د. مصطفى التير

أولاً: ليبيا أثناء حكم القذافي: بَدْوَنة الدولة

لا شك في أن سكنى البادية نمط من أنماط الاستقرار البشري له خصائصه وظروفه. وهو نمط عرفته مختلف المجتمعات البشرية خلال مراحل من تاريخها. وكان البدو، باستمرار، أحد أهم مكونات ليبيا السكانية.

ومع أن سكنى المدينة هو نمط الاستقرار السائد الآن، إلا أن نسبة كبيرة من الليبيين لا يزالون يحملون بعض خصائص حياة البادية أو الريف. وتنعكس هذه في مظاهر سلوكية كثيرة؛ لن نستعرضها، بل سنسلط الضوء على صفة واحدة وهي المرتبطة بالتنقل وتغيير المكان.

لا تسبب هذه الصفة مشكلة للفرد الذي يعيش في الصحراء سواء على مستوى تغيير المكان؛ فالصحراء فضاء مفتوح ومتسع، أو على مستوى السلوك؛ فالأنماط السلوكية المتاحة محدودة. والعلاقات مع الآخر هي الأخرى محدودة إذا ما قورنت بتلك التي يتيحها فضاء المدينة.

أمضى القذافي جزءاً من طفولته في البادية، فتأثرت شخصيته بخصائص وصفات تلك البيئة. وعندما انتقل إلى الإقامة في المدينة ليكمل تعليمه، وينتسب إلى الكلية العسكرية، تمسك ببعض تلك الصفات التي ظهرت واضحة بعد أن نجح في انقلابه العسكري، إذ رفع شعار «انتصرت الخيمة على القصر»، وحافظ على أن تكون له خيمة باستمرار.

أصر على نصب خيمته بجوار المنزل الحديث، وأن تكون الخيمة منصوبة في أي موقع يريد أن يمضي فيه بعض الوقت. كما أصر على اصطحابها في رحلاته الخارجية غير مبالٍ بالمتاعب التي يتسبب فيها هذا السلوك لآخرين.

ويفترض أن الذي يتجه إلى الإقامة في المدينة أن يترك نمط الإقامة القديم وراءه. لكن القذاقي اصطحب خيمته، كما أخذ معها ما يتصل بها من طرائق تفكير وأنماط سلوك.

ذكرنا أن خصائص الثقافة البدوية تتطلب فراغاً مفتوحاً، بينما الفراغ الذي توفره المدينة للفرد محدود. فخاصية التنقل بحرية، في فراغ البادية الواسع، لا تتعارض وموجودات الصحراء.

لكن عندما يحمل الفرد هذه الخاصية معه إلى المدينة، ستقود تصرفاته إلى أشياء تتعارض وطبيعة حياة الاستقرار الحضري. ستظهر صفة التغيير في مختلف المناسبات والمواقف.

وعليه إذا ما دعت الظروف ليغيِّر طبيعة إقامته، فانتقل إلى الإقامة في المدينة، ستظهر خاصية التغيير في مجالات كثيرة كتغيير طبيعة العمل، وعدم الالتزام بالقواعد التي تتطلبها حياة الاستقرار. وعليه إذا تولى تسيير إدارة مكتب أو مؤسسة سيعمل في اتجاه كثرة المقترحات المؤدية إلى التغيير في التعليمات الإدارية والقواعد وحتى القوانين.

وهو أمر يهدد استمرارية المؤسسة، التي هي عصب النظام في المجتمع الحديث. ثم إنه أمر يهدد استمرارية مأسسة العلاقات الاجتماعية التي تتصدر خصائص المجتمع الحديث.

فمن شروط استمرار الحياة في المجتمع الحديث أن تمر المهام والعلاقات ومختلف أشكال التفاعل الاجتماعي عبر مؤسسات لها قواعد وقوانين وترتيبات، يلتزم بها جميع من لهم علاقة بكل مؤسسة خلال مرحلة زمنية أو تاريخية معينة. وبالطبع يزداد الأمر تعقيداً إذا تولى من أراد الاحتفاظ بنمط البدونة تسيير شؤون دولة، وكان في نفس الوقت دكتاتوراً، لا يقبل الاعتراض على آرائه، لا بل حتى مناقشتها، وهذا هو الذي حدث في حالة المجتمع الليبي.

كان سلوك القذافي، خلال طوال حكمه، مثالاً جيداً لحالة البدونة هذه. ظهر هذا بوضوح بعد خطاب زوارة عندما قرر إلغاء القوانين، وإلغاء الإدارة التقليدية واستبدالها بلجان شعبية تتولى تسيير الأمور من دون علامات واضحة.

اتخذ ذلك القرار من دون أن يستشير أحداً، حتى زملاءه أعضاء «مجلس قيادة الثورة». ودخلت البلاد، منذ ذلك التاريخ، في فوضى إدارية وفوضى سياسية. عندما قام بانقلابه، كانت ليبيا مقسمة إدارياً إلى 10 محافظات يتبعها عدد من البلديات. استمر هذا الوضع حتى سنة 1975 عندما أجري تعديل على النظام الإداري ألغي بموجبه نظام المحافظات، وانقسمت ليبيا إلى 46 بلدية، وبعد خمس سنوات تقلصت إلى 25، ثم بعد ست سنوات انخفضت إلى 13 بلدية، وبعد أربع سنوات إلى 7 بلديات فقط.

ثم اقترح نظاماً جديداً سماه الشعبيات التي تعرضت هي الأخرى، من حيث العدد، للتمدد والتقلص. واستمرت سياسة التغيير الإداري من دون التفكير في حالة الفوضى التي تسببت فيها هذه السياسة.

الشيء نفسه حدث في السياسة الخارجية؛ فمن إلغاء النظام الدولي للتبادل الدبلوماسي، الذي أربك العلاقات مع بقية دول العالم، إلى برنامج الاتحاد مع دول أخرى، الذي بدأ بالبلدان العربية، ثم تمدد بحيث شمل القارة الأفريقية بأكملها، وهو برنامج لم ينجح إلا في فتح أبواب واسعة أمام تبديد الثروة.

ثانياً: انتفاضة 17 شباط/فبراير: الأسباب، المسيرة، والتداعيات

أكدت الكتابات التي أرّخت لانتفاضة 17 شباط/فبراير أن الشباب هم الذين أخذوا بزمام المبادرة، وخصوصاً تلك الفئة النشطة في مجال وسائل الاتصال الاجتماعي‏.

إلا أنه لا بد من التأكيد أن الدعم المبكر الذي جاء من رجال القضاء والمحامين المعتصمين في مدينة بنغازي، ساهم في توسيع مجال المشاركة، بحيث انْضمَّت أعداد من المثقفين والأكاديميين والإعلاميين، وأعطي هذا التحرك الشبابي بُعد أعمق.

كان أمراً متوقعاً أن يكون رد فعل النظام عنيفاً في بلد لا يعرف إلا تظاهرات التأييد للقذافي وثورته. ثم إن انطلاق نشاط «الربيع العربي» قبل الموعد الذي اتفق عليه شباب شبكات التواصل الاجتماعي، ساهم في رفع سقف المطالب، ليصبح: «الشعب يريد تغيير النظام» انسجاماً مع المطالب التي رفعت في كل من تونس ومصر‏.

لم يتوقع القذافي، الذي حكم البلاد بيد من حديد، أن يأتي اليوم الذي يسمع فيه مثل هذه الصرخة في الشارع الليبي. لذلك، وفي غياب الجيش، أمر كتائبه الأمنية بالتعامل بقوة لمنع طلائع المتظاهرين في المدينة التي شهدت انطلاق الانتفاضة. وبدلاً من أن تقضي القوة المفرطة على بداية التحرك الشعبي، انتشرت التظاهرات الغاضبة، لتعم المدن وقرى البلاد من أقصاها إلى أقصاها.

وانْضمَّ إلى الشباب، الذي لم يكن مسلحاً، آخرون من الناقمين على النظام من مختلف شرائح الشعب بمن فيهم الشرطة وبقايا رجال الجيش. بدا المشهد خلال الأسبوع الأول من الانتفاضة، التي أطلق عليها أصحابها ثورة 17 شباط/فبراير، وكأن ليبيا في طريقها إلى اللحاق بحالتي تونس ومصر، وخصوصاً أن مظاهر النظام كمؤسسات أحرقت، وأشخاص إما هربوا، وإما انسحبوا، وإما انْضمّوا إلى المتظاهرين، وظهر ما يعرف بالمدن المحررة.

لكن القذافي أصر على سحق المنتفضين؛ فأمر كتائبه الأمنية باستخدام جميع أشكال القوة، مما أدى ألى ارتكاب أفعال تتعارض مع أبسط حقوق الإنسان.

نجح شباب التواصل الاجتماعي، وبمساندة قناة «الجزيرة»، التي سارعت إلى نقل طواقمها من ميدان التحرير بالقاهرة إلى ساحة الحرية في بنغازي، في نشر صور الفظائع التي ارتكبتها الكتائب الأمنية، مما أثار موجة عارمة من الغضب على المستويين الإقليمي والعالمي، قادت في النهاية إلى تدخل القوات الدولية تحت مظلة حماية المدنيين. اقتصر دور التدخل العسكري الدولي على توجيه الضربات الجوية، وتولت الميليشيات المسلحة المحلية مهمة الحرب على الأرض.

رفع شباب الانتفاضة، ذكوراً وإناثاً، ومن انْضمّ إليهم من كبار السن، الشعارات التي أشير إليها آنفاً. انتشرت تلك الشعارات بين جميع المنتفضين بغض النظر عن أماكن تواجدهم.

لكن، وقبل أن يمر وقت طويل بعد سقوط النظام، تبخرت هذه الشعارات، لتحل محلها أفعال تعبر عن الولاء القبلي، وتعيد إلى الأذهان عداوات أكل عليها الدهر وشرب، ومستبدِلة قيم الديمقراطية التي تحترم الاختلاف بأخرى تتعصب للرأي الذي تؤمن به فرقة معينة بحكم انتمائها إلى جماعة إسلامية متطرفة، أو لأيديولوجيا بعينها، معلنة، بكل وضوح، أن لا مكان لصاحب الرأي المخالف الذي عليه أن يفر بجلده، أو يواجه الموت المنفذ بعدة وسائل من بينها الذبح على طريقة ذبح الخراف.

وضع «المجلس الوطني الانتقالي» الموقت خريطة طريق، عنوانها بناء الدولة المدنية الديمقراطية، تنجز ضمن مراحل، تبدأ بتنصيب حكومة انتقالية يكون من مهامها وضع قوانين ضرورية، تشمل قانوناً لتنظيم الأحزاب السياسية، وآخر للمجتمع المدني، وثالثاً خاصاً بتنظيم انتخاب مجلس تشريعي يسمى: «المؤتمر الوطني العام»، يبدأ مهامه باختيار حكومة موقتة، وقانون لاختيار لجنة لصياغة دستور؛ وهو أمر افتقدته ليبيا منذ اليوم الأول من انقلاب ما أصبح يعرف بثورة الفاتح من سبتمبر.

أنجزت الخطوات الأولى من خريطة الطريق، وتألفت الحكومة الانتقالية ثم الحكومة المؤقتة. تضمنت الحكومتان حقيبتي الدفاع والداخلية، ويفترض أن تكون المهمة الأولى للذين سيشغلون هذه الحقائب بناء الجيش والشرطة.

ولكن الجميع فشل في إنجاز هذه المهمة، لأن الميليشيات وقفت ضد تحقيقها، وخصوصاً أن بعض من حصل على حقيبة وزارية، حصل عليها ليس لتمايزه وخبرته في مجال عمله، ولكن لقيادته ميليشيا قوية.

وهكذا فرضت الميليشيات سيطرتها على المشهد الليبي، وانحصر نشاط الحكومة، وكذلك «المؤتمر الوطني العام» في تنفيذ رغبات زعماء الميليشيات التي كانت في بعض الأحيان متناقضة، ومتعارضة مع قواعد المنطق والعقل، ودخلت البلاد في حال من الفوضى العارمة، مما شجع بعض المراقبين على وصف ليبيا بالدولة الفاشلة‏، تمهيداً للوصول إلى حالة اللادولة.

يتبع

_____________