المؤتمر > لجنة فبراير > انتخابات مجلس النواب > مرحلة انتقالية جديدة. وهكذا تحولت الحركة التي نشأت اعتراضاً على إطالة المرحلة الانتقالية إلى أحد العوامل التي ساهمت في إعادة إنتاج المرحلة الانتقالية.
المؤتمر اضطر إلى الاستجابة:
وهنا تظهر قوة الحراك. فبحسب تقارير تلك الفترة، اتفقت كتل داخل المؤتمر تحت ضغط الشارع والرأي العام على التوجه إلى انتخابات مبكرة، ثم شكل المؤتمر ما عرف باسم «لجنة فبراير» لتعديل الإعلان الدستوري ووضع ترتيبات للمرحلة التالية.
وهذا يعني أن الحراك نجح في تحقيق هدف جوهري: كسر قدرة المؤتمر على الاستمرار كما كان. وهذه نقطة تاريخية مهمة. لم يعد المؤتمر قادراً على أن يقول: «نحن أصحاب الشرعية ولا يحق لأحد مساءلتنا». بل أصبح مضطراً إلى البحث عن مخرج مؤسسي.
ولكن هل كانت لجنة فبراير حلاً أم تأجيلاً؟
هنا نصل إلى السؤال الأصعب. لجنة فبراير عالجت مشكلة: كيف نخرج من المؤتمر؟ لكنها لم تحسم بصورة نهائية: كيف ننهي المرحلة الانتقالية؟ فتم تعديل الإعلان الدستوري، والذهاب إلى انتخابات مجلس النواب، مع استمرار العمل على الدستور.
وبذلك أصبح لدينا: جسم منتخب جديد لكن: المنظومة الانتقالية لم تنتهِ. وهذا أحد الأسباب التي تجعل انتخابات 2014 مختلفة جذرياً عن انتخابات 2012.
الحراك كان سلمياً في جوهره. وهذه نقطة يجب تسجيلها لصالحه. فالمظاهرات التي خرجت في فبراير 2014 في طرابلس وبنغازي وغيرها كانت تطالب بحل المؤتمر وإجراء انتخابات عامة، ورفعت شعارات من بينها «07/02: انتهت المهلة». كما أن وكالة الأنباء الليبية وثقت خروج مئات المواطنين في عدة مدن، مع تحميل المؤتمر والحكومة مسؤولية التدهور الأمني والسياسي.
وهنا تظهر مفارقة أخرى: في الوقت الذي كانت فيه القوة المسلحة تتوسع في السياسة، ظهر حراك مدني واسع يريد تغيير السلطة عبر الانتخابات والاحتجاج السلمي. وهذا يعني أن المجتمع الليبي لم يكن قد تخلى عن الخيار الديمقراطي.
لكن «لا للتمديد» دخل لاحقاً في بيئة عسكرية
وهنا يجب أن نكون حذرين جداً. في فبراير 2014 تزامن التصعيد ضد المؤتمر مع ظهور خليفة حفتر في خطاب 14 فبراير الذي دعا فيه إلى تعليق عمل المؤتمر والحكومة، وهو ما اعتبرته السلطات القائمة محاولة انقلابية. وفي الوقت نفسه كان الضغط الشعبي على المؤتمر يتصاعد.
وهنا حدث تداخل خطير بين مسارين: المسار الأول: مدني: لا للتمديد > انتخابات > تداول سلمي. المسار الثاني عسكري: يعلن إسقاط المؤتمر بالقوة. وكان من الضروري جداً على النخبة المدنية أن تفصل بينهما. وهذا ربما أحد أهم دروس الحراك: لا يكفي أن يكون الهدف مشروعاً. بل يجب أن تكون: وسيلة تحقيقه منسجمة مع الهدف.
إذا كان الهدف دولة ديمقراطية دستورية فلا يمكن الوصول إليه عبر: إسقاط المؤسسات بالقوة. وهذا ينطبق أيضاً على الطرف الآخر: إذا كان المؤتمر يريد حماية شرعيته الديمقراطية، فلا يستطيع استخدام: التمديد غير المتوافق عليه أو الاستناد إلى: القوة المسلحة لحمايته.
مسؤولية المؤتمر ومسؤولية الحراك: هذه المراجعة تتجنب وضع الطرفين في موقع «الضحية والجلاد».
مسؤولية المؤتمر: لم ينجز مهمته في الوقت المناسب. فقد ثقة قطاعات واسعة من المجتمع. حاول تمديد وجوده. لم ينجح في بناء تفسير دستوري متوافق لمدة ولايته. سمح للصراع السياسي أن يطغى على الوظيفة التأسيسية.
مسؤولية الحراك:
ليست في المطالبة بإنهاء ولاية المؤتمر؛ فهذا حق سياسي مشروع. ولكن السؤال الذي يجب بحثه هو: هل كان لدى الحراك تصور مؤسسي كامل لليوم التالي؟ أي: من يتولى السلطة؟ ما وضع الحكومة؟ ما وضع لجنة الدستور؟ ما الإطار الدستوري؟ كيف تُجرى الانتخابات؟ ماذا يحدث إذا تعذر إنجاز الدستور؟ هذه الأسئلة كانت أهم من الشعار نفسه.
المفارقة التاريخية:
يمكن صياغتها بهذه الصورة: كان «لا للتمديد» احتجاجاً على فشل المرحلة الانتقالية، لكنه لم يكن قادراً وحده على إنهاء منطق المرحلة الانتقالية. ولهذا انتهت ليبيا إلى: انتقالية ثانية > أزمة > لجنة فبراير > انتخابات مجلس النواب > انتقالية ثالثة > انقسام 2014.
ومن هنا فإن «لا للتمديد» لا ينبغي أن يدرس فقط في فصل عن الاحتجاجات. بل في فصل عن: أزمة الزمن الانتقالي في ليبيا. وأعتقد أن هناك سؤالاً أعمق إذا كان المؤتمر قد أخطأ لأنه لم يعرف متى ينتهي، فإن الحراك أخطأ أيضاً إذا افترض أن: إنهاء المؤتمر يساوي إنهاء المرحلة الانتقالية. والاثنان مختلفان. المؤتمر مؤسسة. أما المرحلة الانتقالية فهي: عملية تأسيس دولة. يمكن تغيير المؤسسة دون إنهاء العملية. وهذا بالضبط ما حدث.
الأثر على مجلس النواب:
هنا نصل إلى «ما بعده». كان مجلس النواب في 2014 يحمل شرعية انتخابية جديدة، لكنه دخل المشهد وهو يحمل عبء المرحلة الانتقالية السابقة. فبدلاً من أن يكون: أول برلمان لدولة دستورية مستقرة، أصبح: برلماناً جديداً داخل مرحلة انتقالية لم تنتهِ. ثم اندلع الخلاف حول: مكان انعقاده؛ الحكومة؛ الجيش؛ شرعية المؤسسات؛ المؤتمر الوطني العام؛ ثم الحرب.
ومن هنا: انتخابات مجلس النواب لم تكن نهاية المرحلة الانتقالية. بل كانت إعادة توزيع للشرعية داخل مرحلة انتقالية مأزومة. وهذا استنتاج بالغ الأهمية للمراجعة.
أين نضع «لا للتمديد» في الرواية الكبرى؟: هنا أصبح لدينا التسلسل التالي:
المحور الأول: فشل بناء المؤسسة التأسيسية. المؤتمر تحول إلى برلمان للصراع السياسي.
المحور الثاني: فشل إدارة إرث النظام. قانون 26 ثم قانون 13.
المحور الثالث: فشل احتكار الدولة للقوة. الحصار المسلح والتدخل في القرار السياسي.
المحور الرابع: فقدان الثقة الشعبية. حراك «لا للتمديد».
المحور الخامس: الاستجابة المؤسسية غير المكتملة . لجنة فبراير.
المحور السادس: انتخابات مجلس النواب استبدال الجسم المنتخب دون إنهاء المرحلة الانتقالية.
المحور السابع: 2014 تحول أزمة الانتقال إلى أزمة شرعية وحرب.
الحكم التاريخي على هذه المرحلة:
كان حراك «لا للتمديد» أحد أهم مظاهر استعادة المجتمع لدوره في مراقبة السلطة الانتقالية ومساءلتها، وقد نجح في كسر مسار كان يتجه إلى تمديد ولاية المؤتمر الوطني العام وإجباره على القبول بانتخابات جديدة.
غير أن الحراك، في حد ذاته، لم يقدم حلاً مكتمل الأركان لمشكلة الانتقال الدستوري، كما أن الاستجابة السياسية لمطالبه انتهت إلى إعادة ترتيب المرحلة الانتقالية بدلاً من إنهائها. ومع دخول العامل العسكري إلى المشهد في فبراير 2014، تداخل المسار المدني المطالب بالتداول السلمي للسلطة مع مسارات إسقاط المؤسسات بالقوة، الأمر الذي ساهم في تحويل أزمة المؤتمر من أزمة ثقة سياسية إلى أزمة شرعية وانقسام مؤسسي مفتوح.
وهذا حكم أكثر توازناً من القول إن «لا للتمديد» كان سبباً في انهيار ليبيا، أو العكس بأنه كان مجرد حركة ديمقراطية ناجحة. والأهم أننا وصلنا الآن إلى نقطة تركيبية مهمة جداً ولدينا أربع أخطاء/تحولات مترابطة:
1. الثورة لم تنتج مشروعاً واضحاً للانتقال من الشرعية الثورية إلى الشرعية الدستورية.
2. المؤتمر الوطني العام لم يحافظ على وظيفته التأسيسية، وتحول إلى ساحة للتنافس على السلطة.
3. معالجة إرث النظام السابق تحولت من عدالة انتقالية مؤسسية إلى عزل سياسي واسع، في بيئة تأثرت بالقوة المسلحة.
4. عندما فقد المؤتمر شرعيته الشعبية، جاء «لا للتمديد» ليطالب بإنهائه، لكن البديل الذي أنتجته النخبة كان مرحلة انتقالية جديدة، لا الدولة الدستورية.
وهذه الأربع،يمكن أن تشكل النظرية التفسيرية لتلك الفترة كلها: فشل الانتقال الليبي لم يكن نتيجة خطأ واحد أو مؤامرة واحدة، وإنما نتيجة فشل النخبة الانتقالية في إدارة التسلسل الصحيح لبناء الدولة: فدخلت في صراع على السلطة قبل أن تؤسس قواعد السلطة، وفي صراع على شرعية الماضي قبل أن تؤسس شرعية المستقبل، ثم حاولت إنهاء المرحلة الانتقالية بتغيير المؤسسات بدلاً من إنجاز المهمة التأسيسية التي قامت من أجلها.
تركيب تجربة 2011–2014: سنضع خطاً زمنياً تحليلياً يربط بين التالي:
-
الانتقال من الشرعية الثورية إلى الشرعية الانتخابية.
-
المؤتمر الوطني العام: مهمته التأسيسية وكيف انزاح إلى الصراع البرلماني والسياسي.
-
قانون 26 لسنة 2012 وهيئة النزاهة.
-
قانون 13 لسنة 2013 والعزل السياسي.
-
تدخل السلاح في القرار السياسي، وخاصة أحداث مايو 2013.
-
حراك «لا للتمديد».
-
لجنة فبراير وانتخابات مجلس النواب.
-
لماذا لم تؤدِّ انتخابات 2014 إلى إنهاء المرحلة الانتقالية، بل إلى انقسامها؟
والأهم أننا نسعى لوضع أمام كل محطة أربعة أسئلة: ما المهمة التي كان ينبغي إنجازها؟ ماذا فعلت نخبة فبراير فعلياً؟ ما البديل الذي كان متاحاً؟ ما النتيجة المقصودة وغير المقصودة للقرار؟
بهذه الطريقة يمكن أن نصل إلى مراجعة موثقة ونقدية لتجربة نخبة فبراير في إدارة الانتقال الديمقراطي 2011–2014، مع الفصل بين الوقائع الموثقة، والتفسيرات، والأحكام التحليلية.
…
يتبع
________________