بقلم الشّايب

التفريق ضروري بين هذه المصطلحات؛ لأن الخلط بين الدولة والنظام والسلطة يؤدي إلى تحميل مؤسسات الدولة أو المجتمع نتائج قرارات اتخذها النظام أو سلطة انتقالية معينة.

أولا: الدولة 

هي الكيان المستمر الذي يفترض أن يبقى رغم تغير الحكام والأنظمة. وتشمل، بصورة مبسطة: الإقليم والحدود. السكان والمواطنة. السيادة. المؤسسات العامة. القضاء. الإدارة. الجيش والشرطة كمؤسسات وطنية. الموارد العامة. الشخصية القانونية الدولية.

الدولة لا تسقط بمجرد سقوط الحكومة أو تغيير النظام. لذلك، في الحالة الليبية، يجب ألا نقول ببساطة: «سقطت الدولة في فبراير 2011.» الأدق هو أن نقول: سقط النظام السياسي القائم، وتعرضت قدرة الدولة على ممارسة وظائفها للاضطراب والتفكك، ثم تطورت هذه الأزمة لاحقاً إلى انقسام مؤسسي وأمني. وهذا فرق جوهري.

ثانيا: النظام

هو طريقة تنظيم وممارسة الحكم داخل الدولة، ومنظومة القواعد والمؤسسات والعلاقات التي تحدد من يحكم وكيف يحكم. وفي الحالة الليبية قبل 2011، نتحدث عن نظام القذافي، لا عن «الدولة الليبية» بوصفهما شيئاً واحداً. النظام يمكن أن يتغير أو يسقط، بينما تبقى الدولة.

مثال تاريخي عام: سقوط نظام سياسي لا يعني اختفاء الدولة. ولهذا يجب أن تكون لدينا في المراجعة قاعدة واضحة: نقد النظام السابق لا يعني نقد الدولة، وإسقاط النظام لا يعني إسقاط مؤسسات الدولة.

ثالثا: السلطة

هي الجهة أو الجهات التي تمارس الحكم الفعلي في فترة معينة. وهنا يمكن أن تتغير السلطة دون أن تتغير الدولة. في ليبيا بعد 2011 تعاقبت سلطات ومؤسسات انتقالية مختلفة، ثم ظهرت لاحقاً سلطات متنافسة. وبالتالي: الدولة أوسع وأبقى من السلطة التي تحكمها في لحظة معينة.

رابعا: العلاقة بين الثلاثة

يمكن تصورها هكذا، الدولة هي الإطار المستمر، والنظام هو طريقة تنظيم الحكم داخل هذا الإطار، والسلطة هي من يمارس الحكم فعلياً في مرحلة معينة. وبصيغة أبسط: الدولة هي الكيان، والنظام هو قواعد وطريقة الحكم، والسلطة هي من يحكم ويمارس القرار

خامسا: لماذا هذا مهم جداً في مراجعتنا؟

لأننا إذا لم نضع هذا التفريق منذ البداية، سنقع في أخطاء تحليلية خطيرة. مثلاً:

الخطأ الأول: «لأن نظام القذافي سقط، كان من الطبيعي أن تنهار الدولة.» غير صحيح بالضرورة. سقوط النظام كان حدثاً سياسياً، أما الحفاظ على الدولة وإعادة تنظيم السلطة فكانا مهمتين مختلفتين.

الخطأ الثاني: «كل مؤسسات الدولة بعد 2011 كانت امتداداً للنظام السابق.» هذا أيضاً غير دقيق. بعض المؤسسات كانت مرتبطة بالنظام، لكن كثيراً من مؤسسات الدولة يمكن إصلاحها وإعادة تنظيمها بدلاً من التعامل معها باعتبارها جزءاً يجب هدمه.

الخطأ الثالث: «السلطة الانتقالية تمثل الدولة، وبالتالي كل قرار اتخذته هو قرار الدولة.» وهذا أخطر. السلطة قد تخطئ في إدارة الدولة، لكن خطأ السلطة لا يصبح تلقائياً خطأ الدولة.

وبالتالي، بدلاً من السؤال «هل كان تفكك الدولة بعد فبراير 2011 نتيجة طبيعية لسقوط النظام؟» الأدق منهجياً «هل أدى سقوط نظام القذافي إلى تفكك مؤسسات الدولة، أم أن تفكك قدرة الدولة على ممارسة وظائفها كان نتيجة قرارات ومسارات اتخذت أثناء المرحلة الانتقالية؟»

علينا أن نراجع كل واحد على حدة:

سقوط النظام: ماذا حدث ولماذا؟

واستمرارية الدولة: ما المؤسسات التي بقيت؟

وانتقال السلطة: كيف انتقلت إدارة الدولة؟

وإعادة بناء النظام السياسي: كيف صُممت قواعد الحكم الجديدة؟

وإعادة بناء مؤسسات الدولة: ماذا حدث للجيش والشرطة والقضاء والإدارة؟

وتعدد السلطات: متى بدأت السلطة تتشظى؟

وتفكك الدولة الوظيفي: متى أصبح الانقسام يؤثر في قدرة الدولة على ممارسة وظائفها؟

وهنا تظهر نقطة شديدة الأهمية: لا ينبغي أن نبدأ قصة الانهيار من لحظة سقوط القذافي، بل من العلاقة بين سقوط النظام واستمرارية الدولة وإعادة تأسيس السلطة.

وهذا التفريق سيكون قاعدة ثابتة، خصوصاً عندما نصل إلى عام 2014: سنميز دائماً بين الدولة الليبية، والسلطات المتنافسة عليها، والمؤسسات التي ادعت تمثيلها، والقوى المسلحة التي حاولت التأثير في تلك السلطات.

وعلينا أن نعيد الآن بناء الفرضية الأولى بالكامل بهذا التفريق الثلاثي قبل الانتقال إلى فرضية «الإقصاء والعزل السياسي»

وفي العموم علينا أن نعتمد من الآن منهجاً ثابتاً لكل فرضية يتكون من سبع أسئلة: ما الذي حدث؟ ما الظروف التي كانت قائمة آنذاك؟ ما القرارات التي اتخذها الفاعلون؟ ما البدائل الواقعية التي كانت متاحة في ذلك الوقت؟ ما درجة مسؤولية كل فاعل؟ ما الذي كان يمكن منعه، وما الذي كان يمكن فقط تخفيفه؟ ما الدرس المؤسسي الذي يجب أن تستخلصه ليبيا للمستقبل؟

بهذه الطريقة لن نقول مثلاً: «فشل بناء الجيش مسؤولية السلطة الانتقالية» ثم نتوقف. بل نسأل: هل كانت تملك القرار؟ هل كانت تملك القدرة؟ هل كان البديل متاحاً؟ هل حاولت؟ هل عرقلها طرف آخر؟ وهل كان يمكن الوصول إلى نتيجة مختلفة كلياً أم فقط إلى نتيجة أقل سوءاً؟

وهناك أيضاً قاعدة حاكمة: لا نحاكم الفاعلين بما نعرفه اليوم، بل بما كان يمكنهم معرفته واتخاذه في حينه؛ ولا نعفيهم من المسؤولية لمجرد أن الظروف كانت صعبة.

وبهذا سنستطيع لاحقاً، عندما نصل إلى 2014 والحرب والانقسام المؤسسي، أن نميز بدقة بين: من أشعل المواجهة، من هيأ لها سياسياً، من استفاد منها، من عجز عن منعها، ومن ساهم خارجياً في إطالتها أو تغيير موازينها.

وهذا، سيجعل المراجعة مختلفة عن معظم الروايات الأخرى: ليس بحثاً عن مذنب واحد، بل بحثاً عن نقاط القرار التي كان يمكن عندها تغيير المسار.

________________