بقلم الشّائب

فيما مضى أُطلق على طرابلس العاصمة الليبية لقب عروس البحرولكنها عروس بائسة منذ عقود، فهي مثخنة بالفوضى العمرانية والزحمة المرورية وتكدّس النفايات في شوارعها. يجوبها في الليل القوارض.

مجالس بلدياتها في مكاتبهم الفاخرة، وسكانها وتجارها لا يهتمون بالنظافة أمام بيوتهم ودكاكينهم ومحلاتهم بل يكدّسون زبالتهم في الطرقات وعلى أرصفة المشاة. والناس يمشون وسط الطريق بين السيارات، لأن الأرصفة الخاصة بالمشاة تسكنها العربات والبضائع والمقاهي وغيرها.

هذا وصف حقيقي لعروس البحر، فكيف يمكن أن نقنع أي سائح أو مستثمر أو تاجر بأن العاصمة جميلة وأحيائها راقية وحمامات مساجدها نظيفة ومدارسها بألوان زاهية ومقاهيها مريحة.

هذا موضوع يستحق النقاش، بل ربما هو من أكثر الموضوعات أهمية إذا كان الهدف هو التفكير في مستقبل العاصمة بصورة عملية لا شعاراتية. ما نطرحه هنا ليس مجرد قضية نظافة، بل قضية ثقافة مدنية وإدارة حضرية وواجهة دولة.

العاصمة ليست مدينة عادية؛ إنها الواجهة التي يحكم من خلالها الزائر على البلد كله. المستثمر أو السائح أو الخبير الأجنبي الذي يصل إلى طرابلس لن يقرأ التقارير الاقتصادية أولاً، بل سيرى الشوارع والأرصفة ونظافتها ويتعامل مع الفوضى في النظام المروري ومع العنف في سلوك الناس في الفضاء العام.

من المفارقات أن كثيرا من الناس يحرصون على نظافة بيوتهم ومحلاتهم ومكاتبهم، لكنهم لا ينظرون إلى الشارع باعتباره امتداداً لملكيتهم المعنوية ومسؤوليتهم الجماعية. وهذه ليست مشكلة طرابلس وحدها، لكنها في الحالة الليبية تفاقمت بسبب عقود من تراجع مؤسسات الحكم المحلي وضعف مفهوم المال العاموالمجال العاموالشأن العام“.

وبالتالي يمكن تلخيص أزمة العاصمة في عدة مستويات:

أولا، أزمة إدارة بسبب ضعف البلديات وإمكانياتها، وغياب خطط متكاملة لجمع النفايات وإعادة تدويرها، وضعف الرقابة على إشغال الأرصفة والاعتداء على الفضاء العام.

ثانيا، أزمة ثقافة مدنية: حيث اعتبار الشارع مسؤولية الدولة فقط، وغياب الشعور بأن تشويه الحي يضر بقيمة العقار والتجارة وجودة الحياة، والتساهل مع المخالفات الصغيرة التي تتراكم لتصبح فوضى عامة.

ثالثا، أزمة تخطيط عمراني: حيث هناك توسع عمراني غير منظم، وتحويل الأرصفة إلى مواقف سيارات أو امتدادات للمحال، واختناق مروري ناتج عن نمو المدينة دون تطوير البنية التحتية.

رابعا، أزمة مساءلة: حيث المواطن لا يحاسب البلدية، والبلدية لا تملك أدوات كافية لمحاسبة المخالفين، والنتيجة أن الجميع يشتكي ولا أحد يشعر بأنه مسؤول.

وأعتقد أن الخطأ الذي يقع فيه كثير من الليبيين هو الاعتقاد بأن الحل يكمن فقط في زيادة الميزانيات. الواقع أن مدناً كثيرة في العالم كانت أفقر من طرابلس لكنها أصبحت أنظف وأكثر انتظاماً بسبب الانضباط والقانون والإدارة الفعالة.

ومن زاوية مشروع تفكيك آثار الجماهيرية الذي ناقشنا بعض جوانبه سابقاً، يمكن القول إن بناء الدولة المدنية لا يبدأ فقط بالدستور والانتخابات، بل يبدأ أيضاً من أشياء تبدو صغيرة: رصيف صالح للمشي، وحاوية قمامة في مكانها، وشارع لا يحتله الباعة والسيارات، ومدرسة نظيفة، وحمام عام صالح للاستخدام. هذه التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع الحضارة في الحياة اليومية.

وربما السؤال الأكثر أهمية ليس: “كيف نقنع السائح بأن طرابلس جميلة؟ بل: كيف نجعل سكان طرابلس أنفسهم يشعرون بالفخر وهم يسيرون في شوارعها؟ فعندما تصبح المدينة مريحة ونظيفة وآمنة لأهلها أولاً، لن تحتاج إلى حملات دعائية لإقناع المستثمر أو السائح؛ فالمدينة ستتحدث عن نفسها.

هذه القضية ترتبط ارتباطاً مباشراً بمشروع أوسع، وهو تفكيك الموروثات والسلوكيات التي ترسخت خلال عقود طويلة من النظام الجماهيري. فالفوضى في الشارع ليست مجرد مشكلة بلدية، بل هي أيضاً انعكاس لطريقة تفكير تعتبر أن المجال العام لا يخص أحداً، بينما الدول الناجحة تقوم على فكرة معاكسة تماماً: المجال العام ملك للجميع، ولذلك فهو مسؤولية الجميع.

أنا أعتقد أن هذا الملف يستحق أن يكون أحد المحاور الرئيسية في أي مشروع إصلاح وطني، لأن صورة العاصمة ليست قضية تجميلية بل قضية تنموية واقتصادية وثقافية وسياسية في الوقت نفسه. وبالتالي، ينبغي إدراج هذا الملف ضمن مشروع إصلاحي تحت عنوان: استعادة المجال العام وبناء الثقافة المدنية

المشكلة الحقيقية ليست القمامة وحدها، بل العلاقة المختلة بين المواطن والفضاء المشترك الذي يعيش فيه.

هذا المشروع الإصلاحي ينبغي أن يتضمن عدة محاور:

أولاً، إعلان حق المواطن في مدينة محترمة:

فمن حق المواطن أن يجد شوارع نظيفة، وأرصفة صالحة للمشي، وحدائق عامة، ودورات مياه عامة نظيفة، ونقل عام منظم، وبيئة حضرية آمنة وجميلة. فغالباً ما نتحدث عن الحقوق السياسية، لكن جودة الحياة اليومية حق لا يقل أهمية.

ثانياً، استعادة الأرصفة للمشاة:

هذه قضية رمزية وعملية في آن واحد. ففي كثير من أحياء طرابلس المركز، الأرصفة محتلة بالسيارات أو بالبضائع أو بالبناء العشوائي. وبالتالي يجب أن نتبنى مبدأ الرصيف للمشاة أولاً. فالمدينة التي لا يستطيع الناس المشي فيها ليست مدينة سليمة.

ثالثاً، تحويل النظافة إلى مسؤولية مشتركة:

بدلاً من تحميل البلديات وحدها المسؤولية، يمكن تبني مبدأ من يلوث يدفع سواء كان فرداً أو متجراً أو شركة أو ورشة أو مؤسسة عامة. فالعقوبات الصغيرة المستمرة أكثر فاعلية من الحملات الموسمية.

رابعاً، ربط النظافة بالاقتصاد:

كثيرون لا يدركون أن القمامة تكلف الاقتصاد أموالاً ضخمة. فالمدينة النظيفة تجذب الاستثمار، وترفع قيمة العقارات، وتنشط السياحة، وتخفض تكاليف الصحة العامة. أما المدينة المتسخة فتطرد المستثمر قبل أن يقرأ أي قانون استثماري.

خامساً، إصلاح التعليم المدني:

ربما يكون هذا أهم محور على المدى الطويل. يجب أن يتعلم الطفل منذ دخوله المدرسة احترام الطابور، واحترام الرصيف، والمحافظة على المرافق العامةِ، وفرز النفايات، واحترام المدرسين والتلاميذ في الفصل وفي ساحة المدرسة. فهذه ليست أموراً ثانوية، بل أسس الحياة المدنية.

سادساً، إطلاق مؤشر سنوي لجودة المدن:

بدلاً من التركيز فقط على السياسة، يمكن قياس النظافة، والمساحات الخضراء، وجودة الأرصفة، والمرور، والإضاءة، والخدمات البلدية. ثم يتم نشر النتائج علناً. فالمنافسة بين البلديات قد تكون أكثر تأثيراً من الخطب.

سابعاً، إعادة تعريف الوطنية:

وهذه نقطة فكرية مهمة لان كثير من الناس يربطون الوطنية بالشعارات الكبرى فقط، بينما يمكن إدخال مفهوم جديد.

الوطنية ليست فقط الدفاع عن الوطن، بل أيضاً عدم رمي كيس قمامة في الشارع، وعدم تخريب مرفق عام، وعدم احتلال رصيف للمشاة.

ثامناً، مشروع طرابلس واجهة ليبيا“:

بما أن العاصمة هي أول ما يراه الزائر، يمكن اعتبارها مشروعاً وطنياً مستقلاً. ليس الهدف تحويلها إلى مدينة فاخرة، بل إلى مدينة نظيفة، ومنظمة، وقابلة للمشي، ومحترمة بصرياً. فإذا نجحت طرابلس في هذا التحول، ستصبح نموذجاً يمكن نقله إلى غيرها من المدن.

أعتقد أن هذه الفكرة تستحق أن تضاف إلى مشروعنا الفكري حول تفكيك آثار حقبة الجماهيرية، وهي فكرة أن تدهور المجال العام لم يكن مجرد نتيجة نقص الموارد، بل نتيجة ترسيخ ثقافة مفادها أن ما يخص الجميع لا يخص أحداً“.

لذلك فإن إعادة بناء الدولة المدنية تبدأ أيضاً بإعادة بناء قيمة المجال العام في وعي المواطن، بحيث يشعر أن الرصيف والحديقة والساحة العامة والمدرسة والمرفق الحكومي جزء من ممتلكاته المعنوية التي يجب أن يدافع عنها ويحافظ عليها. هذه الفكرة قد تكون جسراً مهماً بين الإصلاح السياسي والإصلاح الثقافي الذي نسعى إلى بلورته.

يتبع

_____________