د. مصطفى التير

رابعاً: تأملات حول المستقبل: رؤية لمشروعٍ توحيدي وإصلاحي

لم يتوقع الذين قاموا بالانتفاضة، أو الذين أيدوها من بعيد، أن حال الفوضى التي عليها البلاد الآن، هي النتيجة التي سيصل إليها الوضع بعد سنوات من رحيل القذافي.

فهم، وخصوصاً الشباب المتحمس والمتفائل، تصوروا أن الديمقراطية وقيام الدولة المدنية وتوطين حقوق الإنسان، أهداف ستحقق فور غياب القذافي عن المسرح السياسي الليبي.

لم يتمكن هؤلاء، وخصوصاً أثناء تزاحم وتسارع الأحداث خلال الحرب التي طالت، ودافع فيها القذافي مستميتاً للمحافظة على مبدأ «نحكمكم أو نقتلكم»، أن يروا ما كان يجري وراء الكواليس من قبل بعض قادة الميليشيات التي شاركت في الحرب على الأرض، ولم يتوقعوا أن يكون لرؤساء الدول، الذين شاركت قواتهم الجوية في الحرب، أو قدموا المساعدات الإنسانية واعتنوا بالجرحى، غير حسن النوايا ومد يد العون، ليتمكن شعب مغلوب على أمره من التخلص من دكتاتور جثم على أنفاسه مدة تجاوزت الأربعة عقود.

كما لم يكونوا على علم بترتيبات السياسة الأمريكية تجاه مع ما يشار إليه بالإسلام المعتدل، وعلاقة هذه الترتيبات بالحرب التي تشنها الولايات المتحدة وآخرون على الإرهاب.

لم يقبل معظم قادة الميليشيات بفكرة العودة إلى سابق أعمالهم، أو الانضمام إلى القوات المسلحة أو الأجهزة الأمنية، وخصوصاً أن أطرافاً في «المجلس الوطني» شجعت بقاء الميليشيات بدعوى المحافظة على الأمن.

لذلك لم تجد دعوات بعض من تولى تسيير الأمور في الحكومتين الانتقالية والموقتة إلى حل الميليشيات ودمجها في الجيش والشرطة، آذاناً صاغية.

إنّ الأغلبية العظمى من الذين تولوا قيادة الميليشيات لم تكن لهم خبرة عسكرية؛ كانوا من بين أفراد الشعب المدنيين، لذلك لم يكن مستغرباً أن يزهو بعضهم باللقب العسكري الذي حصلوا عليه من دون الانتساب إلى كلية عسكرية، أو الخضوع لامتحانات ترقية ليتدرج ضمن سلسلة الرتب العسكرية. كما زوده المركز الجديد بعناصر قوة مادية ومعنوية، فتمسك بما حصل عليه.

كان لآخرين أهداف أبعد من هذه؛ فقادة بعض الجماعات الإسلامية كانوا يرغبون الاحتفاظ بمراكزهم لتمكين جماعاتهم من التمركز في المواقع الحكومية المهمة. وهؤلاء هم جماعات الإسلام السياسي المعتدل المدعوم من الغرب.

ثم هناك الجماعات الإسلامية المرتبطة بالفكر التكفيري، ويعلنون – بكل وضوح – أن الدولة المدنية دولة كافرة، ويعملون لقيام الدولة الإسلامية أي دولة الخلافة. وهؤلاء ليسوا جماعة واحدة، وإن تبنوا الهدف نفسه؛ فمنهم أنصار الشريعة، ومجلس شورى شباب درنة، وجماعة تحكيم الدين، والقاعدة، وداعش.

إلى جانب أسباب تمسك قادة الميليشيات بمراكزهم، التي وردت آنفاً، يذكر رئيس وزراء «المجلس الانتقالي» معارضة قطر حل الميليشيات وجمع السلاح‏. وكذلك الدور الذي كانت تؤدّيه قطر في دعم الانتفاضة.

لا بد من أن هذا الموقف القطري كان قد وصل إلى القادة الذين عارضوا قرار حل الميليشيات، وخصوصاً أن المسؤولين القطريين، الذين تولوا مهمة التنسيق مع المنتفضين الليبيين، كانوا يتصلون مباشرة بمختلف الأطراف من دون الحاجة إلى التنسيق مع «المجلس الوطني الانتقالي»، ولا عبر أجهزة الحكومة خلال مرحلة الحكومات المتعاقبة ذات التسميات المتعددة.

ولا بد من التأكيد أن قطر ليست وحدها التي كان لها اتصالات مباشرة مع الأطراف الليبية، وإنما دول أخرى قامت بالدور نفسه، ولها رجالها المحليون، ولها تأثيرها في مجريات الأحداث على الأرض. وتشمل القائمة دولاً عربية وإقليمية والدول العظمى.

فهل يمكن في هذا البحر متلاطم الأمواج من تدخلات أجنبية، وأجندات داخلية، وولاءات عائلية وعشائرية وقبلية، اقتراح خطة طريق لتوحيد الصف الليبي ضمن دولة عصرية تهتم بتحقيق العدل والمساواة، وتعمل على نشر قيم الديمقراطية، وتضع خططاً لتنمية اجتماعية واقتصادية؟

بالطبع اقتراح تصور يعكس التمنيات الطيبة، أو نموذجاً مثالياً، أمر ممكن وسهل، لكن ما تحتاج إليه ليبيا هو تصور واقعي يمكن تنفيذه فعـلاً بعيداً من التمنيات.

وفي هذه الحال، لا بد أولاً، من توافر حد أدنى من مؤشرات الاستقرار التي يمكن أن ترتكز على ما يلي:

1 – وصول مشروع الحوار الذي ترعاه الأمم المتحدة منذ 29/9/2014 إلى حكومة توافق مبنية على الكفاءة وليس على سلطة الميليشيات والمساومات الجهوية.

2 – استمرار رعاية الأمم المتحدة مشروع حكومة التوافق، وتقديم الدعم اللوجستي الذي يمكِّنها من مزاولة أعمالها في مدينة ليبية قد لا تكون طرابلس.

3 – اتفاق الميليشيات التي تؤيد قيام حكومة مدنية، وكذلك الحوار، وتقبل بنتائج صندوق الانتخابات، على خطة طريق توضح الكيفية التي ستزاول بها أنشطتها.

4 – استصدار قرار من مجلس الأمن ينهي تدخل الحكومات الأجنبية في الشأن الليبي، ويتضمن بياناً واضحاً بشأن العقوبات التي ستطبق على الحكومة التي تخالف القرار.

5 – استصدار قرار من مجلس الأمن يحدد بوضوح الأفعال التي تعتبر معرقلة عمل حكومة التوافق، وتحديد العقوبات التي ستصدر ضد مرتكب تلك الأفعال، وبيان آلية توضح الخطوات التي تتخذ لتطبيقها.

وفي حال توافر الشروط السابقة، عندئذ، يجب أن تتضمن حكومة التوافق وزارة تختص بالمصالحة الوطنية وتنفيذ العدالة الانتقالية، وتكون وزارة سيادية، وتخصص لها أكبر الميزانيات، إذ ستتولى هذه الوزارة مسؤولية إعادة بناء لحمة وطنية مزقتها الحروب والنزاعات السياسية والتجاذبات القبلية.

ويفترض أن ينقسم جهاز الإدارة إلى قسمين؛ قسم إداري وقسم فني. يراعى في موظفي الجهاز الإداري التعليم والخبرة، ويوجه منذ البداية لتسهيل عمل الجهاز الفني الذي يتألف من خبراء في مجال العلوم الاجتماعية، وخصوصاً المتخصصين في علوم النفس والاجتماع والأنثروبولوجيا والسياسة والاقتصاد والإدارة والقانون والتاريخ، إلى جانب فريق من رجال الدين الذين يحملون أفكاراً معتدلة.

ويُقسم الجهاز الفني إلى فرق عمل يوكل إليها إعداد تقارير مبنية على أنشطة بحثية، تتضمن خطط عمل في مختلف المجالات التي لها علاقة بإعادة بناء اللحمة الوطنية، منها :

1 – تنظيم العلاقة بين الشأنين الديني والمدني، بما يضمن إغلاق أبواب التسلّط على الآخر باسم الدين أو باسم أيديولوجيا معينة.

2 – تنظيم العلاقة بالسلاح بحيث تنحصر حيازته في الأجهزة الرسمية، وإعادة تأهيل أعضاء الميليشيات.

3 – معالجة قوانين الإقصاء التي وجدت قبل 17 شباط/فبراير، والتي سُنّت بعد هذا التاريخ.

4 – معالجة المظالم التي وقعت أثناء حكم القذافي، والتي وقعت بعد 17 شباط/فبراير على مستوى الأفراد، ومستوى الجماعات الكبيرة.

5 – معالجة مشكلة مركزية الإدارة، والاهتمام بتوزيع المسؤوليات بين جميع أجزاء البلاد.

6 – تنظيم معايير الأداء والمراقبة لضمان حسن القيام بالواجبات والتمتع بحقوق المواطنة، وتأكيد تطبيق مبدأ الشفافية على مختلف المستويات.

7 – وضع معايير لتنظيم أنشطة المجتمع المدني بما يضمن دعمه مشروع التحول الديمقراطي، واعتماده على الموارد المحلية المالية والبشرية، وسد مصادر الاختراقات الأجنبية.

8 – وضع معايير للنشاط الحزبي تراعي الأهداف، وعدد المنتسبين وكيفية الأداء، بحيث تتفادى الفوضى السائدة الآن.

9 – وضع برامج لنشر ثقافة الديمقراطية، ومعالجة عوامل التقوقع المبني على القبلية أو الخلفية الإثنية، وعوامل الإقصاء الاجتماعي.

وفي الختام

وفي ضوء التطورات التي حدثت خلال خمس سنوات من عمر الانتفاضة الليبية، يمكن إثارة عدد آخر من الأسئلة تختلف من التي اعتمدت عليها الصفحات السابقة مثل:

هل ما تزال الظروف تسمح بالعودة إلى كيان سياسي اسمه ليبيا؟ أم أن المشهد الأقرب إلى الواقعية هو مشهد التقسيم؟

وهو مشهد يبدو أنه يتوافق من ناحية، مع ما يُخطط له للمنطقة العربية، ومن ناحية أخرى يلقى هوى عند بعض القيادات الجديدة، التي ترغب المحافظة على المكاسب التي حصلت عليها بعض المدن والكيانات من دون التفكير في وطن.

وفي حال التقسيم، هل سيجري على حدود الولايات تماماً كما كان، حين كان النظام السياسي فدرالياً؟ أم أن 17 شباط/فبراير وتداعياتها أحدثت تغييرات مهمة على مستوى التحالفات القبلية والتوزيعات الإثنية، ستفرض تصوراً جديداً؟

فعلى مستوى التحالفات القبلية يبدو أن تحالفات جديدة قد تطورت بسبب الانحياز الأيديولوجي على حساب التاريخ.

أما التغيير على مستوى الخلفيات الإثنية، فقد أصبح الجنوب الليبي من حيث خصائص السكان مختلفة عمّا كانت عليه الحال قبل انطلاق الانتفاضة. أصبحت الحدود الجنوبية – منذ انتفاضة 17 شباط/فبراير – مفتوحة، وتحت سيطرة الميليشيات التي تخصص بعضها في أعمال التهريب على مختلف أنواعه، ما دفع إلى قيام حركة انتقال واسعة لسكان أفريقيا جنوب الصحراء، باتجاه الشمال، غيّر في نسب التوزيع الإثني للسكان.

وقد يقود هذا الوضع؛ إما إلى انسلاخ أجزاء من ليبيا وانضمامها إلى الدول جنوب الصحراء، وإمّا إلى التفكير في كيانات جديدة تتمتع بنوع من الاستقلال الذاتي.

ثم، وعلى الجانب الآخر، ماذا عن موقع الطاقة مما يجري من تجاذبات؟

وهل ستكون عامل توحيد، بالنظر إلى الرغبة الشديدة لدى الغرب للحفاظ على مصالحه الحيوية؟

وفي هذه الحال، هل يمكن أن يتم هذا من دون تدخل عسكري؟ وهل يمكن أن يحدث تدخل بلا وفاق دولي؟

وأخيراً، أصبحت البلاد مصدر قلق للفضاء الأوروبي بخاصة، بسبب النمو السرطاني لكل من الهجرة غير الشرعية وداعش؛ فالهجرة غير الشرعية ومصدرها ليبيا، أعادت إلى الأذهان تهديد القذافي الذي قال فيه: «بإمكاني أن أجعل أوروبا سوداء».

أما داعش، فقد أصبحت قوة لا بد من أخذها في الحسبان عند التفكير في مستقبل ليبيا. وبناء على المعطيات المحلية والعربية، فإن المستقبل يحمل مزيداً من القوة لداعش وليس العكس.

وإذا ما بذلت محاولة للإجابة عن هذه الأسئلة، آخذة في الحسبان الظروف الحالية، سيبدو أن المشهد الأكثر احتمالاً لن يكون في اتجاه إعادة كيان سياسي اسمه ليبيا، ولا أن يبقى «الربيع العربي» وصفاً مناسباً للحراك الاجتماعي الذي بدأ في السابع عشر من شباط/فبراير 2011.

___________