تحرير الشّايب

المبحث الخامس: الخطأ الرابع هو ضعف التخطيط للعدالة الانتقالية والمصالحة

المطلب الأول: تعدد القوانين وغياب الرؤية المتكاملة

شهدت ليبيا بعد الثورة صدور عدد من القوانين والقرارات المتعلقة بالعدالة الانتقالية والعفو والمصالحة والعزل السياسي. لكن المشكلة لم تكن في قلة التشريعات، وإنما في غياب استراتيجية متكاملة.

وقد خلصت دراسات متخصصة إلى أن العدالة الانتقالية الليبية عانت من غياب التخطيط التشريعي، وضعف الحوار بين الأطراف، وتدني جودة بعض التشريعات، وغياب التوافق الوطني حول البرنامج المناسب.

المطلب الثاني: العدالة الانتقالية الانتقائية

كانت هناك مشكلة أخرى تتمثل في أن مفهوم العدالة الانتقالية جرى ربطه بصورة أساسية بجرائم النظام السابق. فقد قصر قانون العدالة الانتقالية رقم 29 لسنة 2013 مجال المعالجة بصورة رئيسية على الانتهاكات المرتبطة بأجهزة النظام السابق، في حين لم تخضع الانتهاكات التي ارتكبتها بعض التشكيلات الثورية للمعالجة بنفس الدرجة، خاصة مع قوانين العفو التي صدرت في 2012.

وهذا أوجد مشكلة في مبدأ المساواة: إذا كانت العدالة لا تنطبق على الجميع، فإنها تفقد جزءاً من شرعيتها. والعدالة الانتقالية لا تعني أن جميع الأفعال متساوية، لكنها تعني أن المعيار القانوني يجب أن يكون عاماً وغير خاضع للانتماء السياسي.

***

المبحث السادس: الخطأ الخامس هو إدارة الخلاف السياسي بمنطق الصراع الصفري

المطلب الأول: من الاختلاف إلى الاستقطاب

كان من الطبيعي أن تختلف القوى السياسية بعد الثورة حول: شكل الدولة؛ الدستور؛ الفيدرالية؛ توزيع الثروة؛ دور الدّين؛ دور الجيش؛ موقع الجماعات المسلحة؛ والعزل السياسي. لكن الاختلاف تحول تدريجياً إلى صراع صفري.

وفي الصراع الصفري يصبح انتصار الخصم خسارة وجودية للطرف الآخر. وهذا يفسر لماذا أصبحت بعض القضايا التشريعية والمؤسسية، مثل قانون العزل أو قواعد تشكيل المؤسسات، مرتبطة بمسألة «من يسيطر على الدولة».

المطلب الثاني: أزمة الثقة

كانت المؤسسات الجديدة تعاني من ضعف الثقة منذ البداية، كما كان المجلس الوطني الانتقالي يفتقر إلى قدر كبير من الشرعية العامة والقدرة المؤسسية في نظر بعض المراقبين. وكان ينبغي معالجة أزمة الثقة من خلال: الشفافية؛ التشاور؛ توسيع المشاركة؛ الحوار بين المناطق؛ إشراك القوى الاجتماعية؛ وعدم تحويل كل خلاف إلى معركة على الشرعية. لكن غياب آليات فعالة لإدارة الخلاف جعل الصراع السياسي ينتقل تدريجياً من المؤسسات إلى الشارع ثم إلى السلاح.

***

المبحث السابع: الخطأ السادس هو إهمال المسألة الدستورية

المطلب الأول: الدستور ليس وثيقة قانونية فقط

كان بناء دستور جديد أحد أهم مهام المرحلة الانتقالية. لكن الدستور في الدول الخارجة من نزاع لا ينبغي أن يكون مجرد وثيقة قانونية؛ بل ينبغي أن يكون عقداً سياسياً واجتماعياً.

وقد شهدت ليبيا بين 2011 و2013 فترة مهمة من النقاشات المجتمعية والدستورية، وصفها بعض الباحثين بأنها فترة ذهبية للنقاش الدستوري والمشاركة المدنية. وهذا يعني أن المجتمع الليبي كان يمتلك فرصة حقيقية لبناء توافق دستوري. لكن هذه الفرصة لم تتحول إلى اتفاق مستقر حول قواعد الدولة.

المطلب الثاني: تعدد مراحل الانتقال

أدى عدم الاستقرار الدستوري إلى إعادة تعريف المؤسسات الانتقالية بصورة متكررة، وتعديل الإعلان الدستوري عدة مرات، وظهور خلافات حول طريقة تشكيل الهيئة التأسيسية وصلاحيات المؤتمر الوطني والحكومة. وقد أدى ذلك إلى ما يمكن تسميته: «انتقال بلا نهاية محددة».

فكلما اقتربت مرحلة من نهايتها ظهرت مطالبة بمرحلة انتقالية جديدة. وهذا يخلق مشكلة جوهرية: المؤسسات المؤقتة تبدأ في التصرف وكأنها مؤسسات دائمة، بينما تظل المؤسسات الدائمة مؤجلة.

***

المبحث الثامن الخطأ السابع هو ضعف بناء الإدارة العامة ومؤسسات الدولة

المطلب الأول: سقوط النظام لا يعني بناء الدولة

كان إسقاط النظام السياسي أسرع بكثير من إعادة بناء مؤسسات الدولة. وكانت الدولة بحاجة إلى: إعادة بناء الخدمة المدنية؛ إصلاح القضاء؛ بناء الأجهزة الأمنية؛ تنظيم المالية العامة؛ إصلاح قطاع النفط؛ إنشاء إدارة محلية فعالة؛ وتحديد العلاقة بين المركز والمناطق. لكن جزءاً كبيراً من الطاقة السياسية انصرف إلى الصراع على المناصب والتمثيل السياسي.

وقد أظهرت التقييمات المبكرة أن ليبيا دخلت مرحلة الانتقال وهي تفتقر إلى مؤسسات دولة قوية وأجهزة أمنية قادرة على حفظ النظام ووحدة سياسية كافية لإدارة المرحلة.

المطلب الثاني: مشكلة استمرار مؤسسات النظام القديم

كانت المفارقة أن الدولة تحتاج إلى موظفيها وخبراتها، بينما كانت الثورة تنظر إلى كثير منهم بشك بسبب ارتباطهم بالنظام السابق.

وهنا كان ينبغي تبني سياسة: الإصلاح لا الهدم.

أي: الاحتفاظ بالخبرات المهنية؛ تغيير القيادات المتورطة؛ إصلاح القوانين؛ إعادة هيكلة المؤسسات؛ وإخضاع الجميع للمساءلة. بدلاً من التعامل مع المؤسسات باعتبارها امتداداً للنظام السابق بصورة كلية.

***

المبحث التاسع: الخطأ الثامن هو عدم إدارة الانقسامات المحلية والمجالية

أظهرت الثورة أن ليبيا ليست مجتمعاً سياسياً متجانساً من حيث المصالح والتاريخ السياسي والتصورات حول توزيع السلطة. وكانت هناك توترات بين: الشرق والغرب والجنوب؛ المركز والمناطق؛ المدن والقبائل؛ القوى المحلية والسلطة المركزية.

وكان ينبغي أن تتحول المرحلة الانتقالية إلى فرصة لإعادة بناء عقد وطني يعالج هذه التوترات. لكن بعض القضايا، ومنها توزيع الموارد والتمثيل السياسي وشكل الدولة، تحولت إلى صراعات حول النفوذ.

والدرس المستقبلي هنا أن الدولة المركزية لا تستطيع الحفاظ على وحدتها بمجرد إصدار القوانين من العاصمة؛ بل تحتاج إلى نظام يضمن مشاركة المناطق ويمنحها شعوراً حقيقياً بالشراكة.

***

المبحث العاشر: 2014: لحظة كشف أخطاء المرحلة الانتقالية

لم تكن أحداث 2014 بداية الأزمة، وإنما كانت لحظة انكشاف وتراكم لأزمات بدأت منذ 2011. فبحلول 2014 كانت هناك عدة أزمات متراكبة: مؤسسات أمنية غير موحدة. تشكيلات مسلحة قوية. انقسام سياسي متزايد. أزمة دستورية. خلاف حول شرعية المؤسسات. ضعف آليات حل النزاعات. آثار العزل السياسي. ضعف المصالحة الوطنية. تنافس على الموارد والنفوذ. تدخلات خارجية متزايدة. وبذلك أصبحت الانتخابات نفسها موضع خلاف حول الشرعية.

وتشير الدراسات المتعلقة بانتخابات 2012 و2014 إلى أن الانتخابات، بدلاً من أن تحل الأزمات المؤسسية، ساهمت في بعض الحالات في تعميق الانقسامات، خصوصاً عندما أجريت في بيئة لم تكن فيها قواعد الصراع السياسي مستقرة.

ومن ثم فإن حرب 2014 ينبغي ألا تُدرس باعتبارها مجرد مواجهة عسكرية، بل باعتبارها أزمة انتقال ديمقراطي تحولت إلى صراع على من يملك الدولة ومن يملك الشرعية.

***

المبحث الحادي عشر الأخطاء السبعة الكبرى لنخبة فبراير: نموذج تحليلي

يمكن اختصار الأخطاء الرئيسية في المرحلة الانتقالية في النموذج الآتي:

الخطأ

القرار/الممارسة

النتيجة

الخلط بين الثورة والدولة

استمرار الشرعية الثورية في المجال السياسي

ضعف الشرعية المؤسسية

الاستعجال في الانتخابات

إجراء الانتخابات قبل اكتمال بناء المؤسسات

نقل الصراع إلى المؤسسات المنتخبة

عدم احتكار الدولة للسلاح

دمج جزئي للتشكيلات المسلحة دون توحيد حقيقي

دولة أمنية هجينة

الإقصاء السياسي

توسيع العزل السياسي

تعميق الاستقطاب

ضعف المصالحة

عدالة انتقالية غير شاملة

استمرار الانقسام

ضعف البناء الدستوري

عدم حسم قواعد اللعبة

استمرار المرحلة الانتقالية

ضعف إدارة التنوع

عدم معالجة الخلافات المجالية والمحلية

تصاعد الجهوية والانقسام

وهذه الأخطاء لم تكن منفصلة عن بعضها، وإنما كانت دائرة متكاملة.

فضعف الدولة سمح للجماعات المسلحة بالنمو. ونمو الجماعات المسلحة أضعف المؤسسات. وضعف المؤسسات زاد الاعتماد على الشرعية الثورية. والشرعية الثورية شجعت الإقصاء. والإقصاء زاد الاستقطاب. والاستقطاب جعل بناء الدستور والمؤسسات أكثر صعوبة. وهكذا أصبح كل فشل يغذي الفشل الآخر.

المبحث الثاني عشر: الدروس المستفادة للمستقبل

إذا كان الهدف من مراجعة 2011–2014 هو التعلم وليس مجرد إدانة الماضي، فإن أهم الدروس يمكن صياغتها في مجموعة من القواعد.

أولاً: الثورة مرحلة وليست نظام حكم:

ينبغي أن تنتهي الشرعية الثورية تدريجياً بمجرد إنشاء مؤسسات منتخبة. والثائر الذي يشارك في إسقاط النظام يستحق التقدير السياسي والتاريخي، لكن ذلك لا يمنحه حقاً دائماً في تحديد من يحكم الدولة.

ثانياً: لا انتخابات مستقرة بلا قواعد مستقرة:

لا ينبغي اعتبار الانتخابات هدفاً في حد ذاتها. فالانتخابات الناجحة تحتاج إلى: قواعد دستورية + مؤسسات أمنية + قضاء مستقل + قبول النتائج + آليات لحل النزاع.

ثالثاً: لا ديمقراطية مع تعدد مراكز القوة المسلحة:

لا يمكن بناء دولة ديمقراطية مستقرة في ظل وجود جماعات مسلحة تستطيع فرض إرادتها على المؤسسات المنتخبة. ولذلك ينبغي أن تكون الأولوية: توحيد السلاح تحت قيادة الدولة، لا مجرد تمويل الجماعات المسلحة أو تغيير أسمائها.

رابعاً: العدالة الانتقالية ليست انتقاماً:

المستقبل يحتاج إلى نظام يقوم على: الحقيقة + المساءلة + جبر الضرر + الإصلاح المؤسسي + المصالحة. لا على: الانتقام + الإقصاء + التعميم.

خامساً: المسؤولية فردية:

ينبغي أن يكون المبدأ: لا يعاقب شخص بسبب المدينة أو القبيلة أو الوظيفة أو الانتماء السياسي السابق وحده. بل يحاسب بناءً على فعل محدد ومسؤولية محددة.

سادساً: الدولة تحتاج إلى خبرة:

ينبغي عدم تكرار خطأ استبعاد كل من عمل في مؤسسات الدولة السابقة. فالدولة تحتاج إلى: خبرة قديمة + شرعية جديدة + إصلاح مؤسسي. ولا تحتاج إلى: هدم الخبرة القديمة ثم محاولة بناء الدولة من الصفر.

سابعاً: المصالحة ليست مرحلة لاحقة:

المصالحة يجب أن تبدأ منذ اليوم الأول للانتقال. ولا ينبغي الانتظار حتى انتهاء الصراع لكي تبدأ المصالحة؛ لأن غياب المصالحة في البداية يسمح بتراكم الخصومات حتى تصبح جزءاً من النظام السياسي نفسه.

ثامناً: الدستور يجب أن يكون نتيجة توافق:

لا ينبغي أن يكون الدستور غلبة طرف على آخر. بل ينبغي أن يكون وثيقة تحدد: شكل الدولة؛ توزيع السلطات؛ العلاقة بين المركز والمناطق؛ استقلال القضاء؛ السيطرة المدنية على الجيش؛ حقوق المواطنين؛ قواعد تداول السلطة؛ وآليات تعديل الدستور.

تاسعاً: المؤسسات أهم من الأشخاص:

من أهم دروس 2011–2014 أن الانتقال الذي يعتمد على شخصيات الثورة أكثر مما يعتمد على المؤسسات يكون هشاً. فالمطلوب ليس العثور على «القيادة الوطنية المنقذة»، وإنما بناء مؤسسات تستمر حتى عندما تتغير النخب.

عاشراً: يجب منع تحويل الخلاف السياسي إلى معركة وجود:

الخصم السياسي ليس عدواً للدولة. وهذه ربما تكون أهم قاعدة ديمقراطية تحتاج ليبيا إلى ترسيخها.

…

يتبع

__________