محمد عفيفي

هذا الاتفاق يمثّل خطوةً مهمةً نحو إجراء انتخابات وطنية حرة ونزيهة وشفافة وجامعة، وتعزيز توحيد المؤسسات الليبية لتلبية تطلّعات الشعب الليبي”؛ بهذه الكلمات علّق السفير الفرنسي لدى الأمم المتحدة الذي الذي ترأس بلاده مجلس الأمن الدولي خلال الشهر الحالي، جيروم بونافون، الثلاثاء 8 أيلول/ سبتمبر الجاري، على توقيع اتفاق “الاجتماع المصغر” الذي يُعدّ بمثابة خريطة طريق سياسية توافق عليها أطراف الصراع في ليبيا.

منذ توقيعه في نهاية آب/ أغسطس 2026، قوبل اتفاق لجنة الاجتماع المصغر “4+4” بترحيب دولي وإقليمي واسع. لكن الاتفاق الذي تتمسّك به بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا (أونسميل) باعتباره فرصةً لكسر جمود الوضع السياسي في البلد الذي يعاني من الانقسام منذ عام 2011، يواجَه بتحفظ وتشكّك متناميَين محلياً، تسبّبت فيهما جزئياً البعثة نفسها.

منذ اللحظة الأولى، فرضت البعثة الأممية سياجاً من السرّية والتكتّم حول الاتفاق، متجاهلةً تحفّظات وانتقادات محليةً طالت آلية تشكيل اللجنة والأساس القانوني والدستوري لعملها، وهو ما عرّضها لاتهامات بتجاوز المؤسسات الوطنية، وهي الدعوى التي استخدمها رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي ورئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة لتبرير امتناعهما عن حضور مراسم توقيع الاتفاق.

هذا التشكك مردّه جزئياً إلى انقسام البلاد على نفسها بين حكومتين، في الغرب حكومة الوحدة الوطنية بقيادة عبد الحميد الدبيبة التي تحظى بدعم دولي، وفي الشرق حكومة الاستقرار الوطني برئاسة أسامة حماد والتي كلَّفها مجلس النواب ويدعمها قائد “القيادة العامة” للجيش المشير خليفة حفتر، ما خلق بيئةً خصبةً لانعدام الثقة المتبادل، ومخاوف من استئثار بعض الأطراف بالسلطة والنفوذ، وهو ما يفسّر موجة التسريبات التي استبقت الكشف الرسمي عن بنود الاتفاق.

مواد ملغومة، واتهامات بتجاوز “المؤسسات الوطنية”… هل ينجح اتفاق “الاجتماع المصغّر” في ليبيا في إنهاء الجمود السياسي في البلاد؟ وهل يكفي ضغط بعثة الأمم المتحدة للدعم لتنفيذه؟

مع ذلك، لا يرى المحلل السياسي الليبي، حسام الدين العبدلي، أنّ نهج البعثة كان خطأ، إذ يعتقد أنها أرادت حماية مسوّدة الاتفاق من العراقيل قبل التوقيع عليه، وهو ما “نجحت فيه”، على حدّ قوله لرصيف22.

اتفاق مثير في وقت استثنائي

بعد خمس سنوات من الجمود السياسي أعقب فشل إجراء انتخابات عام 2021، وفي ظلّ أوضاع معيشية تزداد سوءاً على وقع انقطاعات طويلة ومتكرّرة للكهرباء، ونقص في الوقود وشحّ في السيولة، ألقى اتفاق “4+4” حجراً في المياه الراكدة، إذ جاء في “ظرف استثنائي” يجعله مختلفاً عن سابقَيه سواء في الصخيرات عام 2015، أو في جنيف عام 2021، حسب العبدلي.

ويضيف المحلل الليبي أنّ الاتفاق مرّ بمخاض عسير، فقد لجأت البعثة إلى خيار الاجتماع المصغر الذي يضم ممثلين اثنين عن كل من “القيادة العامة” و”حكومة الوحدة” ومجلسي النواب والأعلى للدولة، بعدما فشل المجلسان في تنفيذ الخطوة الأولى من الخريطة الأممية التي طرحتها المبعوثة الخاصة للأمم المتحدة لليبيا، هانا تيتيه، قبل عام، والمتمثلة في إعادة تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات ومعالجة قوانين الانتخابات التي حالت دون إجراء الاستحقاق في 2021.

وتتضمّن الخطة الأممية التي طرحتها تيتيه في آب/ أغسطس 2025، تشكيل حكومة موحدة تهيئ المناخ للانتخابات، وآليةً للحوار تعالج القضايا الخلافية خاصةً الأمنية والاقتصادية والانتخابية.

وقبيل توقيع الاتفاق الأخير، في 30 آب/ أغسطس 2026، نأى مجلس الدولة الليبي بنفسه عن الاتفاق، مؤكداً عدم مشاركته فيه، بعدما رأى أنه يفتقر إلى “الأساس الدستوري والقانوني الواضح واحترام اختصاص المؤسسات الليبية“.

وردّ المجلس على التأييد الدولي المتزايد للاتفاق، بالتأكيد على أنه “لا ينشئ بذاته شرعيةً دستوريةً أو أثراً قانونياً”، وأنّ دور البعثة الأممية يظلّ داعماً وميسّراً للتوافق الليبي “لا بديلاً عن المؤسسات الوطنية أو مصدراً للتشريع“.

كما شدّد على أنّ أي ترتيبات تمسّ مؤسسات أو أحكام الاتفاق السياسي أو تستوجب تعديلاً دستورياً أو قانونياً ينبغي أن تمرّ عبر الآليات التي قرّرتها المرجعيات الوطنية النافذة، داعياً البرلمان وسائر القوى والأحزاب للتوافق على مسار انتخابي واضح وقابل للتنفيذ “ينهي المرحلة الانتقالية ولا يعيد إنتاجها“.

تعقيباً على هذه النقطة، يوضح عضو المجلس الأعلى للدولة، أحمد أبو بريق، تأييد المجلس لإجراء الانتخابات وخريطة الطريق الأممية، لكن شريطة أن تُجرى عبر “توافق ليبي ومؤسسات شرعية لا بمنطق فرض الأمر الواقع“.

ويقول أبو بريق، لرصيف22، إنّ دخول “حكومة الوحدة كطرف في صياغة هذا المسار يثير إشكالاً مؤسسياً لأنها “جاءت أصلاً عبر اتفاق سياسي (يقصد جنيف 2021)، وعطّلت مخرجات 6+6 وكذلك التعديل الدستوري الثالث عشر، وتالياً لا يصحّ أن تتحوّل اليوم إلى طرف يقرّر مصير المؤسسات التي يفترض أن تسلّم إليها السلطة“.

وتشكلت لجنة “6+6” في نيسان/ أبريل 2023، من ستة أعضاء من مجلس النواب ونظرائهم من مجلس الدولة، بموجب التعديل الدستوري الثالث عشر الذي أقرّه البرلمان ليكون قاعدةً دستوريةً تُجرى عبرها الانتخابات، فيما تحدّد هدف اللجنة في إعداد الإطار القانوني اللازم لهذا الاستحقاق، لكن هذا المسار توقّف وسط اتهامات متبادلة بالعرقلة.

ومع تأكيده تأييده أي اتفاق يقود إلى الانتخابات وتوحيد الدولة، يتابع أبو بريق بأنّ ذلك لا بد أن يكون عبر “توافق حقيقي وأساس دستوري وقانوني واضح”، ويحذّر من أنّ غياب ذلك قد “يُنتج أزمةً جديدةً بدلاً من إنهاء القائمة“.

وبينما كان مجلس الدولة أكثر وضوحاً في إعلان تحفّظه على الاتفاق، كان مجلس النواب أكثر تحوّطاً، فلم يصدر عنه سوى بيان واحد باسم رئيسه، عقيلة صالح، لم يشر إلى اتفاق “4+4” بالاسم، وربط تأييد المبادرات الهادفة إلى تسوية شاملة للأزمة بأن “تكون ضمن الإعلان الدستوري والتشريعات النافذة والاتفاق السياسي وألا تتعارض معها“.

تواصل رصيف22 مع أكثر من نائب في المجلس لاستجلاء موقف البرلمان بشكل أوضح، لكنهم رفضوا التعليق، وبرّر بعضهم ذلك بـ”عدم اتضاح الأمور”، وهو ما يفسره مراقبون بالخوف من القبضة الحديدية التي تفرضها “القيادة العامة” للجيش في مناطق نفوذها.

ويقول الباحث والمحلل السياسي الليبي، محمد محفوظ، لرصيف22، إن “مواقف بعض الأطراف الموجودة في السلطة تعكس تضرّرهم من الاتفاق“.

ويتفق معه العبدلي شارحاً: “أعتقد أنّ رؤساء المجالس الثلاثة (المنفي وعقيلة وتكالة) يريدون أن يكونوا طرفاً في أي محاصصة قادمة أو أي تفاوض ترعاه جهات دولية أو غيرها. إذا كان لديك ما تعطيهم إياه فسوف يوافقون على أي مبادرة أو خريطة طريق، وإذا لم يحدث ذلك سيعرقلونها“.

بنود تهدّد الاتفاق

ولم ينهِ نشر البعثة الأممية بنود الاتفاق حالة الجدل التي أثارها إعلان توقيع أعضاء الاجتماع المصغر مسوّدته الأولى في 20 آب/ أغسطس 2026، لكنه حوّل اتجاه هذا الجدل نحو بنود محددة احتواها الاتفاق.

ويحدد الاتفاق مدةً لا تتجاوز 24 شهراً لإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية في ظل سلطة تنفيذية واحدة ومؤسسات وطنية موحدة، وتمنح مادته الخامسة مجلسي النواب والدولة مهلة شهر من يوم توقيعه للمصادقة، وتحدّد آليةً بديلةً غير واضحة المعالم، حال فشلهما.

لا ينكر أبو بريق تحمّل مجلس النواب ومجلس الدولة مسؤولية الانسداد الراهن، غير أنه يلفت إلى وجود “خلافات دستورية وقانونية حقيقية”، مشدّداً على أنّ معالجة هذا التعطيل “لا ينبغي أن تكون بتجاوز المؤسسات أو وضعها أمام مهلة شهر ثم الانتقال إلى مسار آخر

لكن هذه المادة لا تثير حفيظة العبدلي الذي يتهم المجلسين بالرغبة في البقاء في السلطة أطول وقت ممكن، مستطرداً: “المجلسان معروفان بعدم الاتفاق، ومعهما تسير أي خريطة طريق نحو طريق مسدود، فهما لا يتعاطيان بمرونة ولا يهتمان سوى بمصالحهما وامتيازتهما وبقائهما في السلطة“.

وبينما لا ينكر أبو بريق تحمّل المجلسين مسؤولية الانسداد الراهن، خاصةً في ملفَّي مفوضية الانتخابات والقوانين الانتخابية، يلفت إلى وجود “خلافات دستورية وقانونية حقيقية لا مجرد رغبة في التعطيل”، ويذهب إلى أنّ معالجة هذا التعطيل “لا ينبغي أن تكون بتجاوز المؤسسات أو وضعها أمام مهلة شهر ثم الانتقال إلى مسار آخر“.

من بين المواد الأخرى المثيرة للجدل سماح الاتفاق للعسكريين ومزدوجي الجنسية بالترشّح في الانتخابات الرئاسية، وهو ما تسبّب في تعذّر إجراء الانتخابات عام 2021، وإن كان الاتفاق يشترط على الفائز تخلّيه عن جنسيته غير الليبية، ويقيّد ترشّح العسكريين بضوابط تضمن حياد المؤسسة العسكرية، دون أن يحددها.

ويرى أبو بريق أنّ حق الترشّح يجب ألا يصاغ بطريقة تُفصّل الانتخابات على أشخاص بعينهم، وإنما وفق قواعد عامة تنطبق على الجميع. ويضيف: “إذا كان الاتفاق يفتح باب الترشح للعسكريين ومزدوجي الجنسية مع ضمانات واضحة، فإنّ مجلس الدولة سيناقش إن كانت هذه الضمانات كافيةً فعلاً لحماية حياد المؤسسة العسكرية والسيادة الوطنية، كما سيقيّم دستورية النص وآثاره السياسية والقانونية“.

بدوره، يضيف محفوظ إلى قائمة المواد المثيرة للجدل، المادة الرابعة التي تحدّد 24 شهراً لإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية في ظل سلطة تنفيذية واحدة ومؤسسات موحدة، مع نصّها على عمل الأطراف الموقعة مع بعثة الأمم المتحدة لإيجاد الآلية المثلى لإجراء الاستحقاق حال تعثر ذلك.

ويحذّر محفوظ من أنّ هذا النص يعطي شرعيةً لمرحلة انتقالية جديدة بقيادة أجسام أخرى لمدة سنتين، وفي رأيه فإنّ الاتفاق خلا من أي “ضمانات حقيقية للالتزام بما ورد فيه”، كما لم ينصّ على انتهاء شرعية الأجسام الجديدة التي تتأسّس بناءً على هذا الاتفاق حال تعذّر إجراء الانتخابات.

وتعترض العديد من الأحزاب الليبية على اعتماد الاتفاق القانون رقم 10 لسنة 2014، الذي يحرم الأحزاب من المشاركة في الانتخابات عبر صيغة القوائم ويسمح لأعضائها بالترشّح كأفراد. ويشرح رئيس حزب الجبهة الوطنية، عبد الله الرفادي، موقف حزبه الرافض قائلاً: “اختزال المشهد السياسي في تفاهمات بين عدد محدود من الأفراد، أو التعامل مع طرفين، باعتبارهما وحدهما صاحبَي الحق في تقرير مستقبل البلاد”، عادّاً أنّ الاتفاق يحدّ من قدرة الأحزاب على خوض الاستحقاقات الانتخابية، ويتعارض مع جوهر التعددية السياسية.

ويقول الرفادي، لرصيف22، إنّ المسألة تجاوزت مشاركة الأحزاب إلى “التدخّل في الشأن الوطني ومحاولة فرض حلول تتعارض مع مصالح الشعب الليبي“.

عقبات” في الطريق

ولم يقف رئيس المجلس الرئاسي، محمد المنفي، عند حدود امتناعه عن حضور مراسم توقيع اتفاق “4+4” وأصدر مرسوماً رئاسياً بإعادة تسمية عماد السايح رئيساً لمجلس مفوضية الانتخابات، بما يخالف توصية الاجتماع المصغر بتسمية ضو عطية للمنصب.

وفجّر مرسوم المنفي خلافاً جديداً مع عضو المجلس، موسى الكوني، الذي حضر مراسم الاتفاق، ورأى أنّ المرسوم ينشئ “مساراً منفرداً ومضاداً”، ويهدّد بإدخال المفوضية في نزاع جديد حول شرعية تشكيلها. وطالب الكوني رئيس المجلس الرئاسي بسحب مرسومِه، مهدداً باتخاذ إجراءات سياسية وقانونية وقضائية لوقف ما وصفه بـ”التجاوز” ومنع ترتيب أي أثر عليه.

سرعان ما اشتبك المنفي مع “حكومة الوحدة” على خلفية إقرار وزير الدولة للاتصال وممثل الحكومة في اتفاق “4+4″، وليد اللافي، في تصريحات تلفزيونية، بأن “الحكومة فقدت الشرعية وباتت سلطة أمر واقع”. وطالب المنفي رئيس الحكومة، الدبيبة، بتحديد موقفه الرسمي إزاء تصريحات اللافي، عادّاً أنها “تطرح سؤالاً جوهرياً عن حقيقة الموقف داخل الحكومة، وعن الأساس الذي تستند إليه في ممارسة سلطاتها“.

بين من يرى مصيره كما سابقَيه “العرقلة”، ومن يأمل في أن يكون “خطوةً إلى الأمام” تُنهي الجمود السياسي في البلاد… أي مصير لاتفاق “الاجتماع المصغّر” في ليبيا؟

ليبيا إلى أين؟

وسط هذا اللغط، يقول العبدلي إنّ اتفاق الاجتماع المصغر “ليس حلاً مثالياً”، لكنه “خطوة إلى الأمام” تكسر حالة الجمود الراهنة، وعلى عكس كثيرين، لا يرى في اقتصار أطراف الاتفاق على عدد محدود عيباً، بل نقطة قوة إذ إنّ هذه الأطراف هي التي تسيطر على الأرض وتملك السلطة والسلاح.

ويراهن العبدلي على قدرة “القيادة العامة” على ممارسة نفوذها على مجلس النواب، وبالمثل يتوقّع أن تضغط “حكومة الوحدة” على مجلس الدولة، ويذهب أبعد بتأكيده على تمرير الاتفاق حتى إن رفض المجلسان المصادقة عليه عبر اعتماده من لجنة حوار موسعة أو توسيع لجنة الاجتماع المصغر ومن ثم إحالته إلى مجلس الأمن كي يحظى بشرعية دولية.

في المقابل، يتوقّع محفوظ سيناريو أكثر تشاؤماً إذ يرى أنّ الاتفاق لا ينبئ بجديد، مثله مثل اتفاقَي الصخيرات وجنيف: “حديث عن الذهاب إلى الانتخابات لكن دون ضمانات، والنتيجة واحدة… العرقلة”. وفي رأيه، المسألة لا تتعلّق باتفاقات أو توقيعات وإنما بـ”نوايا غير موجودة لدى أطراف في السلطة مع غياب الضغط الدولي الواضح والحقيقي بغض النظر عن التصريحات المعلنة”. ويختم بأنّ “كثيرين في السلطة لا يرون الانتخابات هدفاً لهم؛ فالرهان على انتخابات غير معلومة النتائج يظلّ بالنسبة لهم تحدّياً غير مرغوب فيه“.

___________