بقلم الشّايب
يبدو أنه لا مفر من تفكيك آثار الجماهيرية في وزارة الداخلية وجهاز الأمن الداخلي وبقية الأجهزة الأمنية إن أردنا أن نبني دولة مدنية دستورية. لأن الانتقال إلى دولة مدنية دستورية لا يتحقق بمجرد تغيير الوزير أو إعادة هيكلة الأجهزة؛ لأن المشكلة أعمق:
فالجماهيرية تركت منطقًا أمنيًا وسياسيًا داخل مؤسسات يفترض أن تكون خاضعة للقانون والدستور.
وبالتالي علينا أن نفرّق بين مسارين للتفكيك:
المسار الأول: تفكيك آثار الجماهيرية في وزارة الداخلية. والمقصود ليس هدم الوزارة أو إقصاء العاملين فيها، وإنما تفكيك الثقافة والوظائف والشبكات التي تجعل الوزارة أداة للسلطة بدل أن تكون جهازًا لخدمة المجتمع. ومن أهم الآثار السلبية التي ينبغي تفكيكها:
-
تحويل الأمن الداخلي من حماية المواطن إلى مراقبة المجتمع.
-
الخلط بين الأمن السياسي والأمن الجنائي.
-
غياب الحدود الواضحة بين الشرطة والأجهزة الاستخباراتية.
-
الولاء للأشخاص أو الجماعات بدل الولاء للقانون.
-
استخدام المعلومات الأمنية لأغراض سياسية.
-
ضعف الرقابة القضائية والمدنية على العمل الأمني.
-
استمرار أنماط التجنيد والترقية المبنية على الولاء.
-
التعامل مع الاحتجاج والمعارضة باعتبارهما تهديدًا أمنيًا بالضرورة.
وهنا تظهر قاعدة مهمة:
إصلاح وزارة الداخلية يبدأ بتحديد ما الذي يجب أن تفعله الدولة أمنيًا، وما الذي يجب أن تتوقف عن فعله تمامًا.
المسار الثاني: تفكيك آثار الجماهيرية في جهاز الأمن الداخلي. وهذا أكثر حساسية؛ لأن جهاز الأمن الداخلي يقع عند نقطة التماس بين الدولة والمجتمع السياسي.
ففي الدولة الدستورية، ينبغي أن تكون هناك إجابة واضحة عن أسئلة مثل: من يراقب الجهاز؟ ومن يحدد صلاحياته؟ ومتى يجوز له جمع المعلومات؟ وما حدود مراقبته للمواطنين؟ ومتى يحتاج إلى إذن قضائي؟ ومن يحاسبه إذا تجاوز القانون؟ وهل يستطيع استخدام المعلومات الأمنية للتأثير في السياسة؟
إذا لم تكن هذه الأسئلة محسومة دستوريًا وقانونيًا، فقد نعيد إنتاج جهاز أمن الجماهيرية تحت اسم جديد. والأهم: لا ينبغي أن يكون المشروع «تطهيرًا» .وهذه نقطة شديدة الأهمية في الحالة الليبية. فالتفكيك الناجح لا يعني: القديم مرفوض، والجديد صالح. بل يعني أن يكون هناك:
وظيفة مشروعة، وقانون واضح، وقيادة مهنية، ورقابة مهنية، ومساءلة عادلة
أي أننا لا نستهدف الأشخاص باعتبارهم «بقايا جماهيرية»، وإنما نستهدف البنية والسلوك والقواعد غير الدستورية. وهذا ينسجم تمامًا مع فكرة أن بناء الدولة الممكنة يبدأ بتفكيك آثار الجماهيرية، وليس بمجرد إعلان قيام مؤسسات جديدة.
الخطوة التالية مهمة جدًا وهي على 3 مستويات:
ــ وضع خريطة تفكيك آثار الجماهيرية في قطاع الأمن الداخلي.
ــ تُقسم الخريطة إلى ملفات: وزارة الداخلية، وجهاز الأمن الداخلي، والشرطة، والاستخبارات، والسجون، والمعلومات الأمنية، والتشريعات، والقيادات، والموارد البشرية، والرقابة القضائية والمدنية.
ــ ويحدد لكل ملف ما الذي يجب إلغاؤه، وما الذي يجب إصلاحه، وما الذي يجب بناؤه من جديد، وبأي ترتيب زمني.
وبالتالي نركز على تفكيك آثار الجماهيرية في قطاع الأمن الداخلي وبناء الأمن المدني الدستوري، في أربع طبقات مترابطة:
ــ التشخيص: ما الذي بقي من منطق الجماهيرية داخل وزارة الداخلية والأمن الداخلي؟
ــ التفكيك: ما الذي يجب إلغاؤه أو فصله أو إعادة تعريفه؟
ــ إعادة البناء: ما شكل الشرطة والأمن الداخلي في الدولة المدنية الدستورية؟
ــ الانتقال التدريجي: كيف ننفذ ذلك تدريجيًا دون خلق فراغ أمني أو صدام شامل مع العاملين والمؤسسات القائمة؟
ومن المهم جدا أن نضع (مبدأ حاكم) لعملية التفكيك وهو:
لا يمكن بناء دولة مدنية دستورية بجهاز أمني يعمل بمنطق الدولة غير الدستورية، حتى لو حمل اسمًا جديدًا وارتدى أفراده زيًا جديدًا
ومن هنا نستطيع أن ننتقل إلى السؤال الأصعب: ما الذي نفعله تحديدًا بالأجهزة والأفراد الموجودين اليوم؟ وهنا سنحتاج إلى تصنيف دقيق بين المؤسسة، والوظيفة، والقيادة، والعنصر، والشبكة، والسلوك؛ لأن الخلط بينهم سيحوّل مشروع التفكيك إلى مشروع إقصاء، وهذا سيكون خطأ استراتيجي كبير.
هذا التمييز بين المؤسسة والوظيفة والقيادة والعنصر والشبكة والسلوك سيمنعنا من الوقوع في خطأ شائع: التعامل مع «تفكيك الجماهيرية» باعتباره عملية استبدال أشخاص بأشخاص. بل يمكن أن تكون القاعدة أن نُفكك الوظائف غير الدستورية والشبكات غير القانونية والسلوكيات غير المهنية، ونحافظ على كل ما هو مهني ومفيد للدولة، ونُعيد دمج الأفراد وفق معايير الكفاءة والقانون والولاء للمؤسسة. وهذا يعني أن الإصلاح الأمني ليس نقطة واحدة في الزمن، وإنما عملية انتقال من أمن السلطة إلى أمن الدولة والمواطن.
وهنا نحتاج إلى التصنيف السباعي؛ وهو أداة تحليلية لفصل الأشياء التي تختلط عادةً عندما نتحدث عن «إرث الجماهيرية». وهذا التصنيف سيعطينا أداة عملية يمكن استخدامها لاحقًا ليس فقط في الداخلية والأمن الداخلي، بل أيضًا في القضاء والمالية والنفط والخارجية وبقية مؤسسات الدولة.
وهذا نموذج للتصنيف السباعي، في الأجهزة الأمنية:
ــ المؤسسة: مثل وزارة الداخلية أو جهاز الأمن الداخلي. وهنا نسأل: هل وجود المؤسسة ضروري للدولة الحديثة؟ وما الشكل الدستوري الصحيح لها؟
ــ الوظيفة: ماذا تفعل المؤسسة فعليًا مثل الشرطة الجنائية؟ كجمع المعلومات، ومكافحة الإرهاب، وحماية المنشآت، ومراقبة النشاط السياسي. هنا نميز بين الوظيفة المشروعة والوظيفة التي لا مكان لها في الدولة الدستورية.
ــ القيادة: أي الأشخاص الذين يتولون إدارة المؤسسة بحيث لا يكون معيار التغيير «قديم أو جديد»، وإنما الكفاءة، والمهنية، والنزاهة، والاستعداد للخضوع للقانون.
ــ العنصر البشري: أي الضباط والموظفون والأفراد العاملون داخل المؤسسة. حيث لا يجوز افتراض أن كل من عمل في مؤسسة قديمة هو جزء من النظام القديم. ولذلك نحتاج إلى تقييم مهني وفردي.
ــ الشبكة: العلاقات غير الرسمية التي تربط أشخاصًا أو وحدات أو مصالح ببعضها، وقد تكون سياسية أو مالية أو أمنية. وهذه ربما تكون أصعب من المؤسسة الرسمية نفسها، لأنها تعمل خارج الهيكل القانوني.
ــ السلوك: الطريقة التي يمارس بها الفرد أو المؤسسة سلطتها مثل التعذيب، والاعتقال التعسفي، والابتزاز، والتدخل السياسي، واستخدام المعلومات ضد الخصوم، والولاء الشخصي… إلخ.
وهنا يكون المعيار الفعل وليس الانتماء السابق.
ــ القواعد والتشريعات: القوانين واللوائح والتعليمات التي تمنح المؤسسة صلاحياتها وتحدد حدودها، وقد يكون لدينا موظفون مهنيون، لكنهم يعملون بموجب قانون يسمح بصلاحيات لا تتوافق مع الدولة الدستورية.
لماذا هذا التصنيف مهم؟ لأنه يسمح لنا بأن نصل إلى نتائج أكثر دقة. مثلًا، إذا وجدنا داخل جهاز أمني ما: مؤسسة ضرورية ووظيفة ضرورية وقيادة فاسدة وعناصر غير مهنية وشبكة غير قانونية وسلوكيات موروثة وتشريعات قديمة، فالحل ليس إلغاء المؤسسة. بل الحل يكمن في تعديل التشريعات، ثم محاسبة السلوك غير القانوني، ثم تفكيك الشبكات، ثم تقييم العناصر، ثم تغيير القيادة، ثم إعادة تعريف الوظيفة، ثم الإبقاء على المؤسسة.
آثار الجماهيرية ليست موجودة فقط في الأشخاص؛ قد تكون موجودة في وظيفة، أو قانون، أو شبكة، أو طريقة تفكير، أو سلوك مؤسسي. ولذلك لا يمكن تفكيكها بمجرد تغيير الأشخاص.
من أخطر آثار المرحلة الانتقالية عندما تصبح الحدود بين الأمن الداخلي والأمن الخارجي غير واضحة، وتصبح الدولة عاجزة عن معرفة من يملك ماذا، ومن يحاسب من. ولذلك لابد أن نبدأ بالتمييز بين وظائف الأجهزة الأمنية العاملة:
ــ الأمن الداخلي: وظيفته حماية النظام الدستوري والمجتمع والأفراد من الأخطار داخل الدولة، ضمن القانون وتحت رقابة مؤسسات الدولة.
ــ الأمن الخارجي: وظيفته حماية الدولة من التهديدات القادمة من خارج الحدود، وجمع وتحليل المعلومات المتعلقة بالدول والجهات الخارجية.
ــ الشرطة: وظيفتها إنفاذ القانون والتحقيق الجنائي وحماية الأشخاص والممتلكات.
ــ الاستخبارات: وظيفتها جمع وتحليل المعلومات، وليس اعتقال الناس أو إدارة المجال السياسي.
هنا علينا أن نكون حذرين جدا من مفهوم أمني خطير وهو “الأمن السياسي” حيث يكون هناك جهاز مستقل وظيفته حماية السلطة السياسية من المجتمع وخاصة مراقبة الخصوم السياسيين. ففي الدولة الدستورية لا ينبغي أن يكون هناك جهاز أمني مستقل يقوم بهذه الوظيفة.
المشكلة في ليبيا ليست في تداخل الاختصاصات فقط. بل هناك تداخل في ثلاثة مستويات:
ــ تداخل قانوني: أي أن القوانين واللوائح لا ترسم حدودًا دقيقة بين الأجهزة.
ــ تداخل مؤسسي: أي أن أكثر من جهاز يستطيع الوصول إلى المعلومة نفسها، أو التدخل في المجال نفسه.
ــ تداخل سياسي: أي أن الأجهزة قد تستخدم الصلاحيات الأمنية للتأثير في الصراع السياسي، فيتحول الأمن من وظيفة للدولة إلى طرف في السياسة.
وهنا تظهر أهمية التصنيف السباعي. فعندما ندرس جهازي الأمن الداخلي والأمن الخارجي، لا ينبغي أن نسأل فقط: ما هو الجهاز؟ بل ما هي وظيفته؟ وما صلاحياته؟ ومن يقوده؟ ومن يعمل فيه؟ ومع من يتداخل؟ وما المعلومات التي يملكها؟ ومن يراقبه؟
علينا أيضا تبني مبدأ: لا إصلاح أمني قبل ترسيم المجال الأمني. أي أننا قبل أن نتحدث عن إعادة هيكلة جهاز الأمن الداخلي أو وزارة الداخلية، نرسم أولًا خريطة الاختصاصات الأمنية للدولة الليبية. وبعد ذلك نحدد أين يقع كل جهاز موجود اليوم داخل هذه الخريطة؟ وما الذي ينبغي نقله منه وإليه؟ وما الذي ينبغي إلغاؤه أصلًا؟
هذه الخطوة ستكون شرطًا سابق لأي برنامج لإصلاح الأمن الداخلي في ليبيا. فالمشكلة ليست فقط كثرة الأجهزة أو التشكيلات، وإنما غياب هندسة أمنية واضحة للدولة. وهذا أنتج تعدد مراكز الأمن في غياب مركز أمني دستوري واضح. فأصبحت لدينا عدة ظواهر في وقت واحد:
-
جهاز رسمي وتشكيلات مسلحة تؤدي وظائف متشابهة.
-
اختصاصات تتداخل ولا توجد حدود واضحة بينها.
-
معلومات أمنية موزعة بين جهات متعددة.
-
مسؤوليات لا تتطابق مع الصلاحيات.
-
صلاحيات لا تقابلها رقابة كافية.
-
تدخل أمني في المجال السياسي.
-
وأحيانًا وجود أكثر من جهة تستطيع التعامل مع المواطن باعتباره «شخصًا أمنيًا» دون أن يعرف المواطن أساس ذلك.
وهنا يكتسب مشروع تفكيك آثار الجماهيرية معنى جديد. فالجماهيرية لم تترك لنا فقط مؤسسات أو أجهزة مهترئة؛ بل تركت تصورًا خطيرا للعلاقة بين السلطة والمجتمع، حيث السلطة تحتاج إلى اختراق المجتمع ومراقبته والسيطرة عليه أكثر من حاجتها إلى حمايته وخدمته.
للأسف، بعد 2011 لم يُبنَ بديل مؤسسي مكتمل لهذا التصور، فدخلت عوامل جديدة: التشكيلات المسلحة، والانقسام السياسي، والأجهزة المتعددة، والنفوذ المحلي، والتنافس على المعلومات والصلاحيات. لذلك ربما تكون المعادلة الليبية الحالية كالتالي:
إرث أمني جماهيري و انهيار مؤسسي و تعدد مسلح و انقسام سياسي، يؤدي إلى فوضى أمنية
ومن هنا نحن نحتاج إلى إعادة بناء منظومة الأمن الوطني في الدولة المدنية الدستورية، وتبدأ من سؤال سابق على كل الأجهزة: ما هي منظومة الأمن التي تحتاجها الدولة الليبية أصلًا؟ والتي ينبغي أن نضع لها أُسُسها بدءا بالمساءلة ثم الرقابة ثم المعلومات ثم الموارد البشرية، ثم القيادة ثم الأجهزة ثم توزيع الاختصاصات ثم العلاقة بالدستور والقانون، ثم نصنع العقيدة الأمنية.
لأننا إذا بدأنا بالأجهزة الموجودة حاليًا، سنظل أسرى للفوضى الموجودة. أما إذا بدأنا بالوظائف التي تحتاجها الدولة، ثم صممنا المؤسسات التي تؤديها، فنحن نبدأ فعليًا في بناء الدولة الممكنة.
مسألة توحيد المؤسسة العسكرية لها آثار مباشرة على أوضاع الأجهزة الأمنية والشرطية، وهذا المشروع يحتاج إلى وقت طويل خاصة إذا تم تأجيل الدمج الشامل وإعادة الهيكلة النهائية. وبالتالي قد تكون الأولوية في هذه المرحلة هي بناء الثقة بين المؤسسات، ومنع الصدام، وحماية الأجهزة من التسييس، وتثبيت الوظائف والحدود.
قد لا تتحقق فكرة الجيش الموحد بالمعنى التنظيمي الكامل، لأن البيئة السياسية نفسها لم تستقر بعد. ولأن الدمج في ظل غموض سياسي شديد قد ينتج توحيدًا شكليًا فوق انقسامات فعلية، أو يحول عملية التوحيد إلى صراع على القيادة والسيطرة. ولكن لا ينبغي تأجيل مجموعة من المبادئ الحاكمة مثلا:
-
القوات المسلحة مؤسسة وطنية وليست طرفًا سياسيًا.
-
تحديد حدود علاقتها بالأجهزة الأمنية ضرورة قصوى.
-
منع استخدام المؤسسات العسكرية والأمنية في الصراع السياسي.
-
وضع قواعد واضحة لسلسلة القيادة والمسؤولية.
-
حماية المعلومات والأجهزة الحساسة من التوظيف السياسي.
-
ضرورة بناء معايير مهنية موحدة، قبل تحقيق الوحدة التنظيمية.
وهذه تؤدي إلى مرحلة تحييد وإعادة ضبط القطاع الأمني والعسكري، ليس مرحلة توحيد.
وأظن أن السؤال المهم الذي يستحق الطرح هو: إذا تأجل توحيد القوات المسلحة، فما هي الأولويات خلال هذه الفترة في الأمن الداخلي والأمن الخارجي والقوات الشرطية حتى لا تتحول فترة التأجيل إلى استمرار للفوضى؟
في هذا الموضوع علينا أن نفرق بين: (أ) توحيد المؤسسة العسكرية وهذا يمكن أن يتأخر، (ب) وتوحيد العقيدة العسكرية والأمنية والمعايير وهذا ينبغي أن يبدأ مبكرًا، و(ج) ومنع الحرب والاحتكاك بين مراكز القوة وهذا لا يحتمل التأجيل.
أي علينا أن نعمل على بناء أرضية مشتركة بين المؤسسات والقوى العسكرية والأمنية، من دون محاولة حسم مسألة القيادة والسيطرة دفعة واحدة. وفي الوقت نفسه، يجب ألا يُفهم أن هناك قبولا بتعدد الجيوش والأجهزة الأمنية.
___________