محمد شعبان

إفريقيا كساحة صراع جديدة ضد روسيا
في السنوات الأخيرة، تزايدت التقارير التي ترصد حضوراً أوكرانياً في دول عربية، بعضها يعاني من صراعات داخلية مثل السودان وليبيا، وأخرى أكثر استقراراً مثل موريتانيا، وذلك في سياق التنافس المستمر مع روسيا، ومحاولاتها ضرب المصالح الروسية في المنطقة أو وقف مصادر تمويل كانت تعتمد عليها موسكو في التغلّب على العقوبات الغربية المفروضة عليها.
ففي أيلول/ سبتمبر عام 2023، كشفت شبكة “سي أن أن” الأمريكية عن أن عناصر من القوات الخاصة الأوكرانية قدّمت دعماً عسكرياً للجيش السوداني في شن هجمات بطائرات مُسيَّرة ضد عناصر “فاغنر” التي تدعم قوات الدعم السريع. علماً بأن وجود “فاغنر” في السودان سمح لموسكو باستغلال الذهب السوداني في تمويل حربها على كييف وتخفيف آثار العقوبات الغربية على روسيا.
وفي نيسان/ أبريل 2026، ذكر مسؤولان ليبيان لوكالة “أسوشييتد برس” أن عسكريين أوكرانيين يعملون في غرب ليبيا للمساعدة في شن هجوم بطائرات مُسيرة على ناقلة الغاز الطبيعي المسال “أركتيك ميتا غاز” الروسية في البحر الأبيض المتوسط، لتحييد “أسطول الظل الروسي” الذي يساعد في تمويل الحرب ضد أوكرانيا.
ولم تكن نواكشوط بعيدة من خطط كييف للتنافس البعيد مع روسيا إذ أعلن الممثل الخاص لأوكرانيا لشؤون الشرق الأوسط وإفريقيا، مكسيم صبح، عن استعداد بلاده لتقديم تدريب عسكري للقوات المسلحة الموريتانية، إبّان تصاعد التوتر عبر الحدود الموريتانية المالية، وذلك ضمن إستراتيجية أوسع نطاقاً تهدف إلى تخفيف النفوذ الروسي في منطقة الساحل الإفريقي.
وأقرّ مسؤولون أوكرانيون، من بينهم أندريه يوسوف من مديرية الاستخبارات العسكرية الأوكرانية، بتقديم معلومات أو تدريب لمتمردي الطوارق، لا سيّما في مجال استخدام الطائرات المسيَّرة، لمواجهة القوات المدعومة من روسيا مثل مجموعة “فاغنر”، أو ما يُعرف الآن بـ”الفيلق الإفريقي”. ويُظهِر هذا التعاون اتساع نطاق انخراط أوكرانيا في منطقة الساحل، ويُبرز الأهمية المتزايدة لموريتانيا التي ترتبط بحدود مع مالي.
السؤال هنا
ما الذي تهدف إليه أوكرانيا من هذه التحرّكات في العمق العربي الإفريقي؟
“فاعل أمني تكنولوجي مبادر” في السودان
“تتجاوز التحرّكات الأوكرانية في السودان حاجز الدعم الدبلوماسي أو الاستشاري التقليدي، إلى الطابع العسكري العملياتي المباشر، عالي الكثافة التكنولوجية، من خلال نشر وحدات النخبة التابعة للاستخبارات العسكرية الأوكرانية، وتحديداً عناصر وحدة “تيمور” (Timur) الخاصة، التي نفّذت عمليات نوعية ضد الشركات الأمنية الروسية الداعمة لقوات الدعم السريع”، هذا ما يذكره الباحث السياسي السوداني، محمد مكي الطاهر.
ويضيف الطاهر، لرصيف22، أن القوات المسلحة السودانية تمكّنت بمساعدة هذا الدعم الفني والعملياتي الأوكراني من استعادة زمام المبادرة على جبهات عدة، خصوصاً بعدما شاركت أوكرانيا تكنولوجيا الحرب المتطورة من جبهات القتال في شرق أوروبا إلى السودان، وفي مقدمتها هندسة الطائرات المُسيرة الانتحارية من نوع (FPV) التي تمتاز بضرباتها الدقيقة، وكذلك عمليات التفخيخ التكتيكية المُعّقدة التي اتبعتها لقطع طرق الإمداد الإستراتيجية إلى قوات الدعم السريع.
ويعتقد الطاهر أن الأوكرانيين يستهدفون البنية الجيوسياسية والاقتصادية لروسيا في القارة الإفريقية وتحديداً في السودان عبر ثلاثة مستويات:
-
أولها تفكيك شبكات “فاغنر” أو الفيلق الإفريقي عبر رصد عناصرها وتحييدهم،
-
وثانيها قطع خطوط إمداد الذهب السوداني المستخرج من مناجم دارفور وحرمان اقتصاد الحرب الروسي من عوائد هذا المعدن النفيس.
-
أما الثالث، فيتمثّل في عرقلة الطموح البحري الروسي في البحر الأحمر وإحباط مساعي تفعيل الاتفاقية المبرمة لإنشاء قاعدة بحرية روسية في بورتسودان، بما يتناغم مع رغبة الغرب في منع الروس من موطئ قدم دائم على أحد أهم ممرات التجارة والملاحة العالمية.
وخلال سعيها إلى تحقيق هذه الأهداف، تقدم أوكرانيا نفسها كـ”فاعل أمني تكنولوجي مبادر” عبر تحالف مرن تتلاقى فيها مصالحها مع مصالح الجيش السوداني، والحديث لا يزال للطاهر الذي يُردف بأنها تعتمد في ذلك على وحدات نخبوية وتكتيكات منخفضة التكلفة طوّرتها استخباراتها العسكرية ذاتياً لإضعاف روسيا مالياً وأمنياً في الساحات الخارجية.
يعود المحلل السياسي السوداني إلى التأكيد على أن التحرّكات الأوكرانية في السودان تتقاطع مع مصالح الغرب الهادف إلى محاصرة التمدّد الروسي وحماية الملاحة الدولية، بما يسمح لأوكرانيا بالاستفادة من الغطاء السياسي والمعلومات الاستخباراتية والمظلة الدبلوماسية الغربية لتنفيذ إستراتيجيتها الخاصة.
بيد أن التحرّك الأوكراني لم يخل من تداعيات أمنية، أبرزها إطلاق جولات تسلّح تكنولوجي مضاد عبر سعي “الدعم السريع” إلى الحصول على مُسيَّرات هجومية وتقنيات مضادة متطوِّرة تحمل قذائف فتّاكة عبر بعض القنوات الإقليمية، وهو ما يهدّد بتحويل السودان إلى ساحة مفتوحة لاختبار الأسلحة غير التقليدية، كما يحذّر الطاهر.
وهو ينبّه في الوقت عينه إلى أن الخطورة الكبرى تكمن في ارتباط جبهات القتال الداخلية بحسابات ومصالح دولية عابرة للقارات، مما أسهم في إطالة أمد الحرب، بل وتحويلها إلى نظام اقتصادي ذاتي الاستدامة لشبكات التهريب الدولية وتجار السلاح، ومن ثم تجميد الحلول السياسية ومضاعفة الكُلفة الإنسانية الباهظة على الشعب السوداني.
“فاعل مستقل وشريك اقتصادي وأمني” في ليبيا
وفي ليبيا التي تعدّ ساحةً للتنافس الدولي والمصالح المتعارضة منذ بداية الصراع على السلطة فيها عقب إسقاط نظام القذافي عام 2011، فتحضر فيها أوكرانيا في سياق مساعيها إلى استهداف شبكة المصالح الروسية في شمال إفريقيا ونقل صراعها مع موسكو إلى جنوب البحر المتوسط.
وتشير تقارير دولية إلى تصاعد الحضور الأمني والعسكري في المناطق الخاضعة لسيطرة حكومة الوحدة الوطنية في غرب ليبيا، حسبما يذكر الباحث في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية، هشام قدري، في حديثه إلى رصيف22.
وهو يوضح أن الوجود الأوكراني في ليبيا لا يقتصر على الدعم الاستخباراتي والعسكري، بل يتعدّى ذلك إلى الوجود البشري والذي يقدّر بنحو ألفي عنصر يتواجدون في بعض المدن مثل الزاوية ومحيط العاصمة طرابلس، وذلك بهدف إضعاف قدرة موسكو على الوصول إلى الموارد الإستراتيجية التي تشكّل مصدراً لتمويل آلة الحرب ضد كييف.
ويلفت قدري إلي أنه ضمن خطة الاستنزاف الاقتصادي، يمثّل أسطول الظل الذي تعوِّل عليه موسكو في نقل وتصدير مواردها من النفط والغاز بغرض الالتفاف على العقوبات الغربية، أحد الأهداف التي تطمح كييف إلى استهدافها، سواء في منطقة البحر الأحمر أو في نطاق السواحل الإفريقية، بما فيها الليبية.
وبوجه عام، يرى الباحث في العلاقات الدولية أن “كييف تسعى إلى توظيف إفريقيا كساحة لبناء تحالفات جديدة، في إطار جهودها الرامية إلى نقل الحرب خارج الحدود الجغرافية لأوروبا ومواجهة الخطاب السياسي والإعلامي الروسي الموجهين ضدها“.
الأهم من ذلك، تحاول أوكرانيا تغيير الصورة النمطية التي تكوّنت عنها في أذهان الأفارقة كتابعة للغرب الأوروبي والأمريكي، وتقديم نفسها كفاعل مستقل وشريك اقتصادي وأمني موثوق به“.
مع ذلك، يستبعد قدري أن يُسهم النشاط الأوكراني في إفريقيا في حسم الصراع لمصلحة أي من الأطراف المتصارعين على السلطة في الدول التي نشطت فيها أخيراً لكنه سيُفضي إلى زيادة الانقسام السياسي والاضطرابات الأمنية.
ويعزو ذلك إلى عاملين رئيسيين، أولهما أن دعم كييف لا يزال محدوداً مقارنةً بالدعم الاقتصادي والعسكري الروسي، وثانيهما أن الدعم الأوكراني لا يستهدف تعزيز النفوذ السياسي والعسكري أو بناء شبكة مصالح على المدى البعيد، على غرار ما تفعل روسيا والقوى الكبرى، وإنما يستهدف فقط استنزاف روسيا في إفريقيا وتقويض مصالحها بهدف إنهاكها وإضعاف قدرتها على الوصول إلى الموارد الإستراتيجية التي تموِّل حربها ضد أوكرانيا.
يتفق مع هذا الرأي الباحث في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية علاء فاروق، الذي يقول لرصيف22 إن كييف تسعى من خلال وجودها في ليبيا إلى إحداث حالة توازن بين الحلفاء المحليين والدولتين المتحاربتين -روسيا وأوكرانيا- حيث دعمت حكومة الوحدة الوطنية في الغرب الليبي لضرب المصالح الروسية في الشرق، ونفّذت بالفعل ضربات للسفن الروسية في المياه الإقليمية الليبية.
ومع ذلك، يرى فاروق أن الحضور الأوكراني في ليبيا ضعيف ولا يمكن أن يؤثّر في خريطة الصراع السياسي، لا سيّما مع التغيّرات الأخيرة على العلاقة بين الأطراف المتصارعين ووجود مقترح أمريكي بتوحيد المؤسسات الليبية وتقاسم السلطة بين الشرق والغرب، وقرب انتهاء حالة الاقتتال بضغوط إقليمية ودولية وأممية، ومن ثم لا تبدو حاجة لإفساح المجال لأوكرانيا للتوغل أكثر من ذلك.
“منفذ سري” عبر موريتانيا
لا يختلف الوضع كثيراً في غرب إفريقيا إذ تنظر أوكرانيا إلى موريتانيا على أنها ربما تكون قاعدة عسكرية أو منفذ سري غير معلن للانفتاح على القارة السمراء، ومن ثمَّ تصدير الأسلحة ودعم بعض الجماعات والفصائل ضد الحكومات الموالية لموسكو، وذلك بسبب موقع موريتانيا الأكثر قرباً من المصالح الروسية في القارة، كما يقول فاروق.
ويتابع الباحث بأن أوكرانيا من خلال وجودها في موريتانيا وجّهت ضربات قوية لقوات “فاغنر” الداعمة للحكومة المالية، ما ترتب عليه قطع باماكو للعلاقات الدبلوماسية مع كييف.
وبرأيه، فإن الوجود الأوكراني في الساحل الإفريقي يهدف إلى توفير البديل لروسيا التي ترتبط بعلاقات تاريخية وإستراتيجية بدول المنطقة، وكذلك محاولة فض التحشيد الروسي لهذه الدول ضد أوكرانيا في المحافل الإقليمية أو الدولية أو حتى على مستوى الحكومات المحلية في القارة.
ويختم فاروق بأن أوكرانيا تستفيد في تحركاتها في كل من موريتانيا وليبيا من التوجّه الأمريكي الجديد الذي يركّز على إفريقيا لمواجهة النفوذ الروسي المتزايد فيها، مما يمنح كييف ظهيراً قوياً للتوغّل أكثر في القارة، إن أرادت، لكنه يستدرك بأن تراجع سمعة أوكرانيا بعد دعمها جماعات وفصائل متمردة كما في مالي، ربما يقوِّض مشروعها هذا.
مغازلة لأوروبا
من جهته، يشرح رئيس تحرير مركز الدراسات العربية الأوراسية، أحمد دهشان، لرصيف22، أن أوكرانيا لديها حوافز كثيرة للتوغل أكثر في القارة الإفريقية وعلى نحو خاص في كل من ليبيا وموريتانيا، ومن بينها مناكفة الوجود الروسي وملاحقته في مناطق النفوذ، وخصوصاً تلك التي أخرج فيها الروس الأوروبيين، كي تثبت للدول الأوروبية الداعمة لها أن ما تقدّمه لها يعود عليها بقيمة مضافة متعدّدة البعد، أبرزها أن تظل كييف حدّاً وحاجزاً يفصل بين أوروبا وروسيا سواء في شرق أوروبا أو في إفريقيا.
ويتابع دهشان بأن أوكرانيا تريد أيضاً تسويق أسلحتها التي تمكّنت من صنعها وتطويرها خلال الحرب مع روسيا، والتأكيد على أنها تمتلك تكنولوجيا عسكرية مُجرَّبة وتُستخدم في جبهات القتال حالياً، ومن ثم قابلة للتصدير، وهذا يمنحها ثقلاً ويضعف في نفس الوقت ثقة المستوردين في السلاح الروسي الذي تُعد إفريقيا سوقاً تقليدياً له.
في المقابل، يزيد هذا الحضور الأوكراني حالة الاستقطاب والصراعات والانقسامات الموجودة أصلاً ويطيل أمدها، بل ويحوِّل المنطقة إلى ما يشبه رقعة شطرنج للعبة كبرى، أكبر من المنطقة وسكانها ومن قدرات المتصارعين فيها.
هذا في حد ذاته يحمل دلالة مفادها أن الصراع الروسي الأوكراني، أو بالأحرى الصراع الروسي الأطلسي، خرج من نطاق أوكرانيا وبدأ يمتد إلى مناطق النفوذ الروسية، أو تلك المناطق التي يمكن لروسيا أن تخلق لنفسها نفوذاً في إفريقيا، حسبما يقول دهشان، الذي يضيف أن هذا معناه أن الطرفين توافقا على أن تكون إفريقيا هي الساحة وليس أوروبا لعدم توسيع الصراع فيها، وذلك مرده لسببين:
-
أولهما أن الأوروبيين لا يريدون ذلك،
-
وثانيهما أن الروس يدركون جيداً أن توسيع الصراع في الدائرة الأوروبية يستجلب تدخّل حلف الناتو وهو أمر تسعى موسكو إلى تجنّبه.
_________