بقلم الشّايب
النص الأصلي الموثق لإعلان التحرير في أكتوبر 2011
بسم الله الرحمن الرحيم
أيها الشعب الليبي العظيم الحر
بعد اندلاع ثورة 17 فبراير المباركة وبعد انقضاء 9 أشهر من القتال الباسل والنضال والجهاد ضد نظام العسف والقهر والدكتاتورية والفوضى والفساد والخراب الذي ساد فترة تزيد على أربعة عقود، وفي ملحمة تاريخية نضالية رائعة اعترفت بها البشرية جمعاء، وبتقديم الدماء الزكية الطاهرة لآلاف الشهداء، استطاع الشعب الليبي العظيم أن يكسر قيوده وينتزع حريته ويجلى ظلام الدكتاتورية بالغيضة وأن يعلن اليوم للعالم بأن الدكتاتور قد مات وأن نظامه المستبد الكريه قد سقط وولى بدون رجعة وأن صفحة الاستبداد قد طويت وأن محطة تاريخية جديدة من عمر هذا الشعب المناضل قد فتحت أبوابها لإعادة بناء الدولة والمجتمع بشكل حر وحديث، زكته أرواح الشهداء ودماء وسواعد المقاتلين الأشاوس ونضالات وعذابات الشرفاء
إن عهدا جديدا قد بدأ ،عهد المؤسسات الحرة المستندة على قواعد ومبادئ احترام حقوق الإنسان والمواطنة، دولة العلم والتخطيط والإزدهار والرخاء والتكامل التي تضمن وحدة التراب الوطني وسلامة نسيجه الاجتماعي التسامحي المسالم الذي ينبذ العنف والتعصب والتطرف.
أيها الشعب الليبي العظيم
إن المجلس الوطني الانتقالي في هذا اليوم التاريخي العظيم يعلن تحرير ليبيا من نظام البطش والاستبداد، والمجلس إذ يهنئ الشعب الليبي بكل أطيافه ومكوناته الوطنية والحضارية على تحقيق هذا الانتصار الكبير ويهنئ كل القوى العالمية المحبة للعدل والسلام التي أبدت ووقفت إلى جانب ثورة 17 فبراير المباركة، يدعو الله بقلوب مؤمنة للحفاظ على هذا المسار المبارك ونجاحاته، ويدعو جميع الليبيين إلى التعاون مع المجلس الوطني لتحقيق التالي:
أولا: التمسك بالوحدة الوطنية ولحمة وتماسك النسيج الاجتماعي وروح التضامن والتعاون والوئام الذي حافظ على نجاح ثورتنا المجيدة حتى الآن وحقق لها قاعدة الصمود والانتصار ونبذ كل النزاعات المصلحية والأنانية والشخصية النفعية والجهوية والقبلية الضيقة التي تعيق تقدمنا الاجتماعي والسياسي.
ثانيا: نبذ كل مظاهر التطرف والعلو والانتقام والعنف والتمسك بقيم العدل والوسطية والتسامح، وما تعنيه تعاليم ديننا الحنيف ومبادئ شريعتنا السمحاء، ونزاهة وإنصاف العدالة التي تساهم، جميعها في تحقيق الأمن والآمان وإرساء بذور التحول الديمقراطي المنشود.
ثالثا: الالتزام بما يصدر عن المجلس الوطني الانتقالي وهيئاته من قرارات وإعلانات في المجالات المختلفة إلى حين انتخاب المؤتمر الوطني العام وتنفيذ سياسات الحكومة الانتقالية التي ستشكل في الوقت القريب بإذن الله باعتبارها السلطة التنفيذية المؤقتة إلى حين إصدار دستور للبلاد وقيام الدولة الديمقراطية الحديثة.
رابعا: الالتزام بخطط وقرارات المجلس الوطني الانتقالي لإعادة بناء وتشكيل الجيش الوطني الليبي باعتباره المؤسسة الشرعية للدولة المخولة باستخدام السلاح لحماية الوطن من الأخطار الخارجية والدفاع عن إقليم وحدود الدولة الليبية وحماية مكتسبات الثورة ومبادئ الديمقراطية.
خامسا: الالتزام بخطط وقرارات المجلس الوطني الانتقالي الخاصة بإعادة بناء وتنظيم وزارة الداخلية وكل الفروع والأجهزة التابعة لها واعتبار أي تشكيل مسلح خارج هذا الِإطار كيان غير شرعي ومضاد للثورة المجيدة.
سادسا: الشروع الفوري في تنفيذ المرحلة الانتقالية كما نص عليها الإعلان الدستوري المؤقت الصادر بتاريخ 3/ رمضان/ 1432 هجرية الموافق 3/8/2011 م. لاسيما الخطوات والإجراءات التي تسبق قيام انتخابات المؤتمر الوطني العام.
سابعا: إن الشعب الليبي وهو يؤسس لدولة القانون، يؤكد للعالم:
1- احترام كل الاتفاقيات والعقود المبرمة وفق المعايير الدولية.
2- العمل من أجل تعزيز الأمن والسلم الدوليين والدعوة للتعاون ونبذ الإرهاب.
3- العمل من أجل إزالة كل أنواع التوتر الدولي والمساهمة الجادة من أجل القضاء على الفقر والعوز في العالم.
4- بناء علاقات أساسها الاحترام والتعاون المتبادل والمصالح المشتركة مع جميع دول العالم وعلى الأخص دول الجوار.
أيها الشعب الليبي العظيم.
اليوم ندخل بخطوات ثابتة وثقة بالله عز وجل إلى أعتاب المرحلة الجديدة “مرحلة ما بعد التحرير” وهي مرحلة تتطلب منا جميعا مسؤولية أكبر وجهد أعظم وعمل دءوب لا يعرف التراجع أو التواكل أو التراخي مرحلة تتطلب ثقة بالله وبالنفس تؤكد بأننا عازمون كمجلس وطني وحكومة انتقالية ومجتمع مدني ومؤسسات على خوض عمار هذه المرحلة وإنجازها على أكمل وجه في ظل أجواء من الأمن والاستقرار والتعاون والوئام الوطني والمسؤولية الجماعية قادرين كلنا بحول الله وقوته وبإرادة التحرر التي أجلت الظلام وإزاحة الظلم على تحقيق حلمنا الكبير ليبيا الحرة المدنية الديمقراطية.
وما النصر إلا من عند الله. والمجد والخلود لشهدائنا الأبرار … وعاشت ليبية حرة أبية.
المجلس الوطني الانتقالي
صدر في بنغازي الأحد 25 ذو القعدة ذ 1432 هجري الموافق 23 أكتوبر،2011 ميلادية
انتهى النص الموثق
****
قراءة موضوعية في نص إعلان التحرير
هل الإعلان وثيقة انتقال أم إعلان انتصار؟
إعلان التحرير الصادر في 23 أكتوبر 2011 بين نهاية الثورة وبداية الدولة يمثل إحدى أهم الوثائق السياسية المؤسسة للمرحلة الانتقالية الليبية. فهو لم يكن مجرد بيان احتفالي بانتهاء الحرب، وإنما وثيقة أعلنت رسمياً انتقال ليبيا إلى مرحلة جديدة سمتها الوثيقة صراحةً «مرحلة ما بعد التحرير».
وتكتسب الوثيقة أهميتها من أنها صدرت عن السلطة التي كانت تتولى إدارة البلاد في لحظة انتقل فيها مركز الصراع من إسقاط النظام إلى بناء الدولة. ولذلك فإن قيمتها التاريخية لا تقاس فقط بما احتوته من عبارات الاحتفاء بالانتصار، وإنما بما حددته من مبادئ والتزامات بشأن شكل الدولة الجديدة، والسلاح، والجيش، ووزارة الداخلية، والمرحلة الدستورية والانتخابية. وفيما يلي بعض الملاحظات المختصرة:
أولاً: الإعلان يقر صراحة بأن المهمة تغيرت
تبدأ الوثيقة باستعادة مسار ثورة 17 فبراير، وتصف السنوات السابقة بأنها مرحلة «العسف والقهر والدكتاتورية والفوضى والفساد والخراب»، ثم تعلن أن سقوط النظام فتح «محطة تاريخية جديدة» لإعادة بناء الدولة والمجتمع.
والعبارة الأكثر أهمية في هذا السياق هي: «إن عهداً جديداً قد بدأ، عهد المؤسسات الحرة…» هذه العبارة تحمل، من الناحية السياسية، معنى يتجاوز الاحتفال بالنصر. فهي تعلن انتقال الشرعية من حالة الثورة والحرب إلى حالة المؤسسات.
وهذا يعني أن المجلس كان، نظرياً على الأقل، يدرك أن نجاح الثورة العسكرية لا يمثل نهاية المهمة، وإنما بداية مهمة مختلفة: بناء دولة تستند إلى المؤسسات والقانون والمواطنة.
وهنا تبدأ مسؤولية المجلس التاريخية الجديدة. فبعد 23 أكتوبر لم يعد السؤال الأساسي: كيف نسقط النظام؟ بل أصبح: كيف نبني الدولة التي جاءت الثورة من أجلها؟
ثانياً: الإعلان يكشف بوضوح أن المجلس كان مدركاً لخطر الانتقام
من أهم ما ورد في الوثيقة دعوتها إلى: «نبذ كل مظاهر التطرف والعلو والانتقام والعنف» والتمسك بقيم: «العدل والوسطية والتسامح» ثم تربط الوثيقة ذلك مباشرة بتحقيق الأمن وإرساء التحول الديمقراطي.
وهذه نقطة شديدة الأهمية في مراجعة تجربة فبراير. فالمجلس كان يدرك، في لحظة إعلان التحرير، أن الانتقام والعنف والتطرف يمكن أن يمثلوا خطراً على الانتقال الديمقراطي. وبالتالي لا يمكن القول إن خطر الانتقام لم يكن معروفاً أو متوقعاً. بل إن الوثيقة نفسها تحذر منه.
ومن هنا يصبح السؤال التاريخي اللاحق أكثر صعوبة: إذا كانت السلطة الانتقالية قد أعلنت رسمياً نبذ الانتقام والعنف، فكيف تعاملت لاحقاً مع أنصار النظام السابق، والمحتجزين، والمهجرين، والكتائب المسلحة، ومطالب الثوار بالقصاص؟ هذه ليست مسألة أخلاقية فقط، وإنما اختبار لمدى قدرة القيادة الانتقالية على تحويل المبادئ المعلنة إلى سياسة دولة.
ثالثاً: الفقرة الرابعة ربما تكون أهم فقرة في الإعلان كله
ينص الإعلان على: «الالتزام بخطط وقرارات المجلس الوطني الانتقالي لإعادة بناء وتشكيل الجيش الوطني الليبي باعتباره المؤسسة الشرعية للدولة المخولة باستخدام السلاح…» هذه العبارة بالغة الأهمية.
فالمجلس هنا يحدد، بصورة واضحة، من يجب أن يكون صاحب الشرعية في استخدام القوة المسلحة هو الجيش الوطني. وهذا يعني أن الوثيقة نفسها تضع أساساً واضحاً لمبدأ: احتكار الدولة للسلاح. ولا تكتفي بذلك، بل تحدد وظيفة الجيش: حماية الوطن؛ والدفاع عن الحدود؛ وحماية مكتسبات الثورة؛ وحماية مبادئ الديمقراطية. وهذا يكشف أن مشكلة بناء الجيش لم تكن مجهولة للمجلس. بل كانت حاضرة في صلب إعلان التحرير.
رابعاً: الفقرة الخامسة جاءت أكثر حسماً
ينص الإعلان على: «إعادة بناء وتنظيم وزارة الداخلية وكل الفروع والأجهزة التابعة لها» ثم تأتي العبارة الأكثر صراحة: «واعتبار أي تشكيل مسلح خارج هذا الإطار كياناً غير شرعي ومضاداً للثورة المجيدة.» هذه ربما تكون أقوى فقرة في الوثيقة كلها من منظور هذه المراجعة.
لم يعد الأمر مجرد دعوة عامة إلى بناء الدولة. فالمجلس يحدد هنا قاعدة قانونية وسياسية واضحة: التشكيل المسلح خارج الجيش و وزارة الداخلية غير شرعي. وهذه النتيجة تفتح أمامنا سؤالاً بالغ الأهمية: ماذا حدث لهذه القاعدة بعد إعلان التحرير؟
لأننا إذا وجدنا أن التشكيلات المسلحة استمرت بعد ذلك، وحصل بعضها على التمويل والاعتراف والرواتب، واحتفظ بعضها بأسلحته ومقراته واستقلاله العملياتي، فإن المسألة لا تعود مجرد «ظروف انتقالية صعبة». بل يصبح لدينا تناقض بين المبدأ الذي أعلنته السلطة الانتقالية وبين السياسات التي اتبعتها لاحقاً.
خامساً: الإعلان كان يملك، نظرياً، خريطة للانتقال
الفقرة السادسة تحيل مباشرة إلى الإعلان الدستوري المؤقت الصادر في 3 أغسطس 2011، وتؤكد ضرورة الشروع الفوري في تنفيذ المرحلة الانتقالية، خصوصاً الإجراءات السابقة لانتخاب المؤتمر الوطني العام.
إذن لدينا في الوثيقة نفسها ثلاثة مسارات متوازية:
- المسار الأول: بناء المؤسسات،
- المسار الثاني: احتكار الدولة للسلاح،
- المسار الثالث: الانتقال الدستوري والانتخابي.
وهذه الملاحظة مهمة جداً. لأنها تعني أن المجلس لم يكن يفتقر تماماً إلى تصور نظري للمرحلة المقبلة. فهل جرى تنفيذ هذه المسارات بالترتيب الصحيح؟
سادساً: هنا تبدأ «العقدة المركزية»
إذا جمعنا الفقرات السابقة، يمكننا إعادة بناء تصور المجلس كما ظهر في الوثيقة: الثورة انتهت، ثم بدأ عهد المؤسسات، والانتقام مرفوض، والجيش هو المؤسسة الشرعية لحمل السلاح، ووزارة الداخلية هي الإطار الشرعي للأجهزة الأمنية، والتشكيلات المسلحة خارج هذا الإطار غير شرعية.
الوثيقة رسمت خارطة طريق: تبدأ المرحلة الانتقالية، ثم ينتخب المؤتمر الوطني العام، ثم تشكّل الحكومة، ثم يصدر الدستور، ثم تقوم الدولة الديمقراطية الحديثة. أي أن السلطة الانتقالية كانت تعرف، في اللحظة التي أعلنت فيها تحرير ليبيا، إلى أين ينبغي أن تتجه الدولة من حيث المبدأ. ولكن المشكلة ليست غياب الرؤية بالكامل، بل الفجوة بين الرؤية المعلنة والتنفيذ.
تناقضات إعلان التحرير
اللافت جداً أن الإعلان يحتوي على تناقض تأسيسي: فهو يعلن انتهاء الثورة والانتقال إلى دولة المؤسسات، لكنه في الوقت نفسه يستند في شرعيته ولغته إلى الثورة والمقاتلين، بينما يضع صراحةً قواعد كان يفترض أن تقود إلى إنهاء ظاهرة التشكيلات المسلحة خارج الدولة. هذه الملاحظة هي واحدة من أهم نتائج مراجعتنا حتى الآن إلى جانب التناقضات التالية:
التناقض الأول — الثورة انتهت، لكن شرعيتها بقيت حاضرة بقوة
تصف الوثيقة النصر بأنه نتاج: «دماء وسواعد المقاتلين الأشاوس» وتتحدث عن «ثورتنا المجيدة»، و«مكتسبات الثورة»، و«المقاتلين». وهذا مفهوم في سياق احتفال بالنصر. لكن هنا تظهر مشكلة الانتقال السياسي: إذا كانت الثورة قد انتهت، فمن الذي يحدد الشرعية بعد انتهائها؟ هل هو المقاتل؟ أم المؤسسة؟ هل الحقوق السياسية تستمد من المشاركة في الثورة؟ أم من المواطنة؟. هذه الأسئلة ستظهر بصورة أكثر حدة بعد ذلك في ملف العزل السياسي، ثم في الصراع السياسي داخل المؤتمر الوطني العام ومجلس البرلمان .
التناقض الثاني — الإعلان يرفض التشكيلات المسلحة، بينما الواقع لم يتغير
وهذه ربما تكون أهم نقطة في مراجعة مرحلة ما بعد التحرير. فالنص واضح: التشكيل المسلح خارج الجيش أو وزارة الداخلية «كيان غير شرعي». لكن على الأرض كانت هناك قوى مسلحة تمتلك: الرجال؛ السلاح؛ المركبات؛ المقرات؛ النفوذ المحلي؛ القدرة على الاعتقال والحراسة والسيطرة على المنشآت.
إذن ظهرت منذ اللحظة الأولى فجوة بين الشرعية القانونية و القدرة الفعلية على فرض القانون. وهذه الفجوة ستكون واحدة من أهم مفاتيح تفسير المرحلة كلها.
التناقض الثالث — الانتقال الدستوري بدأ قبل اكتمال بناء الدولة
الإعلان يدعو في الوقت نفسه إلى إعادة بناء الجيش والداخلية والشروع في إجراءات انتخاب المؤتمر الوطني. وهنا يجب أن نطرح سؤالاً لا حكماً مسبقاً: هل كان ينبغي أن تسبق عملية بناء الحد الأدنى من مؤسسات الدولة الانتخابات، أم كان من الممكن إجراء الانتخابات في ظل هذا الوضع الأمني والمؤسسي؟ لأن انتخابات 2012 ستنتج مؤسسة منتخبة تتمتع بشرعية انتخابية، لكنها ستجد نفسها أمام: جيش غير موحد و كتائب مسلحة و مؤسسات أمنية ضعيفة و دولة انتقالية هشّة. وبذلك انتقلت الأزمة من المجلس الانتقالي إلى المؤتمر الوطني العام.
أهمية إعلان التحرير في تقييم نخبة فبراير: من الخطأ أن نضع كل مسؤولية فشل الانتقال الديمقراطي على المجلس الوطني الانتقالي وحده. لكن من الخطأ المقابل أيضاً أن نتعامل مع انهيار الدولة لاحقاً وكأنه حدث من دون إنذارات مبكرة. إعلان التحرير يوفر لنا نقطة قياس ممتازة.
ففي 23 أكتوبر 2011 كانت النخبة التي قادت الثورة تقول للشعب: نريد دولة مؤسسات ونرفض الانتقام. والجيش هو المؤسسة الشرعية لحمل السلاح. التشكيلات المسلحة خارج الجيش والداخلية غير شرعية. وسنبدأ المرحلة الدستورية والانتخابية.
ومن ثم فإن المراجعة التاريخية يجب أن تسأل، لكل مبدأ من هذه المبادئ: ماذا فعلت النخبة بعد أن أعلنته؟ وهنا تتحول الوثيقة من خطاب احتفالي إلى معيار للمساءلة التاريخية والسياسية.
إعلان التحرير يكشف الفرصة الضائعة: ربما كانت أهم فرصة في تلك اللحظة أن المجلس كان يستطيع أن يقول بوضوح: لقد انتهت الثورة، ومن الآن فصاعداً لا توجد شرعية مسلحة خارج الدولة. وأن يربط ذلك ببرنامج عملي: جرد السلاح ثم تسجيل المقاتلين ثم تفكيك التشكيلات ثم دمج المؤهلين ثم تسريح الباقين ثم إعادة بناء الجيش والشرطة ثم حماية المؤسسات ثم بدء المصالحة ثم الانتقال السياسي.لكن الوثيقة، رغم وضوح مبادئها، لا تتحول بذاتها إلى خطة تنفيذية مفصلة.
وهنا يبدأ السؤال الذي ينبغي أن نتابعه في الملفات التالية: هل كان هذا نقصاً في التخطيط، أم ضعفاً في القدرة، أم خوفاً من مواجهة القوى الثورية، أم اعتقاداً بأن المشكلة ستُحل تدريجياً بعد الانتخابات؟
الخلاصة الأولية
كان إعلان التحرير وثيقة ذات مضامين تأسيسية واضحة، إذ أعلن الانتقال إلى عهد المؤسسات، ودعا إلى نبذ الانتقام، وحدد الجيش ووزارة الداخلية باعتبارهما الإطارين الشرعيين للقوة المسلحة والأمن، واعتبر التشكيلات المسلحة الخارجة عنهما غير شرعية، كما دعا إلى الشروع في الانتقال الدستوري والانتخابي.
غير أن القيمة التاريخية للوثيقة تكمن أيضاً في أنها توفر معياراً واضحاً يمكن من خلاله قياس أداء السلطة الانتقالية في الأشهر التالية، ومدى نجاحها في تحويل هذه المبادئ إلى سياسات ومؤسسات فعلية.
ومن هنا فإن السؤال المركزي لا ينبغي أن يكون ماذا أعلن المجلس في 23 أكتوبر 2011، وإنما لماذا اتسعت، بعد الإعلان، الفجوة بين ما أعلنته السلطة وما استطاعت أو أرادت تنفيذه.
وهذا يقودنا إلى استنتاج مهم جداً هو: ربما لم تبدأ مشكلة الانتقال الديمقراطي في ليبيا من الانتخابات، ولا من المؤتمر الوطني العام، ولا من قانون العزل السياسي. بل بدأت قبل ذلك. في اللحظة التي أعلنت فيها الثورة انتهاءها، لكنها لم تستطع أن تنقل كل أدوات الثورة إلى الدولة.
…
يتبع
__________