عبدالله الكبير
أعادت خطبة الشيخ الزين الدردير لمنبر الجمعة هيبته وحضوره وتأثيره، بالنقد الذي وجهه للمسؤولين عن سوء الخدمات، والتباين الطبقي بين طبقة المسؤولين المترفين والمحتكرين لأفضل الخدمات، فيما لا يحصل عامة الناس حتى على الحد الأدنى من هذه الخدمات، محملا الحكومة المسؤولية الكاملة عن سوء الخدمات والأوضاع بشكل عام.
ليست المرة الأولى التي يوجه فيها النقد والنصح للحكومات المتعاقبة في ليبيا، ولكنها لم تحقق ما حققته خطبة الشيخ الدردير من الانتشار عبر مواقع التواصل، والجدل الذي أثارته في الشارع الليبي، ولعل السبب الأبرز في هذا الانتشار هو إحساس الناس بأن الخطاب يعبر عنهم بالفعل، وأن ما يرددونه في أحاديثهم الخاصة، جهر به شيخ يرتدي اللباس الليبي التقليدي، ويتحدث بلهجة ليبية بسيطة يفهمها الجميع.
كما أن ما ذكره عن ما يتمتع به المسؤولون الكبار من خدمات في الكهرباء والتعليم والصحة، بينما يعاني غالبية الناس من الانقطاعات الطويلة للكهرباء، وضعف الأداء والمستويات التعليمية في المدارس، وتدني الخدمات الصحية في المصحات والمستشفيات، كشف عن واقع التباين الطبقي الصارخ الذي بدأ واضحا في المجتمع الليبي، ولكن أبرز ما انتقده الشيخ في خطبته هو استبعاد أهل الاختصاص والكفاءة في تولي المسؤوليات.
لا مبالغة في القول أن هذه الخطبة حررت المنبر من الخطاب التقليدي، المفضل لدى السلطة، لأنه يصرف الناس عن معاناتهم التي لم تكن بسبب كارثة طبيعية، أو شح في الموارد لا تملك له الحكومة حيلة، بل لأسباب يمكن معالجتها متى تولى شؤون البلاد أهل الكفاءة والاختصاص، ونهضت المنابر الدينية والثقافية والإعلامية بدورها، بخطاب قريب من الناس، يلامس معاناتهم وهمومهم، ويوجههم ويرشدهم، ويبين لهم دورا مفقودا لن تستقيم الأمور إلا بتفعيله.
صحيح أن الأزمة في ليبيا معقدة، ويزداد تعقيدها مع مرور السنوات دونما بصيص ضوء في آخر النفق، وأن تحميل السلطات المتعاقبة وحدها المسؤولية مجحف، لأن هناك مسؤولية تخص عامة الناس، وهي التخلي نفسيا وعمليا عن نظام المحاصصة، وعن التعصب الجهوي والقبلي، فاعتماد مبدأ الجدارة والكفاءة في تولي المناصب والمسؤوليات العامة، يعني الاقتناع والقبول بالاختيارات القائمة على معايير الكفاءة، وعدم التذمر إذا لم يكن للمدينة أو القبيلة نصيب في التكليفات العامة.
لقد أثبتت تجارب دول سبقتنا أن أفضل وصفة لتدمير مؤسسات الدولة، وزيادة معدلات الفساد، وتخريب قطاعات التعليم والصحة وغيرها من الخدمات العامة، هي اعتماد مبدأ المحاصصة في تولي المناصب العامة.
الدولة ليست غنيمة تتقاسمها القبائل وفقا لمعيار ما قدمته من دماء في المعركة، ومن ينشد الحصول على خدمات رفيعة المستوى للجميع لا ينبغي أن يتمسك بابن القبيلة، بل الأكثر جدارة وخبرة بين المتقدمين.
إن تسليم الأمانة للنزيه والأجدر والأمين بصرف النظر عن القبيلة أو المدينة التي ينحدر منها، ليس هو فقط ما سيقلب حياتنا من بؤس إلى سعادة، ولن يخرجنا بلمسة سحرية من الظلمات إلى النور، ثمة أدوار أخرى لا تقل أهمية كدعم المؤسسات الرقابية والعدلية، واحترام حقوق الإنسان من الأجهزة الأمنية، ولكنه قاعدة أساسية وطبيعية في كل المجتمعات المتقدمة.
شرحت هذه الفكرة ذات مرة لصديق مغرم بكرة القدم. قلت له: إذا وضعنا هدفا وطنيا وهو وصول منتخبنا الوطني لكرة القدم إلى كأس العالم، وقررنا العمل على تنفيذه. تعاقدنا مع مدرب عالمي سجله حافل بالإنجازات، وقدمنا له كل ما طلبه من إمكانيات، وبدأ في اختيار أفضل اللاعبين الذين لا يختلف اثنان على مواهبهم وقدراتهم، ثم خاض الفريق غمار التصفيات التمهيدية، ستكون فرصتنا في تحقيق الهدف كبيرة، أليس كذلك؟ قال نعم. لأننا مضينا في الطريق الصحيح.
– حسنا، لنفترض أننا أوصينا المدرب قبل مباشرته مهامه، وقلنا له: نحن دولة تكونت من ثلاثة أقاليم تاريخية ولابد أن تتضمن تشكيلة المنتخب لاعبين من كل الأقاليم، ونحن مجتمع يقوم على وحدة القبيلة ولدينا قبائل شريفة لابد أن يشارك لاعبون ينتمون لها مع المنتخب، حتى لو كان أغلب اللاعبين الجيدين في إقليم واحد، لا مناص من اعتماد هذا المبدأ في إعداد المنتخب، لكي نقطع دابر التهميش من جذوره.
هنا سيقدم المدرب استقالته غالبا أو يقبل بسبب إغراء المرتب والمكافآت، ولكن فرصتنا في تحقيق هدف الوصول إلى كأس العالم ستكون متدنية جدا. أليس كذلك؟ قال نعم.. نحن بأفضل ما لدينا من لاعبين وإن شاء الله نوصلوا.
– جميل جدا.. إذا فلتعتبر قيادات التعليم والصحة والكهرباء والمياه والشرطة والتخطيط العمراني وغيرها.
منتخب تريده أن يحقق لك أفضل المستويات، إما أن تختار لقيادتها أعلى الكفاءات وأفضل الخبرات وأرفع الشهادات، لتكون فرصتك أفضل في الحصول على أجود الخدمات، أو تراعي في اختياراتك الأقاليم والقبائل الشريفة والقبائل العريقة والعائلات النبيلة، لتحصل على ما تنعم به أنت الآن.
___________
