عمر إبراهيم الحداد 

لم تكن الانتقادات الحادة التي وُجهت للمسؤولين في ليبيا خلال خطبة الجمعة للشيخ الزين العربي الدردير، في جامع الإمام القرافي في طرابلس، أوائل أغسطس الجاري -والتي لاقت تأييدًا كبيرًا- هي الأولى من نوعها؛

ففي خطبة من نوع آخر، وجَّه المبعوث الأممي السابق عبد الله باتيلي، ومن على منبر مجلس الأمن الدولي، شهادة قاسية بحق أولئك المسؤولين، قد ينطبق عليها القول الشائع: «ما لم يقل مالك في الخمر!».

لقد أثارت خطبة الشيخ الدردير تفاعلاً واسعًا لانتقاده الجريء لأداء المسؤولين في ليبيا وحرصه على طرح مشاكل الناس ومعاناتهم. فقد انتقد الدردير تقصيرهم وتقديم مصالحهم الشخصية، وفشلهم في توفير الخدمات الأساسية، وتجاهلهم للمأساة اليومية التي يعيشها أغلب الشعب في أنحاء البلاد.

بيد أن شهادة باتيلي جاءت وليدة تجربة مباشرة استمرت 18 شهرًا، كان خلالها في تعامل دائم واجتماعات متواصلة مع مختلف الأطراف والمسؤولين في أنحاء البلاد. وقد خلص إثر ذلك إلى أفكار حددها بدقة في مناسبات عدة، أبرزها إحاطته الأخيرة حول الوضع في ليبيا خلال جلسة دورية رسمية أمام مجلس الأمن بتاريخ 16 أبريل 2024.

وهذا قليل مما جاء في تلك الإحاطة:

■ «من المحبط أن نرى أفرادًا يتولون مناصب في السلطة يقدمون مصالحهم الشخصية على احتياجات بلدهم».

■ «إن الشهور الماضية شهدت تدهور الوضع في ليبيا، بسبب عاملين رئيسيين، الأول هو الافتقار إلى الإرادة السياسية وحسن النية من قبل الجهات الفاعلة الليبية الرئيسية».

■ «يجب وضع حد لهذا الإصرار الأناني الذي يبديه القادة الحاليون للإبقاء على الوضع القائم من خلال تكتيكات المماطلة والمناورات على حساب الشعب الليبي».

■ «هناك رفض مقصود من الأطراف الليبية لإجراء الانتخابات، مما كشف عن تحدٍ متعمد للانخراط بشكل جدي وإصرار على تأخير الانتخابات بشكل دائم».

■ «لا يمكننا أن نسمح بطغيان المصالح الضيقة لقلة من الناس على تطلعات 2.8 مليون من الناخبين الليبيين المسجلين».

■ «قوبلت، للأسف، بمقاومة عنيدة وقوبلت بتوقعات غير منطقية ولا مبالاة بمصالح الشعب الليبي».

■ «إن الوضع الاقتصادي يزداد سوءًا.. على خلفية سوء الإدارة من قبل القادة الحاليين الذين ليس لديهم أي اعتبار لمصلحة الشعب الليبي، وبالتالي فإن البلاد تنزلق أكثر فأكثر إلى الفوضى».

تحذيرات باتيلي

إن أسلوب حديث باتيلي عن المسؤولين في ليبيا يكاد لا يخفي «الامتعاض» والاستياء الشديد؛ وقد توَّجه بإعلان استقالته المفاجئة من منصبه في مؤتمر صحفي عقده عقب تقديم إحاطته الأخيرة، تاركًا خلفه إقرارًا دوليًا بفشل منظومة الحكم الحالية.

فهذه المنظومة، وفقًا لشهادة باتيلي، تقوم على: تقديم المصالح الشخصية؛ غياب الإرادة وحسن النية؛ المماطلة والتمسك بالسلطة؛ تعطيل الاستحقاق الانتخابي؛ تجاهل الإرادة الشعبية؛ مقاومة الجهود الدولية. والنتيجة الحتمية (بحسب وصفه): «الانزلاق أكثر فأكثر إلى الفوضى».

اللافت في هذا كله هو رد فعل المسؤولين تجاه خطبة الدردير، ومن قبل ذلك تجاه حديث باتيلي وإداناته الحاسمة: التجاهل التام.

هذه الحالة من «اللامبالاة» من قبل السلطات المتعددة والمسؤولين تجاه التحذيرات المحلية والدولية هي مؤشر رئيس على ماهية الخطوة المقبلة التي ينبغي على الشعب التحرك تجاهها للخروج من أزمته.

فحين يتطابق وصف الشيخ، الذي يتحدث بنبض الشارع، مع التقرير الموثق من الدبلوماسي الأممي، يتكشف بوضوح حجم الهوة بين تطلعات الشعب ومطامح أقلية حاكمة تصر على إدارة البلاد بمنطق الغنائم لا الواجبات.

وهو ما لخصه باتيلي في الإحاطة نفسها بتحذيره الأخير: «لا يمكن أن تتحرك بنجاح في مواجهة قادة يضعون مصالحهم الشخصية فوق حاجات البلاد».

***
عمر ابراهيم الحداد ــ مدير الموقع والمحتوى الرقمي، بوابة الوسط

___________