بقلم الشّايب

المبحث الثاني: هيئة النزاهة والوطنية: النموذج الأول لمعالجة الإرث السياسي والوظيفي
المطلب الأول: نشأة الهيئة وأهدافها
صدر القانون رقم (26) لسنة 2012 بشأن الهيئة العليا لتطبيق معايير النزاهة والوطنية في 4 أبريل 2012، عن المجلس الوطني الانتقالي. ونص القانون على إنشاء هيئة تتمتع بالشخصية الاعتبارية والذمة المالية المستقلة، مقرها طرابلس، مع إمكانية إنشاء فروع لها في المدن الأخرى.
وكان القانون جزءاً من مرحلة أوسع بدأت بقرارات سابقة خلال سنة 2011 لإنشاء الهيئة وتحديد معايير النزاهة والوطنية، ثم جاء القانون ليضع لهذه العملية أساساً تشريعياً أكثر وضوحاً.
ومن الناحية المفاهيمية، كان القانون يجمع بين هدفين: حماية الوظائف العامة من الأشخاص الذين ارتبطوا بصورة وثيقة بالنظام السابق؛ والتحقق من النزاهة والسلوك المالي والسياسي للمرشحين لشغل المناصب العامة.
وبذلك لم يكن عنوان القانون نفسه هو «العزل السياسي»، وإنما «النزاهة والوطنية»، وهو اختلاف في الدلالة القانونية والسياسية له أهمية في فهم المرحلة.
المطلب الثاني: معايير النزاهة والوطنية
قسمت المادة الثامنة من القانون المعايير إلى نوعين رئيسيين:
أولاً: ضوابط تتعلق بالصفة الوظيفية.
وتضمنت فئات مثل الوزراء والسفراء وقيادات الأجهزة الأمنية والعسكرية وبعض قيادات المؤتمرات الشعبية واللجان الشعبية والقيادات الاجتماعية ورؤساء لجان التطهير، مع اشتراط يتعلق بانضمام شاغلي الوظائف إلى ثورة 17 فبراير قبل 20 مارس 2011 وإثبات ذلك بدليل يقيني.
ثانياً: ضوابط عامة.
وتتعلق بموقف الشخص من النظام السابق، بصرف النظر عن الوظيفة التي كان يشغلها، وشملت العضوية الفاعلة في اللجان الثورية، والحرس الثوري والحرس الشعبي، وتمجيد النظام السابق، ومناهضة ثورة فبراير، والمشاركة في السجن أو التعذيب أو الاعتداء على المعارضين، والاستيلاء على الأموال والممتلكات، وبعض أشكال الارتباط المالي أو الوظيفي بأسرة القذافي وقيادات النظام.
وتكشف هذه الأحكام أن قانون 26 لم يكن، رغم تسميته، محدوداً بالجانب المالي أو الإداري؛ بل كان منذ البداية يحمل بعداً سياسياً واضحاً. غير أن ذلك البعد كان مرتبطاً بصورة مباشرة بعملية الفحص المتعلقة بتولي وظائف ومناصب عامة محددة.
المطلب الثالث: نطاق تطبيق قانون 26 لسنة 2012
حدد القانون في المادة التاسعة قائمة واسعة من الوظائف التي تخضع للفحص، من بينها أعضاء المجلس الوطني الانتقالي، والحكومة، والسفراء والدبلوماسيون، والقيادات المحلية، ومجالس إدارة المؤسسات والشركات العامة، والقيادات الأمنية والعسكرية، ورؤساء الجامعات وعمداء الكليات، وقيادات النقابات والاتحادات، والمرشحون لانتخابات المؤتمر الوطني العام، وأعضاء المؤتمر الوطني العام.
وبذلك كان القانون واسع النطاق من حيث الوظائف، ولكنه ظل مرتبطاً بفكرة الأهلية لتولي منصب عام.
وهذا عنصر مهم في تقييمه؛ لأن القانون لم ينص، في صورته الأصلية، على أن الشخص الذي تنطبق عليه المعايير يصبح خارج المجال السياسي والاجتماعي بصورة مطلقة، وإنما ربط تطبيقها بالمناصب والوظائف التي حددها.
المطلب الرابع: الضمانات الإجرائية
من الجوانب الإيجابية في قانون 26 أنه لم يكتف بوضع معايير موضوعية، وإنما أنشأ آلية مؤسسية لفحص الأشخاص.
فقد أوجب على المرشح أو شاغل الوظيفة تقديم سيرة ذاتية وإقرار بالذمة المالية، ومنح الهيئة صلاحية التحري وطلب المعلومات والوثائق. كما ألزمها بإصدار قرار مسبب خلال مدة أقصاها واحد وعشرون يوماً من استلام البيانات المستوفاة.
والأهم أن المادة الثانية عشرة أتاحت لذوي الشأن الطعن في قرارات الهيئة أمام القضاء الإداري خلال عشرة أيام، مع تحديد مدة للفصل في الطعن.
ومع ذلك، فإن هذه الضمانات لم تكن خالية من الإشكالات؛ فالفترة المحددة للفحص والطعن كانت قصيرة، كما أن بعض المعايير نفسها اتسمت بدرجات متفاوتة من الدقة، خصوصاً المعايير التي تعتمد على مفاهيم مثل «الشهرة بتمجيد النظام» أو «الموقف المعادي للثورة».
المطلب الخامس: مشكلة القانون رقم 26
رغم أن نموذج الهيئة كان أكثر قرباً من نموذج الفحص الوظيفي من نموذج العقوبة الجماعية، فإنه احتوى على عناصر كان يمكن أن تؤسس لاحقاً لاتساع نطاق الإقصاء.
فبعض المعايير لم تكن مرتبطة بصورة مباشرة بارتكاب انتهاك محدد، وإنما بعلاقة سياسية أو فكرية أو وظيفية بالنظام السابق. ومن أمثلة ذلك إدراج من اشتهر بتمجيد النظام أو الدعوة إلى فكر الكتاب الأخضر، وكذلك من كانت دراسته العليا متصلة بفكر القذافي والكتاب الأخضر.
وهنا تبرز مشكلة معيارية مهمة: هل ينبغي أن يكون الموقف الفكري السابق، في حد ذاته، سبباً كافياً لحرمان الشخص من تولي وظيفة عامة في دولة ديمقراطية؟
الجواب، وفق المنظور الحديث للعدالة الانتقالية، يتطلب التمييز بين التعبير الفكري المجرد وبين المشاركة الفعلية في أجهزة القمع أو التحريض على الانتهاكات.
كما أن القانون كان قد عُدّل عدة مرات خلال سنة 2012، ومنها القوانين أرقام 39 و45 و53 لسنة 2012، وهو ما يكشف عن عدم استقرار الإطار القانوني في مرحلة انتقالية شديدة الحساسية.
المبحث الثالث: من النزاهة والوطنية إلى العزل السياسي والإداري
المطلب الأول: التحول التشريعي والسياسي
لم يستمر قانون 26 طويلاً. فقد صدر القانون رقم (13) لسنة 2013 بشأن العزل السياسي والإداري في 8 مايو 2013، بعد أن أقره المؤتمر الوطني العام في اجتماعه المنعقد في 5 مايو 2013، وألغى القانون الجديد صراحة قانون 26 لسنة 2012 وتعديلاته.
ويكشف هذا الانتقال عن تحول في فلسفة التعامل مع الماضي. فبينما كان قانون 26 يستخدم لغة «النزاهة والوطنية» ويربط المعايير بتولي الوظيفة العامة، استخدم قانون 13 بصورة مباشرة مفهوم «العزل السياسي والإداري»، وجعل معيار الإقصاء أكثر شمولاً من خلال تقسيم المشمولين إلى فئتين.
المطلب الثاني: الفئة الأولى – العزل على أساس الوظيفة السابقة
حددت المادة الأولى من قانون 13 مجموعة واسعة من الوظائف والمواقع التي شغلها الأشخاص خلال الفترة الممتدة من 1 سبتمبر 1969 إلى 23 أكتوبر 2011.
وشملت هذه الفئة أعضاء مجلس قيادة الثورة وتنظيم الضباط الوحدويين الأحرار، ومنسقي القيادات الشعبية، وأمناء المؤتمرات الشعبية، ورؤساء وأمناء عدد من المؤسسات التابعة للنظام، ورؤساء الوزراء والوزراء وأمناء القطاعات، والسفراء، وقيادات الجامعات، وقيادات الأجهزة الأمنية، ورؤساء الاتحادات الطلابية، وقيادات المؤسسات المرتبطة بأسرة القذافي، وأعضاء وموظفي مكتب الاتصال باللجان الثورية، وأعضاء بعض الأجهزة واللجان الثورية، وقيادات المؤسسات الإعلامية والعسكرية.
وبذلك أصبح شغل الموقع أو الوظيفة السابقة أحد أهم مفاتيح تطبيق القانون.
وهنا تحديداً يظهر الاختلاف الجوهري مع المعيار المثالي للعدالة الانتقالية: فالموقع الوظيفي يمكن أن يكون قرينة على المسؤولية أو النفوذ، ولكنه لا يثبت وحده ارتكاب انتهاك.
المطلب الثالث: الفئة الثانية – العزل على أساس السلوك
أما الفئة الثانية فقد قامت على السلوك المؤدي إلى «إفساد الحياة السياسية والاقتصادية» خلال الفترة نفسها.
وتضمنت التعاون مع الأجهزة الأمنية إذا ترتب على ذلك انتهاك حق من حقوق الإنسان، وتكرار تمجيد القذافي ونظامه، واتخاذ موقف معادٍ لثورة فبراير، والمشاركة في قتل أو سجن أو تعذيب المواطنين، والاعتداء على الممتلكات لأسباب سياسية، ونهب الأموال، والحصول غير المشروع على الثروة، وبعض الأنشطة الفكرية أو الثقافية التي تهدف إلى تمجيد النظام، فضلاً عن استخدام الخطاب الديني لإضفاء الشرعية على حكم القذافي أو اعتبار ثورة فبراير خروجاً على ولي الأمر.
وتكشف هذه الفئة عن اختلاط عدة مستويات من المسؤولية داخل نص واحد: مسؤولية جنائية عن القتل والتعذيب؛ مسؤولية مالية عن الاستيلاء على المال العام؛ مسؤولية سياسية عن دعم النظام؛ مسؤولية فكرية أو خطابية عن تمجيد النظام؛ ومسؤولية عن مجرد معارضة ثورة فبراير. وهذه المستويات ليست متساوية من حيث الخطورة القانونية والأخلاقية.
المطلب الرابع: اتساع نطاق آثار العزل
لم تقتصر آثار القانون على المناصب السياسية العليا، وإنما نصت المادة الثانية على حرمان المشمولين به من تولي طيف واسع من المناصب، بما فيها الهيئات التشريعية والرقابية والتأسيسية، والوظائف السيادية والتنفيذية، والوظائف القيادية في المؤسسات العامة والمصارف والشركات، والهيئات القضائية، والقيادات الأمنية والعسكرية، والوظائف الدبلوماسية، والقيادات الحزبية والسياسية، ورئاسة الجامعات والكليات والمعاهد العليا، والوظائف القيادية في وسائل الإعلام.
وبذلك لم يعد الأمر مجرد فحص للملاءمة لشغل وظيفة بعينها، وإنما أصبح أقرب إلى إبعاد الشخص عن مساحة واسعة من الحياة العامة. وهذا هو التحول الأكثر أهمية بين القانونين.
المبحث الرابع: المقارنة بين قانون 26 لسنة 2012 وقانون 13 لسنة 2013
يمكن تلخيص المقارنة في الجدول الآتي:
|
معيار المقارنة |
قانون 26 لسنة 2012 |
قانون 13 لسنة 2013 |
|
التسمية |
النزاهة والوطنية |
العزل السياسي والإداري |
|
الجهة التشريعية |
المجلس الوطني الانتقالي |
المؤتمر الوطني العام |
|
الجهة المنفذة |
الهيئة العليا لتطبيق معايير النزاهة والوطنية |
هيئة تطبيق معايير تولي المناصب العامة |
|
فلسفة القانون |
الفحص والتحقق من الأهلية |
العزل ومنع تولي المناصب |
|
معيار الوظيفة السابقة |
موجود |
أكثر اتساعاً وتحديداً |
|
معيار السلوك |
موجود |
أكثر تفصيلاً واتساعاً |
|
نطاق الوظائف |
واسع |
أوسع وأشد أثراً |
|
المسؤولية الفردية |
موجودة جزئياً عبر الفحص والتحري |
موجودة إجرائياً، لكن بعض المعايير تخلق قرائن واسعة |
|
حق الدفاع |
محدود نسبياً |
نص صراحة على استدعاء الشخص وسماع دفاعه |
|
الطعن |
القضاء الإداري، والحكم نهائي وفق القانون |
القضاء الإداري ثم إمكانية الطعن أمام المحكمة العليا |
|
مدة القانون |
مرتبط بانتهاء المرحلة الانتقالية |
عشر سنوات من تاريخ النفاذ |
|
العقوبات |
عقوبات على عدم التعاون أو حجب المعلومات |
عقوبات جنائية أوسع، منها الحبس سنة على بعض المخالفات |
|
العلاقة بالقانون السابق |
الأصل |
ألغى قانون 26 صراحة |
|
الطبيعة السياسية |
متوسطة |
مرتفعة وواضحة |
|
خطر الإقصاء الجماعي |
قائم |
أكبر |
|
العلاقة بالمصالحة |
غير واضحة |
لم تكن هي الغاية المركزية |
وتكشف المقارنة أن قانون 13 لم يكن مجرد تعديل تقني لقانون 26، بل مثّل تحولاً في فلسفة التشريع.
ففي القانون الأول كان السؤال الأساسي: «هل يستوفي الشخص معايير النزاهة والوطنية التي تسمح له بتولي منصب معين؟»
أما في القانون الثاني فأصبح السؤال أقرب إلى: «هل ينتمي الشخص إلى الفئات التي ينبغي عزلها من المجال العام بسبب علاقته بالنظام السابق أو موقفه منه؟»
وهذا الفارق في صياغة السؤال يفسر كثيراً من النتائج اللاحقة.
…
يتبع
_______________