زايد هدية 

حجم الفاتورة الكبير الذي تدفعه الدولة في بلد مثقل بالأزمات الاقتصادية دفع حكومة “الوحدة الوطنية” في طرابلس إلى التحرك.

أنفقت وزارة الخارجية والجهات التابعة لها نحو 3.85 مليار دينار خلال عام 2025، بما يعادل قرابة 2.8 في المئة من إجمال الإنفاق العام، في وقت تتزايد الضغوط على الدينار والنقد الأجنبي. فهل تتناسب كلفة التمثيل الخارجي مع ما تحققه ليبيا من مصالح سياسية واقتصادية؟

أسهم الانقسام السياسي والفساد وضعف العيون الرقابية في ضياع مليارات الدنانير في ليبيا كل عام خلال العقد ونصف العقد الماضيين بطرق وأسباب مختلفة، جزء منها يذهب هباءً تحت بند الدبلوماسية، في صورة رواتب وبدلات ومقار وتشغيل وملحقين وعمالة محلية، موزعة على شبكة واسعة من السفارات والقنصليات والبعثات.

وبينما يعاني الليبيون أثر تراجع قيمة الدينار وارتفاع الأسعار وتردي بعض الخدمات، تكشف الأرقام الرسمية عن أن فاتورة التمثيل الخارجي تحولت إلى بند ثقيل في حسابات دولة تعتمد بصورة شبه كاملة على النفط لتوفير النقد الأجنبي، وتشهد طلباً متزايداً عليه في الأعوام الأخيرة.

شبكة مترامية

أظهرت تقارير ديوان المحاسبة في العامين الأخيرين أن عدد السفارات والقنصليات والبعثات الدبلوماسية الليبية في الخارج ارتفع إلى 150 بعثة مقابل 138 بعثة عام 2018، في مؤشر إلى اتساع شبكة التمثيل الخارجي.

لم تكن المشكلة في عدد المقار وحده، بل في حجم الكادر العامل فيها، فبحسب تقرير ديوان المحاسبة عن عام 2024، بلغ عدد الدبلوماسيين الليبيين العاملين في الخارج 2106 دبلوماسيين، مقابل 1923 عام 2023، بزيادة 183 موظفاً أو نحو 9.5 في المئة خلال عام واحد، وإلى جانبهم عمل نحو 1543 موظفاً من العمالة المحلية، ليتجاوز مجموع الدبلوماسيين والعمالة المحلية 3640 شخصاً.

مليارا دينار للرواتب

كان الأكثر إثارة للجدل والاهتمام في هذه التقارير هو حجم الأموال التي تستهلكها هذه الشبكة، فقد بلغت مخصصات الباب الأول للسفارات والبعثات الليبية لدى الخارج خلال 2024 نحو مليار و999.6 مليون دينار (314.4 مليون دولار).

ويعادل ذلك حسابياً أكثر من 166 مليون دينار شهرياً (نحو 26.1 مليون دولار)، ونحو 5.5 مليون دينار يومياً (نحو 865 ألف دولار)، قبل إضافة بقية نفقات تشغيل المقار والتنقل والمهام الدبلوماسية.

كذلك سلطت تقارير ديوان المحاسبة هذه، الضوء على مصروفات وزارة الخارجية والتعاون الدولي والجهات التابعة لها، لتكشف عن مصروفات أضخم وأرقام أكبر. فبيانات مصرف ليبيا المركزي تظهر أن إنفاق الوزارة والجهات التابعة بلغ 3.370 مليار دينار خلال 2024 (نحو 529.9 مليون دولار)، منها 2.070 مليار دينار للباب الأول الخاص بالرواتب (نحو 325.5 مليون دولار)، و779.1 مليون دينار للنفقات التسييرية (نحو 122.5 مليون دولار)، و520.8 مليون دينار للباب الثالث “التنمية” (نحو 81.9 مليون دولار).

في العام ذاته بلغ إجمال الإنفاق العام في ليبيا نحو 123.2 مليار دينار (نحو 19.37 مليار دولار)، وبذلك مثل إنفاق الخارجية والجهات التابعة لها نحو 2.74 في المئة من إجمال الإنفاق العام، بينما تعادل مخصصات رواتب السفارات والبعثات وحدها نحو 1.62 في المئة من كل ما أنفقته الدولة خلال العام ذاته.

فاتورة تتضخم

لم تتجه الأرقام إلى الانخفاض في العام التالي، إذ ارتفع إجمال إنفاق وزارة الخارجية والجهات التابعة لها خلال عام 2025 إلى نحو 3.850 مليار دينار (نحو 605.4 مليون دولار)، بزيادة تقارب 14.2 في المئة مقارنة بعام 2024.

وتوزع الإنفاق بين نحو 2.214 مليار دينار للرواتب (نحو 348.1 مليون دولار)، و709.5 مليون دينار للنفقات التسييرية (نحو 111.6 مليون دولار)، و926.2 مليون دينار للباب الثالث (نحو 145.6 مليون دولار).

ومع بلوغ إجمال الإنفاق العام للدولة نحو 136.8 مليار دينار (نحو 21.51 مليار دولار) في العام ذاته، استحوذت الخارجية والجهات التابعة لها على نحو 2.81 في المئة من الإنفاق العام، أي بمتوسط يزيد على 320 مليون دينار شهرياً (نحو 50.3 مليون دولار)، وهذه القيمة تخص الوزارة والجهات التابعة لها وليست السفارات وحدها.

نزيف العملة الصعبة

الصحافي الليبي أحمد الزروق يكشف عن جانب آخر يضغط به التمثيل الدبلوماسي المتوسع بشدة في الأعوام الأخيرة على خزانة الدولة بقوله، “العبء الحقيقي الذي تثقل به السفارات الليبية بالخارج كاهل الموازنة العامة كل عام لا يُقاس بالدينار وحده.

فالسفارات التي تعمل خارج حدود البلاد، مما يعني أن جانباً مهماً من الرواتب والإيجارات والتشغيل والسفر والمصروفات الأخرى يسدد بالعملات الأجنبية، ومن ثم يتحول هذا الإنفاق إلى طلب مباشر على الدولار واليورو، في اقتصاد يحتاج إلى النقد الأجنبي لتمويل الغذاء والدواء والوقود والسلع ومستلزمات الإنتاج“.

وهنا تعطي أرقام عام 2026 مؤشراً إضافياً على حجم الضغط، إذ أظهرت بيانات مصرف ليبيا المركزي أن رواتب العاملين بالخارج بلغت 60.8 مليون دولار خلال يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) الماضيين فقط، مقابل 38.3 مليون دولار في الفترة نفسها من عام 2025، أي بزيادة 22.5 مليون دولار ونحو 59 في المئة خلال عام.

وهذه القيمة تشمل العاملين بالخارج ولا تقتصر بالضرورة على أعضاء السلك الدبلوماسي، لكنها تكشف عن تسارع فاتورة الأموال التي تدفعها الدولة خارج حدودها.

الزروق يرى أن “القضية هنا وجود سفارات زائدة أو عشرات الموظفين الإضافيين، فكل دولار يخرج لتمويل إنفاق خارجي هو جزء من موارد نقد أجنبي تحتاج إليها البلاد، وكل تضخم غير ضروري في الإنفاق الجاري يعني، من زاوية الكلفة، أموالاً يمكن توجيهها إلى الصحة والتعليم والكهرباء والمياه والبنية التحتية والاستثمار المنتج“.

تقليص الشبكة

حجم الفاتورة الكبير الذي تدفعه الدولة للبعثات الدبلوماسية بالخارج، في بلد مثقل بالأزمات الاقتصادية، دفع حكومة “الوحدة الوطنية” في طرابلس إلى التحرك. ففي أبريل (نيسان) 2025 أعلنت إلغاء 25 بعثة دبلوماسية وضمها إلى سفارات وبعثات أخرى، قبل أن يتغير المسار لاحقاً.

وفي مايو (أيار) الماضي صدر القرار رقم 237، الذي اتجه إلى تقليص الملاك الوظيفي في 24 بعثة، محدداً 13 بعثة بثلاثة موظفين رسميين لكل منها، و11 بعثة بموظفين رسميين اثنين، مع تحديد سقف للعمالة المحلية، وإعادة الموظفين والملحقين الفائضين إلى الداخل.

وحتى هذا التقليص، بحسب الصحافي أحمد الزروق، “ستكون له كلفة أولية، تشمل تذاكر العودة والشحن ومستحقات نهاية خدمة بعض العمالة المحلية، مما يعني أن قياس التوفير الحقيقي لن يكون ممكناً إلا بعد تطبيق القرارات ومنع إعادة تضخم الملاكات مجدداً“.

ما المقابل؟

المحلل السياسي أكرم الشلماني يرى أن “المعضلة ليست في أن يكون لليبيا صوت في العالم، فالدبلوماسية ضرورة سيادية وليست ترفاً، وإنما في الثمن الذي تدفعه مقابل هذا الصوت، فدولة أنفقت وزارة خارجيتها والجهات التابعة لها نحو 3.85 مليار دينار في عام واحد (نحو 605.4 مليون دولار)، فيما تقترب مخصصات رواتب بعثاتها وحدها من ملياري دينار (نحو 314.5 مليون دولار)، تحتاج إلى ميزان واضح يقيس ما تحصل عليه مقابل كل دينار ودولار“.

وأضاف “الدبلوماسية الفاعلة لا تُقاس بعدد الأعلام المرفوعة فوق المباني ولا بعدد الموظفين الموفدين، بل بقدرتها على حماية المواطنين وجذب الاستثمار وفتح الأسواق وبناء النفوذ وتحقيق المصالح، ومن دون مراجعة تربط بقاء كل بعثة بحجم الجالية والمصالح والخدمات التي تقدمها، ستظل السفارات جزءاً من معضلة إنفاق أكبر“.

وأشار إلى أنه “إذا كانت المؤسسات الحاكمة في الدولة جادة في سعيها لخفض الإنفاق وإجراء إصلاحات اقتصادية، فلتبدأ من نفسها ولتعمل على خفض مصروفاتها وتبدأ بتقليص العاملين بالآلاف في السفارات بالخارج“.

_________