تحرير الشّايب
سابعاً: 2014 — العام الذي انكشف فيه فشل هندسة الانتقال
دخلت ليبيا 2014 وهي تحمل أزمات متراكمة: أزمة أمنية. أزمة سياسية. أزمة دستورية. أزمة شرعية. أزمة العلاقة بين الدولة والتشكيلات المسلحة. أزمة المصالحة. أزمة العزل السياسي. أزمة العلاقة بين المناطق.
وفي فبراير 2014 تشكلت لجنة فبراير للنظر في تعديل الإعلان الدستوري وإعادة ترتيب المسار الانتقالي، وفي فبراير أيضاً جرت انتخابات الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور. ثم أجريت انتخابات مجلس النواب في يونيو 2014.
وهنا نصل إلى السؤال الكبير: لماذا لم يكن الانتقال من المؤتمر الوطني العام إلى مجلس النواب انتقالاً مؤسسياً سلمياً ومستقراً؟
ثامناً: مجلس النواب — انتقال الشرعية أم بداية أزمة الشرعيات؟
انتُخب مجلس النواب في يونيو 2014، لكنه ظهر في بيئة سياسية وأمنية شديدة التوتر. وفي أغسطس 2014 انتقل مجلس النواب إلى طبرق، بينما أدى رفض المؤتمر الوطني
العام إنهاء دوره إلى ظهور سلطتين تشريعيتين متنافستين. كما شهدت تلك الفترة تصاعد العمليات العسكرية، بما فيها «عملية الكرامة» و«فجر ليبيا».
الحكم القضائي الذي صدر في نوفمبر 2014 بشأن التعديل الدستوري الذي استندت إليه انتخابات مجلس النواب يحتاج إلى دراسة قانونية دقيقة: ماذا حكمت المحكمة تحديداً؟ وما الذي يعنيه الحكم دستورياً؟ وكيف تعاملت معه الأطراف؟
تاسعاً: الجدول الأساسي الذي سأقترح أن نبني عليه الدراسة
|
السنة |
الحدث |
الوثيقة الأساسية |
السؤال النقدي |
|
2011 |
الثورة وسقوط النظام |
الإعلان الدستوري |
كيف انتقلنا من الثورة إلى الدولة؟ |
|
2011 |
إنشاء الإطار الانتقالي |
الإعلان الدستوري |
هل صُمم الانتقال بصورة كافية؟ |
|
2012 |
انتخابات المؤتمر الوطني |
قانون الانتخابات والنتائج |
هل سبقت الانتخابات بناء الدولة؟ |
|
2012 |
بدء عمل المؤتمر |
اللوائح والقرارات |
هل استقر مفهوم الشرعية المؤسسية؟ |
|
2012 |
قانون 26 |
النص القانوني |
هل كان التدقيق أم الإقصاء هو الهدف؟ |
|
2013 |
تصاعد أزمة العزل |
محاضر/بيانات/تقارير |
ما دور الضغط السياسي والمسلح؟ |
|
2013 |
قانون 13 |
النص القانوني |
هل تحول التطهير إلى عزل سياسي؟ |
|
2013 |
أزمة الأمن والسلاح |
تقارير الأمم المتحدة |
لماذا لم تحتكر الدولة القوة؟ |
|
2013–2014 |
تعثر الدستور |
التعديلات الدستورية |
لماذا طال الانتقال؟ |
|
2014 |
لجنة فبراير |
قرارات المؤتمر |
محاولة إصلاح أم تأخير جديد؟ |
|
2014 |
انتخابات مجلس النواب |
قانون ونتائج الانتخابات |
هل كانت البيئة مهيأة؟ |
|
2014 |
انتقال مجلس النواب إلى طبرق |
محاضر/بيانات |
ماذا حدث للشرعية المؤسسية؟ |
|
2014 |
استمرار المؤتمر |
قرارات وبيانات |
كيف أصبح لدينا شرعيتان؟ |
|
2014 |
المحكمة العليا |
الحكم الدستوري |
ما أثر الحكم على الشرعية؟ |
|
2014 |
الانقسام والحرب |
البيانات والوقائع |
كيف فشل الانتقال السلمي؟ |
والأهم: سنفصل بين ثلاثة مستويات
المستوى الأول: الوقائع .. ما حدث بالفعل؟ وهذا لا ندخله في مجال الرأي.
المستوى الثاني: المسؤولية: من كان يملك القرار؟ وما الخيارات التي كانت أمامه؟ وهنا نحدد مسؤولية المؤتمر أو الحكومة أو المجلس الوطني أو الجماعات المسلحة أو غيرها.
المستوى الثالث: النقد: هل كان القرار مناسباً للمرحلة الانتقالية؟ وهل كان هناك بديل أفضل؟ وهنا فقط ندخل التحليل.
وهناك مبدأ سنلتزم به في هذه المراجعة: لن نكتب: «نخبة فبراير أخطأت». ثم نبحث عن أدلة تثبت ذلك. بل سنفعل العكس: نضع الوثائق والقرارات والوقائع أولاً، ثم نستخلص منها أين أخطأت إدارة الانتقال وأين أصابت. وهذا مهم جداً لأن المراجعة يجب ألا تتحول إلى رواية مضادة لرواية فبراير، وإنما إلى مراجعة وطنية نقدية لتجربة فبراير.
والفرق بين الاثنين كبير. لان الرواية المضادة: تبحث عن أخطاء طرف لإدانته. والمراجعة الوطنية: تبحث عن الأخطاء لكي لا تتكرر.
الملف التوثيقي الأول: المؤتمر الوطني العام: من الانتخابات إلى أزمة العزل السياسي (من يوليو 2012 إلى مايو 2013)
السؤال المركزي للملف: لا ينبغي أن يبدأ هذا الملف بالسؤال: هل أخطأ المؤتمر الوطني العام؟ بل بالسؤال الأكثر دقة: كيف أدار أول برلمان منتخب بعد ثورة فبراير عملية الانتقال من الشرعية الثورية إلى الشرعية المؤسسية، ولماذا عجز عن الفصل بين بناء الدولة ومعالجة إرث النظام السابق والصراع على السلطة؟
وسنختبر هذه المسألة عبر أربعة مسارات متوازية: بناء المؤسسة السياسية المنتخبة. وتشكيل السلطة التنفيذية وممارسة الرقابة عليها. والتعامل مع إرث النظام السابق. وعلاقة السلطة المنتخبة بالقوة المسلحة خارج الدولة. وهذه المسارات الأربعة ستقودنا في النهاية إلى قانون العزل السياسي.
أولاً: تأسيس المؤتمر الوطني العام
الانتخابات: نجاح ديمقراطي حقيقي:
جرت انتخابات المؤتمر الوطني العام في 7 يوليو 2012، وشملت 200 مقعد، منها 80 مقعداً للقوائم السياسية و120 للمستقلين. وتولت المفوضية الوطنية العليا للانتخابات إدارة العملية، ووصفت جهات دولية الانتخابات بصورة عامة بأنها حرة ونزيهة، رغم وقوع حوادث عنف واحتجاجات في بعض المناطق.
وتشير بيانات رسمية ليبية لاحقة إلى مشاركة نحو 1.7 مليون ناخب من أصل 2.8 مليون ناخب مؤهل، أي ما يقارب 61%، مع مشاركة نسائية كبيرة في العملية الانتخابية.
وهذه نقطة ينبغي تثبيتها: لا ينبغي أن تبدأ مراجعة تجربة المؤتمر الوطني العام من افتراض فشل الانتخابات. فالانتخابات نفسها كانت إنجازاً تأسيسياً مهماً بعد عقود من غياب التعددية البرلمانية الفعلية. المشكلة بدأت بعد الانتخابات.
ثانياً: انتقال السلطة
في 8 أغسطس 2012 انتقلت السلطة رسمياً من المجلس الوطني الانتقالي إلى المؤتمر الوطني العام، وعقد المؤتمر جلسته الافتتاحية في اليوم التالي، وانتخب محمد يوسف المقريف رئيساً له.
هنا حدث التحول الأهم في تاريخ فبراير: انتهت عملياً مرحلة المجلس الوطني الانتقالي وبدأت مرحلة الشرعية الانتخابية. وكان ينبغي أن يكون هذا الانتقال نقطة فاصلة: من الآن فصاعداً، مصدر السلطة السياسية ليس الثورة وحدها، وإنما التفويض الشعبي والمؤسسة والقانون. لكن هذا التحول لم يحدث بصورة كاملة.
فبقيت الشرعية الثورية حاضرة في المجال السياسي، وبقيت القوى المسلحة التي شاركت في الثورة تحتفظ بنفوذ سياسي وأمني، بينما كانت مؤسسات الدولة لا تزال ضعيفة.
وهنا تظهر أول فرضية نقدية: نجحت نخبة فبراير في نقل السلطة من المجلس الانتقالي إلى مؤسسة منتخبة، لكنها لم تنجح بالقدر نفسه في نقل مركز القوة من الفاعلين الثوريين إلى مؤسسات الدولة. وهذا فرق جوهري.
ثالثاً: المؤتمر الوطني أمام أول اختبار لتشكيل الحكومة
كان من أهم اختصاصات المؤتمر تشكيل الحكومة الانتقالية والإشراف عليها. وفي سبتمبر 2012 انتخب المؤتمر الدكتور مصطفى أبو شاقور رئيساً للوزراء، لكنه لم يتمكن من الحصول على موافقة المؤتمر على تشكيلته الحكومية، وانتهت محاولته باستقالته/إعفائه في أكتوبر.
ثم انتخب المؤتمر السيد علي زيدان في 14 أكتوبر 2012 رئيساً للوزراء، قبل أن تعتمد حكومته لاحقاً. ويثبت القرار رقم 9 لسنة 2012 تكليف زيدان رسمياً بتشكيل الحكومة. ثم منح المؤتمر الحكومة الثقة بموجب القرار رقم 10 لسنة 2012، مع تسجيل تحفظات أعضاء المؤتمر على بعض الوزراء.
لماذا هذه الواقعة مهمة؟ لأنها تكشف أن المؤسسة المنتخبة لم تكن مجرد واجهة سياسية، بل كانت تمارس بالفعل سلطتها على الحكومة. وهذا جانب إيجابي. لكنها تكشف أيضاً مشكلة أخرى: غياب التقاليد المؤسسية لإدارة الاختلاف.
فالاختلاف حول تشكيل الحكومة كان طبيعياً في نظام برلماني ناشئ، لكن السؤال هو: هل كان الخلاف يجري وفق برامج سياسية واضحة؟ أم أن عملية تشكيل الحكومة بدأت تتأثر بالتوازنات الشخصية والجهوية والحزبية والثورية؟ هذه مسألة ينبغي أن نثبتها بالوثائق قبل إصدار الحكم.
رابعاً: مشكلة الدولة التي لم تكن مكتملة
في الوقت الذي كان فيه المؤتمر يمارس سلطته التشريعية، كانت الحكومة لا تزال عاجزة عن فرض سيطرة موحدة على الأجهزة الأمنية. تقرير وزارة الخارجية الأمريكية عن حقوق الإنسان لعام 2013 يلخص المشكلة بوضوح: الحكومة الانتقالية لم تكن تسيطر بصورة فعالة على قوات الأمن، وظلت الأجهزة الأمنية إلى حد كبير مكونة من تشكيلات مسلحة متفرقة كانت تخضع بصورة اسمية ومتقطعة لوزارتي الدفاع والداخلية.
وتشير منظمة هيومن رايتس ووتش إلى أن السلطات الانتقالية واجهت صعوبة في إنشاء جيش وشرطة قادرين على حفظ الأمن، وأن كثيراً من الجماعات المسلحة التي نشأت خلال الثورة رفضت نزع سلاحها، بينما عجزت الدولة عن مواجهة الجماعات الأقوى منها.
وهنا تظهر المفارقة الكبرى: ليبيا كانت تمتلك برلماناً منتخباً، لكنها لم تكن تمتلك دولة قادرة على فرض قرارات البرلمان. وهذا يقود إلى قاعدة مهمة: الشرعية الانتخابية لا تكفي لبناء الدولة إذا لم تكن المؤسسة المنتخبة قادرة على تنفيذ قراراتها.
خامساً: محاولة المؤتمر معالجة مشكلة السلاح
لم يكن المؤتمر غافلاً تماماً عن المشكلة. ففي 23 سبتمبر 2012 أعلن المؤتمر حل جميع الميليشيات والجماعات المسلحة التي لا تخضع لسلطة الدولة. لكن الإعلان السياسي لم يتحول إلى عملية متكاملة لنزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، وإصلاح القطاع الأمني.
وهنا نصل إلى واحد من أهم الأخطاء التي ينبغي دراستها: الخطأ لم يكن في معرفة المشكلة. كانت المشكلة معروفة. الخطأ كان في عدم القدرة على تحويل القرار السياسي إلى مشروع مؤسسي قابل للتنفيذ. فالدولة الانتقالية كانت تحتاج إلى خطة متزامنة تشمل:
حصر السلاح > تسجيل التشكيلات > تصنيف المقاتلين > التحقق من المؤهلات > نزع السلاح > التسريح أو الدمج > إعادة بناء الجيش والشرطة > إخضاع الجميع للقيادة المدنية.
لكن ما حدث كان في كثير من الحالات أقرب إلى: استيعاب بعض التشكيلات + تمويل بعضها + الاعتراف ببعضها + ترك بعضها خارج الدولة.
وهكذا نشأت صيغة هجينة: جماعات مسلحة تحمل شرعية الثورة وتعمل أحياناً بغطاء الدولة، لكنها لا تخضع بالكامل لسلطة الدولة. وهذا سيصبح لاحقاً أحد أهم عوامل انهيار المسار السياسي.
سادساً: بداية ملف النزاهة والوطنية
وهنا نصل إلى النقطة التي ستصبح لاحقاً محوراً أساسياً في الدراسة. قبل انتخاب المؤتمر الوطني العام، كان المجلس الوطني الانتقالي قد أنشأ إطاراً قانونياً لمعايير النزاهة والوطنية. وصدر قانون 26 لسنة 2012 بشأن الهيئة العليا لتطبيق معايير النزاهة والوطنية، وقد أعطى الهيئة اختصاص فحص شاغلي عدد واسع جداً من المناصب والمرشحين لها، بما في ذلك المناصب السياسية والتنفيذية والأمنية والعسكرية والوظائف العامة، بل ومرشحي المؤتمر الوطني العام وأعضاء المؤتمر أنفسهم.
وهنا يجب أن نتوقف. لأن القانون في صورته الأصلية لم يكن مجرد قانون «عزل سياسي». بل كان أقرب إلى: نظام تدقيق وفحص أهلية لشغل الوظائف العامة في الدولة الجديدة. وهذا فارق جوهري.
سابعاً: قانون 26 لم يبقَ على حاله
هذه من أهم النتائج التي تظهرها الوثائق. فالقانون رقم 26 لسنة 2012 تعرض خلال عام 2012 إلى سلسلة تعديلات. وتظهر قاعدة البيانات التشريعية تعديلات بالقوانين: 39 لسنة 2012؛ 40 لسنة 2012؛ 45 لسنة 2012؛ 53 لسنة 2012؛ 54 لسنة 2012.
وهذه التعديلات ليست تفصيلاً فنياً. بل يمكن أن تكون مفتاحاً لفهم كيف تطور مفهوم النزاهة والوطنية من آلية تدقيق إلى أداة أكثر اتساعاً للإقصاء السياسي. فعلى سبيل المثال، أدخل القانون رقم 40 لسنة 2012 آلية مؤقتة تقضي بأنه إذا قررت الهيئة عدم انطباق معايير النزاهة والوطنية على شخص، فعلى الجهة التي يعمل بها أن توقفه احتياطياً أو تجمد ترشحه، إلى أن يصبح قرار الهيئة نهائياً، ثم تلتزم الجهة بعزله إذا أصبح القرار باتاً.
ثم عدّل القانون رقم 53 لسنة 2012 إجراءات الطعن على قرارات الهيئة، وأعطى القضاء الإداري دوراً في مراجعتها. كما عدل القانون رقم 54 لسنة 2012 إجراءات الطعن وحدد آجالاً قضائية قصيرة للفصل فيها. أما القانون رقم 45 لسنة 2012 فقد وسع/نظم تطبيق الهيئة في فحص مرشحي انتخابات المؤتمر الوطني العام، مع تحديد آجال للطعن أمام القضاء.
النتيجة المهمة: إذن، لا يصح اختزال القصة في: قانون 26 → قانون 13. بل لدينا مسار أكثر تعقيداً: قانون 26 > تعديلات متعددة > اتساع/تطوير معايير الفحص > أزمة سياسية حول حدود الإقصاء > قانون 13.
…
يتبع
_____________