بقلم الشّايب

الحادي عشر: إعلان التحرير

إعلان التحرير في 23 أكتوبر 2011 كان لحظة رمزية ضخمة. وكان يفترض أن الإعلان يعني: انتهاء الحرب وبدء الدولة. لكن السؤال الذي يجب طرحه: هل كان إعلاناً لنهاية الثورة أم إعلاناً لبداية مرحلة جديدة من الثورة؟ لأن الفرق كبير.

إذا كانت الحرب قد انتهت، فإن منطق الدولة يجب أن يحل محل منطق الثورة: من السلاح إلى الدولة، ومن الكتائب إلى الجيش والشرطة، ومن الشرعية الثورية إلى الشرعية القانونية، ومن الثأر إلى العدالة، ومن التعبئة إلى الإدارة، ومن القيادة الثورية إلى المؤسسات.

هذه التحولات لم تحدث بالسرعة المطلوبة. ولهذا قد يكون من الأدق أن نقول: تم إعلان تحرير ليبيا، لكن عملية الانتقال من مجتمع الثورة إلى دولة القانون لم تبدأ بالوضوح والصرامة اللازمين.

الثاني عشر: الأموال التي دُفعت للثوار

هذه نقطة مهمة جداً في المراجعة. فدعم الثوار مالياً بعد الحرب كان مفهوماً من الناحية السياسية والاجتماعية. لكن السؤال المؤسسي: هل تحولت مكافآت الثورة إلى سياسة عامة لإعادة الإدماج، أم ساهمت في تثبيت الكتائب باعتبارها وحدات مستقلة لها قوة تفاوضية؟

فإذا كان الدفع مرتبطاً بالقتال والصفة الثورية بدلاً من برنامج واضح للتسريح وإعادة الإدماج والتدريب والتوظيف. فإن النتيجة المحتملة تكون: تحويل القوة المسلحة المؤقتة إلى مصلحة منظمة لها وجود دائم. وهذا أحد الملفات التي سنحتاج إلى توثيقها.

الثالث عشر: الخطأ الأكبر — استعجال الانتخابات

لم تكن المشكلة في إجراء الانتخابات في حد ذاتها. بل إجراء الانتخابات قبل اكتمال الحد الأدنى من البيئة المؤسسية والأمنية والسياسية اللازمة لتحويل الانتخابات إلى بداية نظام ديمقراطي مستقر.

انتخابات 2012 كانت إنجازاً تاريخياً. لكن السؤال: ماذا كان ينبغي أن يكون قبلها؟ كان ينبغي أن يكون هناك قدر أكبر من بناء مؤسسات الدولة؛ ضبط السلاح؛ تحديد قواعد المرحلة الانتقالية؛ إنشاء إطار واضح للعدالة الانتقالية؛ إصلاح الإدارة؛ تنظيم العلاقة بين المركز والمحليات؛ إعداد مشروع دستوري واضح. لكن الأولوية أصبحت الانتقال السريع إلى الانتخابات.

سقوط طرابلس: الانتصار الذي لم يكن المجلس مستعداً له

سقوط العاصمة في 21–22 أغسطس 2011 كان أسرع وأقل مقاومة بكثير مما توقعه كثيرون. دخلت قوات المعارضة العاصمة من عدة اتجاهات، ووجدت مقاومة محدودة في مناطق كثيرة، بينما انهارت أجزاء من المنظومة الأمنية بسرعة. والأهم أن هناك أدلة على انهيار داخلي في دفاعات النظام.

فقد نقلت تقارير معاصرة أن الوحدة المكلفة بحماية مداخل طرابلس استسلمت أو امتنعت عن القتال، كما تحدثت تقارير عن خلايا نائمة داخل العاصمة وعن تنسيق بين مقاتلين من الداخل والقوات القادمة من الخارج.

المفارقة أن المجلس الانتقالي كان قد أمضى ستة أشهر وهو يتعامل مع تصور أن الحرب قد تطول، ثم جاءت لحظة انهيار دفاعات العاصمة بسرعة مذهلة. حتى داخل طرابلس نفسها كان الذهول واضحاً. وتصف شهادات وتقارير معاصرة حالة السكان والمقاتلين على السواء بأنهم كانوا يتوقعون معركة أكثر دموية، قبل أن يتضح أن أجزاء كبيرة من دفاعات النظام قد انهارت أو انسحبت.

وهنا يظهر سؤالنا المركزي: هل كان المجلس الانتقالي يملك خطة جاهزة لليوم الذي تسقط فيه طرابلس؟ وهذا السؤال أهم بكثير من السؤال العسكري: كيف سقطت طرابلس؟.

إذا كانت طرابلس قد انهارت بهذه السرعة، فقد تغيرت طبيعة المهمة في ساعات. حتى 20 أغسطس كان المجلس يتصرف أساساً كقيادة حرب. وبعد 21 أغسطس أصبح مطلوباً منه أن يتصرف كسلطة دولة. وهذا تحول هائل:

من إدارة الجبهات إلى إدارة العاصمة. ومن تعبئة الثوار إلى ضبطهم. ومن هزيمة قوات النظام إلى حماية مؤسسات الدولة. ومن الاستيلاء على المواقع إلى منع نهبها وتدميرها. ومن إدارة المناطق المحررة إلى إدارة بلد كامل. ولكن هل حدث هذا التحول في طريقة تفكير المجلس؟

والمفارقة الأخرى أن «الانهيار الداخلي» كان يجب أن يغيّر الأولويات. إذا صح أن جزءاً مهماً من دفاعات النظام انهار من الداخل، وأن بعض الوحدات استسلمت أو انسحبت، فهذا يعني أن المجلس كان أمام فرصة تاريخية. وهي استيعاب أكبر عدد ممكن من موظفي وأفراد الدولة الذين لم يرتكبوا جرائم، بدلاً من التعامل معهم جميعاً باعتبارهم جزءاً من النظام المهزوم.

فهل كان يمكن تحويل هذا الانهيار إلى عملية انتقال سلمية لمؤسسات الدولة؟ بدلاً من ترك مؤسسات الدولة تنهار ثم محاولة إعادة بنائها من الصفر؟ وربما هذه واحدة من أهم الفرضيات التي ينبغي اختبارها.

ما حدث في طرابلس بعد الدخول أهم من لحظة الدخول نفسها، فالمصادر الدولية المعاصرة توثق أن السيطرة لم تكن كاملة في اليوم الأول؛ استمر القتال في مناطق مثل أبو سليم، وحول باب العزيزية والمطار وغيرها، حتى بعد دخول الثوار إلى قلب العاصمة. وقد استمر القتال المتقطع حتى أواخر أغسطس.

إذن ما حدث هو انهيار مفاجئ لمنظومة السيطرة المركزية ودخول الثوار إلى قلب العاصمة، ثم تبع ذلك صراع على تثبيت السيطرة خلال الأيام التالية.

وهنا نجد بداية “أزمة اليوم التالي” حيث كان السؤال الذي ينبغي أن يطرح في 21 أغسطس: من يحكم طرابلس صباح 22 أغسطس؟ وليس فقط من دخل طرابلس؟ وكان ينبغي أن تكون هناك خطة جاهزة للأمن؛ وحماية المصارف؛ وحماية المؤسسات الحكومية؛ وحماية الموانئ والمطار؛ وحماية مخازن السلاح؛ وحماية السجلات والوثائق؛ وحماية السجون؛ وحماية البنية التحتية؛ وتنظيم دخول الكتائب؛ ومنع الاعتقالات العشوائية؛ ومنع الانتقام؛ واستمرار الخدمات الأساسية.

سقوط العاصمة بهذه السرعة يعني أن الفجوة بين الخطة العسكرية والخطة المدنية أصبحت مكشوفة جداً. وهنا نعيد النظر في «إدارة طرابلس» بعد أغسطس، وهي محطة مهمة لأنها ستكشف السؤال الأهم:

  • هل كان الانهيار السريع للنظام في طرابلس مفاجأة عسكرية للمجلس فقط، أم أنه كشف أن المجلس لم يكن قد أعدّ تصوراً سياسياً ومؤسسياً كافياً لليوم الذي يصبح فيه مسؤولاً عن ليبيا كلها؟

  • ماذا فعل المجلس الانتقالي بعد أن أصبح صاحب السلطة الفعلية على العاصمة؟

  • هل استوعب الدولة القديمة؟ أم استبدلها بشبكة جديدة من الثوار والمجالس والكتائب؟

  • وهل بدأ بناء جيش وشرطة موحدين؟ أم ترك لكل مجموعة مسلحة مساحة من السلطة؟

  • وهل بدأ العدالة الانتقالية المؤسسية؟ أم ترك المجتمع الثوري يحدد بنفسه من هو «الثوري» ومن هو «العدو»؟

سقوط طرابلس لم يكن مجرد انتصار عسكري. لقد كان أول انتقال فعلي لمركز السلطة من الثورة إلى الدولة. وبالتالي أصبح على المجلس الانتقالي أن يحكم الدولة لا أن يقود الثورة.

ولكن عندما تحول الانتصار العسكري إلى فراغ مؤسسي، انتشرت ظاهرة نهب المؤسسات بعد دخول قوات الثورة إلى طرابلس، وذلك يتوافق مع توثيق حقوقي وأممي واسع لوقوع عمليات نهب وسلب واحتلال لمرافق عامة وممتلكات حكومية في الفترة التي أعقبت سقوط العاصمة. كما وثقت تقارير حقوق الإنسان حالات اعتداء ونهب مرتبطة بمجموعات مسلحة مختلفة.

الخطورة في الاستيلاء على الأموال؛ والسيارات الحكومية؛ والملفات؛ والسجلات؛ والمعدات؛ والممتلكات العامة؛ ليست في قيمتها المادية فقط.

  • فالوثيقة الحكومية، مثلاً، ليست مجرد ورقة. إنها ذاكرة الدولة.

  • والسيارة الحكومية ليست مجرد مركبة. إنها أداة من أدوات الخدمة العامة.

  • والمال الموجود في مؤسسة عامة ليس غنيمة حرب. إنه مال عام.

ولهذا فإن ترك هذه الممتلكات عرضة للاستيلاء يرسل رسالة شديدة الخطورة: انتهى النظام، وبالتالي انتهت قواعد الملكية العامة معه. وهنا تبدأ مشكلة بناء الدولة الجديدة.

الأخطر هو نهب المعسكرات ومخازن السلاح. لأن السيطرة على معسكر أو مخزن سلاح تعني السيطرة على: أسلحة؛ وذخائر؛ ومركبات عسكرية؛ واتصالات؛ ووثائق عسكرية؛ وأحياناً معدات استراتيجية.

وبعد انهيار المنظومة الأمنية، أصبح السؤال: من يملك السلاح الذي تركه النظام؟ بدلاً من: كيف تنتقل ملكية السلاح إلى الدولة؟ وهذه نقطة مفصلية في تفسير استمرار ظاهرة الكتائب.

هنا تظهر مسؤولية المجلس الانتقالي. أولا يجب أن نفرق بين أمرين. الأمر الأول لم يكن بإمكان المجلس الانتقالي، في ظل الحرب، أن يمنع كل عملية نهب أو كل استيلاء فردي. الأمر الثاني كان يمكنه ــ من حيث المبدأ ــ أن يضع أولوية فورية لحماية المؤسسات الاستراتيجية ومخازن السلاح.

وهنا تصبح المسألة قابلة للتقييم: هل كانت هناك خطة؟ هل كانت هناك أوامر؟ من كان مسؤولاً عن الأمن في طرابلس؟ هل كانت الكتائب خاضعة لغرفة عمليات مركزية؟ من أعطي مهمة حماية الوزارات؟ من أعطي مهمة حماية المصارف؟ من أعطي مهمة حماية المعسكرات؟ وإذا كانت هناك أوامر، لماذا لم تنفذ؟. هذه أسئلة ينبغي ألا نجيب عنها بالذاكرة أو الروايات، بل بالوثائق والشهادات.

والمفارقة أنه إذا ثبت أن بعض الوحدات التي كُلّفت بحماية المؤسسات شاركت هي نفسها في الاستيلاء على الممتلكات، فهذه ليست مجرد حالة فساد أو انضباط ضعيف. إنها تكشف مشكلة أعمق: عدم وجود تمييز مؤسسي واضح بين «الثائر» و«رجل الأمن». الثائر كان يرى نفسه صاحب فضل في تحرير المدينة. لكن رجل الأمن في الدولة الجديدة يفترض أن يرى نفسه: موظفاً لدى القانون. والانتقال من الأول إلى الثاني لم يحدث فوراً.

وهنا نصل إلى مفهوم «خصخصة الانتصار». أي أن مجموعات شاركت في تحقيق الانتصار العسكري تعاملت مع جزء من الدولة وممتلكاتها وكأنها مكافأة على مشاركتها في الثورة. وهذا مفهوم خطير. لأن الدولة تصبح عندئذ: غنيمة المنتصرين بدلاً من أن تكون: ملكية عامة لكل المواطنين.

وإذا ترسخ هذا المنطق في الأسابيع الأولى، يصبح من الصعب جداً بعد ذلك إقناع الكتائب بأن: السلاح للدولة وأن: المقار الحكومية للدولة وأن: القرار الأمني للدولة وأن: المال العام ليس مكافأة للثوار.

وهذا يرتبط مباشرة بأموال الثوار، ومن المهم ملاحظة التسلسل التالي: المقاتل شارك في الحرب، يستولي أو يحتفظ بسلاح/مركبة/مقر، والدولة تحتاج إليه لضبط الأمن، ثم الدولة تدفع له أو تسجله ضمن قوة أمنية، وتتحول العلاقة من قوة ثورية مؤقتة إلى مصلحة قائمة.

وهنا يمكن أن تكون بعض سياسات ما بعد التحرير قد ساهمت، ولو بصورة غير مقصودة، في تثبيت بنية الكتائب بدلاً من تفكيكها.

لماذا كانت المعسكرات تحديداً نقطة اللاعودة؟ لأن الدولة يمكنها إعادة شراء سيارة. ويمكنها إعادة بناء مكتب. ويمكنها استئجار مبنى. لكن عندما ينتشر السلاح والذخيرة خارج السيطرة المركزية، فإنك تنتج: مراكز قوة مستقلة عن الدولة.

ومن هنا يصبح إصلاح القطاع الأمني لاحقاً أكثر صعوبة بكثير. وهذا يربط أغسطس 2011 مباشرة بما حدث في: 2012؛ 2013؛ 2014؛ ثم الحرب اللاحقة في 2019

الخلاصة: لم تكن المشكلة أن الدولة لم تستطع منع جميع مظاهر الفوضى بعد سقوط طرابلس؛ بل أن مرحلة الانتقال لم تنجح في فرض قاعدة واضحة ومبكرة تنقل حيازة مؤسسات الدولة وأسلحتها وممتلكاتها من القوى الثورية إلى سلطة عامة واحدة.

لا ينبغي أن نتوقع المستحيل من سلطة خرجت من حرب. لكن نستطيع أن نسأل: هل اتخذت السلطة القرارات الصحيحة بالسرعة المطلوبة؟

وهنا نصل إلى سؤال أخطر. إذا كانت طرابلس قد سقطت بسرعة، وكانت مؤسسات الدولة مكشوفة، وكانت المعسكرات معرضة للاستيلاء، وكانت السلطة المركزية لا تزال في بنغازي، فإن السؤال يصبح: أين كانت الدولة الانتقالية خلال الأيام الأولى لسقوط العاصمة؟ وهذا سيقودنا إلى ملف انتقال المجلس من بنغازي إلى طرابلس، ومتى دخلت قيادته، وكيف تعاملت مع الكتائب التي أصبحت صاحبة النفوذ الفعلي في العاصمة.

…

يتبع

ـــــــــــــــــــــــــــــ